
وما زال مذيع قناة «الجزيرة» مباشر، أيمن عزام، معتقلًا في قطر، حتى فكرت في الذهاب إليه، حيث يقيم مع «سلومة الأقرع»، بعيش وحلاوة!
العيش في الثقافة المصرية هو الخبز، ويقسم المصريون على العيش والملح، حيث الطعام، الذي جمع القاسم مع آخرين، فكل الطعام يتم اختزاله في العيش والملح، ولهذا يعتبرون خيانتهما أمرًا نكرًا، فماذا في المرء من شهامة إذا خان العيش والملح!
فالعيش هو الخبز، ولهذا رفعت الثورة المصرية «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، بمعنى توفير الأكل للناس، فالعيش هو كل الطعام، ويختزل في رغيف الخبز، وقد ارتبطت زيارة السجين بالعيش والحلاوة، والتي هي «حلاوة طحينية»، ولا أعرف ما إذا كان الاسم شائعًا في بلاد الله الواسعة أم أنه قاصر على المحروسة؛ حيث يطلقون العيش على الخبز، فيسمى رغيف عيش، وأحيانًا ينطقون الكلمة الأخيرة معرفة بأل.. رغيف العيش!
ورغم أن الدنيا تطورت، فقد ظل «العيش والحلاوة» مرادفًا للسجن، ولهذا انطلقت من المجاز إلى الحقيقة، وهممت بزيارة أيمن عزام في محبسه بعيش وحلاوة، قبل أن يخرج بنفسه ويعلن أنه ليس معتقلًا في قطر، بيد أن الخبر شاع وذاع، واستمر هناك من يروجون له رغم ذلك، ولا نعرف ما هي أهدافهم الخفية؟!
اللهو الخفي: وطرد خديجة بن قنة وجمال ريان
فعندما تطالع «إكس» بالذات، سوف تكشف سيلاً من أخبار الاعتقالات في قطر، والاتهام هو تجميد المعتقلين في إيران، ولا نعرف سببًا لذلك، فهي حملة بدأت قبل الحرب، فانتشرت عبر منصات التواصل أخبار عن «طرد خديجة بن قنة، وجمال ريان من الجزيرة»، طرد هكذا يكتبون، بينما تكون خديجة على الشاشة تقرأ نشرة الأخبار!
واستغل «اللهو الخفي» وفاة جمال ريان، في نشر الخرافات، وكيف أنه جرى فصله من العمل، فمات مكلومًا، والرجل على قوة العمل لآخر يوم في حياته لم يصبه أذى، وهناك من ذهبوا في منشوراتهم إلى أبعد من ذلك، على نحو جعل من الفضاء الإلكتروني «مرستان»، ومستشفى مجانين، فما الذي يحمل السلطات القطرية على الانتقام من الرجل، وفي إمكانها إذا طبقت قانون الدولة المرتبط بسن الإحالة للتقاعد، التخلص من وجوده كلية، بل لو طبقت لوائح المؤسسة فسوف تمنعه من التغريد منعًا باتًا.
بيد أنه الجنون، الذي يملأ الفضاء الإلكتروني، وفي اللحظة التي كنت أقرأ فيها لمن يقول إن الباحثة في مركز الجزيرة للدراسات فاطمة الصمادي معتقلة، ومحددة إقامتها، وأُجبرت على إغلاق صفحتها على «تويتر»، ظهرت أمامي صفحتها، فإذا بها في حالة تغريد مستمر ومكثف يوميًا، إلى أن وصلت لليوم الأول للحرب، فوجدتها كتبت منشورًا يفيد أنها الآن في طهران، ومن الواضح أنها تقطعت بها السبل نتيجة وقف الطيران، ولا أعرف إن كانت عادت من هناك، لكنها في الأخير ليست معتقلة أو محددة إقامتها، ولا يستدعي الأمر زيارتها «بعيش وحلاوة»!
الذين يستمرون في نشر الأكاذيب لا يعنيهم أن من يبحث سوف يتأكد من عدم صحة هذه الشائعات، لكن يبنون خطتهم على أن أحدًا لن يتحرى الدقة ويقف على أنه لم يتم طرد خديجة بن قنة وجمال ريان من الجزيرة، ولم يتم اعتقال أيمن عزام وفاطمة الصمادي، بما يستوجب الزيارة «بعيش وحلاوة»، وإذا رأى مصدق خديجة بن قنة على الشاشة فسيقول الذكاء الاصطناعي، وإذا قرأ نفي أيمن عزام لخبر اعتقاله، وإعلان الصمادي أنها في طهران، فسيقول إنهم كتبوا هذا تحت ضغوط من حمزة البسيوني قائد السجن الحربي في العهد الناصري، وربما أوكل البسيوني لمساعده الشاويش صفوت الروبي بالمهمة، فكتب بالنيابة عنهم؛ نفي أيمن عزام لخبر اعتقاله، وإعلان فاطمة أنها في طهران.
حالة عبثية يمكن فهمها في سياق الحملة على قطر و»الجزيرة»، وهناك اتهام للقناة بأنها هذه المرة ليست محايدة (بمعنى ليست موضوعية)، وهناك من يتهمها بالنقيض من ذلك تمامًا بأنها منحازة لطهران بالكلية!
وعندما قرأت لصديق يتهمها بأنها متواطئة لصالح إسرائيل وأمريكا، سألته، وما الدليل على ذلك، فلا تجاهل للأخبار الواردة من طهران، ولا إنكار لما نراه رأي العين من إصابة أهداف في تل أبيب؟
فكان جوابه: لا أعرف.. لكن هذا هو إحساسي!
في حافلات هيئة النقل العام في مصر، وأعلى المقاعد المخصصة للمعاقين وكبار السن كتبت عبارة «الإحساس نعمة». فهل ما زال الإحساس نعمة؟!
سلامة أحاسيسك الجياشة!
رأس الأفعى أم أبرهة الأشرم؟!
لم يكن المسلسل الرسمي محظوظًا هذا العام! وفي كل عام تتبنى السلطة عملًا دراميًا في شهر رمضان، لنقل روايتها في حدث أو حول شخص، في تشويه غير مسبوق لمعنى الدراما، وكان المسلسل هذه المرة هو «رأس الأفعى»، الذي يحكي قصة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين الأكاديمي محمود عزت.
وكما أن هناك من يستبدلون الخيال بالواقع، فالجديد في عالم السياسة في مصر هو اعتماد الدراما على أنها كتاب أو فيلم توثيقي، فيُعرض المسلسل وتنشر الصحف ما جاء في حلقة اليوم، كما لو كان الحقيقة لا الدراما!
وهي مرحلة تعيدنا إلى زمن الطفولة البشرية، حيث التعرف على الأشياء، فما الفيلم، وما التلفزيون، وما الدراما، وما الرواية، وما المقال، وما الصحيفة، وماذا تعني المقابلة، سواء صحافية أو تلفزيونية، وما المذيع، وكيف نفرق بينه وبين الضيف؟
بعد عدة حلقات من مسلسل «الأفعى» كانت الحرب على إيران، التي أخذت الناس بعيدًا عن الانشغال بما يكتب عن هذا العمل، الذي يقع في منزلة بين منزلتين، فلا هو عمل وثائقي، ولا عمل درامي، ولكم سألت نفسي: إذا كانت التحقيقات مع القيادي الإخواني محمود عزت فيها ما يصلح لتحويلها لعمل درامي، فلماذا لم تُنشر في الصحافة المكتوبة والمواقع الإلكترونية؟ فدائمًا الحقائق أكثر أهمية من الدراما!
ليست عندي رغبة في التعرض للمسلسل، إلا من حيث كونه عملًا دراميًا، ولم تخترع السلطة الحالية الدراما، والمعمول به في الأعمال التاريخية أن تُعرض على مؤرخين للتدقيق، وفي الأعمال الدينية تُعرض على الأزهر، وقد شاهدنا كيف أن مسلسل «الجماعة» لوحيد حامد راجع وقائعه التاريخية د. حمادة حسني، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة قناة السويس، مع أكثر من ثلاثين كتابًا مثلث مرجعًا له.
ووَحيد حامد ليس مجرد «صنايعي» في كتابة السيناريو، ولكنه كاتب ومثقف وصاحب وجهة نظر، لكن الأصول في النهاية هي ما تحكم أي صنعة، ولا نعرف الخلفية الثقافية لمؤلف «رأس الأفعى»، والذي احتجت لمعرفة اسمه عندما هممت بكتابة هذه السطور إلى اللجوء إلى محرك البحث غوغل، وهو من الجيل الجديد الذي تمدد في المشهد في السنوات الأخيرة، دون أن يصنع اسمًا أو يترك بصمة!
قرارات الإخوان في الجريدة الرسمية
ومن الواضح أن «رأس الأفعى» لم يُراجع تاريخيًا، وإلا لما وقع العمل في خطأ تصوير محمود عزت أنه كان يجمع الأسلحة لحرب فلسطين، ويقوم بتخزينها داخل البيوت في مصر، وقد كان عمره حينذاك أربع سنوات، وهي مسألة، إذا أوجبتها الضرورة السياسية، فكان يمكن أن تُعالج دراميًا بدون تحميلها على عزت، والمستهدف تحميله بكل الخطايا، وكأنه أبرهة الأشرم!
المراجعة المهمة من وجهة نظري كان ينبغي أن تُوكل لمسؤولي مكافحة التطرف بالأمن الوطني، وهم لهم تاريخ طويل من التعامل مع الجماعة عن قرب، ومن المؤكد أن كثيرين من هؤلاء على قيد الحياة، وكان يمكن الاستفادة بخبرتهم في العمل، لتدارك العبث الذي حدث عندما يقول عزت: «طلع لي قرار بفصل محمد كمال من الجماعة.. سأوقع على القرار فورًا والبديل موجود»!
وهو تصور يوحي، كما لو أنها ليست جماعة محظورة قانونيًا، ولكنها شركة مسجلة في هيئة الاستثمار، أو مؤسسة رسمية، تصدر فيها القرارات وتُوقَّع، وقد تُختم بختم النسر، وتُنشر في الجريدة الرسمية، وأن الجماعة تمسك بالدفاتر، وتوزع على المنتسبين لها بطاقات عضوية، وهم يحملون كروت تعارف: عضو عامل، عضو منتسب، محب!
في أحد الأعمال الدرامية القديمة كنا نتندر على أحد الممثلين، والخيل والليل والبيداء تعرفه، بينما في يده ساعة «أورينت»! إنها الفوضى!
٭ صحافي من مصر
