الكذبة حين تتحول إلى واقع نفسى
ليست قيمة العمل الدرامى الحقيقى فى أنه يعيد سرد واقعة صادمة يعرفها الناس، بل فى أنه ينتزعها من منطقة الدهشة العابرة ويضعها فى موضع السؤال الإنسانى العميق: كيف يحدث هذا أصلًا؟، كيف تستطيع امرأة أن تبنى حياتها كلها على كذبة، ثم لا تكتفى بأن تخدع الآخرين بها، بل تعيش داخلها، وتُعيد ترتيب العالم من حولها بحيث تبدو هى الحقيقة الوحيدة الممكنة؟
هذا بالضبط ما يجعل «حكاية نرجس» أكثر من مجرد دراما مأخوذة عن حادثة شهيرة، وأكثر من مجرد قصة عن خطف أطفال أو ادعاء أمومة أو تزوير تحاليل، لأنها فى جوهرها مواجهة شديدة القسوة بين الإنسان وجرحه النرجسى حين يعجز عن احتماله، وبين المجتمع حين يضغط على هذا الجرح حتى يتحول من ألم صامت إلى بناء مرضى كامل، وقبل أن تُروى الحكاية على الشاشة كانت هناك بالفعل واقعة حقيقية تعود إلى تسعينيات القرن الماضى لامرأة عُرفت إعلاميًا باسم «عزيزة بنت إبليس»، وهى تسمية شعبية قاسية، لكنها تكشف كيف يتعامل الوجدان الجمعى مع الشر حين يعجز عن فهمه؛ إذ يحوله إلى أسطورة سوداء، أو إلى صورة شيطانية مكتملة، بينما الواقع النفسى أكثر تعقيدًا وإرباكًا بكثير..
لم تكن القصة مجرد ادعاء عابر أو حيلة محدودة للهروب من الإحراج، بل بناء متصل من الخداع دام سنوات، أوهمت فيه المرأة من حولها بحمل غير موجود، ثم اختطفت أطفالًا حديثى الولادة من المستشفيات، وعادت بهم إلى العالم باعتبارهم أبناءها، ثم استخرجت لهم الأوراق، وفرضت الرواية على المحيط، حتى تحولت الكذبة مع الزمن من فعل احتيالى إلى واقع يُعاش من الداخل، وكأنها لم تعد تمثل قصة غير صحيحة، بل تمثل الحقيقة الوحيدة التى يمكن أن تبقى الذات متماسكة.
من هذه النقطة تحديدًا يبدأ الفهم السيكودينامى الحقيقى للشخصية، لأننا لا نكون أمام شر درامى تقليدى ولا أمام امرأة تمارس الخداع بمنطق المكسب والخسارة وحده، بل أمام بنية نفسية معقدة تتشكل فى ملتقى الحرمان العميق مع هشاشة الأنا ومع ضغط اجتماعى لا يرحم، ثم تلجأ دفاعيًا إلى أكثر آليات النفس تطرفًا: الإنكار الكلى وإعادة تركيب الواقع.
إن العقم هنا ليس واقعة طبية باردة ولا نقصًا عضويًا فحسب، بل جرح نرجسى نافذ يضرب فى عمق الهوية الأنثوية داخل مجتمع ما زال، فى مناطق واسعة من وجدانه، يربط اكتمال المرأة بقدرتها على الإنجاب، ويعامل الأمومة لا كاختيار إنسانى بل كشرط للقبول الاجتماعى والاستمرار الرمزى والشرعية الوجودية. وفى مثل هذا المناخ لا يُعاش العقم كخبر سيئ فقط، بل كوصمة، كفضيحة صامتة، كإهانة لا تجرح الجسد وحده بل تضرب صورة الذات فى مقتل، ولهذا فإن النفس الهشة قد لا تحتمل الحقيقة كما هى، فتبدأ فى فعل ما هو أخطر من الكذب.. تبدأ فى إعادة تشكيل العالم بحيث يصبح الألم غير موجود أصلًا، أو يصبح الآخر هو حامل النقص، وهى الضحية التى تعرضت للظلم، هنا تُزوَّر التحاليل ولا يُنظر إلى التزوير باعتباره فعلًا معزولًا، بل باعتباره حجرًا أول فى بناء واقع بديل، ويُختطف الطفل لا بوصفه مجرد ضحية لجريمة، بل بوصفه عنصرًا ضروريًا فى استكمال هذه الحقيقة المصنوعة، ثم تُعاد كتابة القصة كلها من جديد بحيث يبدو كل شىء متسقًا، ويصبح الكذب، لا أخلاقيًا بل نفسيًا، وسيلة بقاء.
الوجه.. والضحية الصامتة
هذا ما يفسر أن الشخصية لا تبدو، فى كثير من لحظاتها، شخصية مراوغة فقط، بل شخصية تصدق نفسها إلى الحد الذى يجعل إنكارها أقرب إلى اليقين، وكأنها حين تنفى الحقيقة لا تقوم بمناورة واعية، بل تدافع عن البنية الأخيرة التى تمنعها من الانهيار، ومن هنا فإن جمود الوجه، وقسوة النظرة، والتصلب الغريب فى الملامح، ليست مجرد أدوات أداء أو إشارات إخراجية إلى الشر، بل دلائل نفسية شديدة الثراء، لأن الوجه هنا لا يعود مجرد سطح تعبيرى، بل يصبح سيرة كاملة مكتوبة على الجلد، وهنا تتجلى عبقرية الأداء عند ريهام عبدالغفور فى أهم أدوار عمرها، إذ لم تقدّم الشخصية عبر انفعال زائد أو مباشرة أدائية، بل عبر اقتصاد دقيق فى التعبير، جعل الصمت أبلغ من الكلام، والنظرة أكثر كشفًا من الجملة؛ فكانت قادرة على أن تنقل للمشاهد هذا التوتر الخفى بين ما يُخفى وما يتسرّب، بين القناع وما يفضحه، حتى بدا الوجه وكأنه يحمل وحده تاريخ الشخصية وصراعها الداخلى، وهو ما لا يتحقق إلا عند ممثلة تمتلك وعيًا عميقًا بالنفس الإنسانية، وقدرة نادرة على تحويل أدق التفاصيل إلى معنى كامل.
إن ما يظهر بوصفه افتقادًا للحركة أو برودة شعورية يمكن فهمه على أنه نوع من التسطح الوجدانى الدفاعى، أى ذلك التجميد المقصود أو شبه المقصود للانفعال لأن أى تماس حقيقى مع الشعور الأصلى، شعور العار أو النقص أو الخواء أو الفشل، قد يفتح الباب لانهيار شامل، والوجه إذن لا يتحجر لأنه خالٍ من المشاعر، بل لأنه ممتلئ بما لا يمكن السماح له بالظهور؛ فالقناع لا يغطى الوجه فقط، بل يغطى العالم الداخلى كله، والمفارقة أن القناع كلما ازداد إحكامًا، كشف من تحته شيئًا أكثر رعبًا، لأن الحياة حين تغيب من الملامح يلوح من خلفها ذلك الصلب القاسى الذى يخيفنا جميعًا… الذات التى لم تعد تحتمل ذاتها.

عزيزة

إسلام

حمزة العيلي
وإذا نظرنا إلى بنية الشخصية من زاوية اضطرابات الشخصية وجدنا تقاطعات واضحة مع ما يسمى بالنرجسية الخبيثة، أى ذلك التكوين الذى يجمع بين عظمة هشة فى الداخل وبين غياب ملحوظ للتعاطف مع استعداد لاستباحة الآخر حين يصبح ضرورة لحماية الذات. هناك أيضًا ملامح معادية للمجتمع فى الخداع والتزوير واستعمال الناس كأدوات، لكن الفارق المهم هنا أن الدافع لا يبدو منفعيًا صرفًا، بل يبدو أعمق من مجرد الرغبة فى السيطرة أو المكسب، فهو أقرب إلى محاولة يائسة للهروب من انهيار داخلى ساحق، وأحيانًا تتصلب القناعة بالكذبة إلى درجة تجعلها تشبه الضلالة الجزئية أو الاعتقاد الوهمى المحدود، لا بمعنى الذهان الكامل، بل بمعنى أن النفس تتماهى مع السردية الدفاعية، إلى حد يصبح فيه التراجع عنها تهديدًا لوجودها نفسه، ولهذا فإن فهم هذه الشخصية لا يتحقق بإدانتها أخلاقيًا فقط، رغم أن الإدانة الأخلاقية مفهومة ومشروعة، بل يتحقق أيضًا بردها إلى منطقها النفسى الخاص، لا لتبرير الفعل بل لفهم الكيفية التى يمكن أن ينقلب بها الجرح إلى جريمة حين يغيب الاحتواء ويشتد القهر، ولا يكتمل الفهم من غير السياق الاجتماعى الذى يتورط، بصمته أو بتوقعاته أو بقسوته الرمزية، فى صناعة هذا النوع من المآسى؛ فالمجتمع الذى يجعل الأمومة شرطًا للاكتمال، والذى يحول العقم إلى وصمة، والذى يدفع المرأة إلى الدفاع المستميت عن صورتها الإنجابية أمام العيون والهمسات والمقارنات، يخلق مناخًا خانقًا لبعض النفوس الهشة.
صحيح أن المجتمع لا يخطف طفلًا ولا يزور تحليلًا ولا يقتحم حضانة مستشفى، لكنه يهيئ التربة التى يصبح فيها بعض الناس مستعدين لفعل أى شىء كى لا يسقطوا من دائرة القبول، وهنا تتبدَّى المأساة فى صورتها الأشد مرارة.. امرأة تبحث فى العمق عن الأمان والانتماء والاعتراف، لكنها، لأنها عجزت عن احتمال نقصها، سلكت طريقًا يحطم الأمان ذاته، وينتهك الانتماء ذاته، ويدمر المعنى الذى ظنت أنها تنقذه. لقد أرادت أن تكون أمًا بأى ثمن، لكنها حين جعلت الطفل أداة لترميم ذاتها انقلبت الأمومة من علاقة رعاية إلى علاقة امتلاك، ومن معنى إنسانى إلى قناع دفاعى.
وعلى الضفة الأخرى تقف شخصية الزوج، كما تجسدت فى «عونى»، لا باعتبارها مجرد طرف مخدوع فى الحكاية، بل باعتبارها نموذجًا دالًا على شكل آخر من الضحايا الصامتين، وهنا يبرز أداء حمزة العيلى بوصفه أحد أهم مفاتيح قراءة هذه الشخصية، إذ قدّم نموذجًا نادرًا فى التمثيل الصامت، حيث لم يعتمد على الخطابة أو الانفعال الظاهر، بل على خلجات وجهٍ دقيقة، ونظرات عينين تحملان ما لا يُقال؛ فعبّر عن مكنونه قبل المعلن، وعن تاريخه النفسى قبل كلماته، باقتصاد فذ فى اللغة الجسدية، حتى بدا وكأنه يكتب الشخصية من الداخل لا يمثلها من الخارج، وهو أداء صعب تفوّق فيه على نفسه، ودخل به بجدارة باب النجومية الحقيقية التى لا تقوم على الحضور الصاخب، بل على القدرة العميقة على الإمساك بما هو خفى ومسكوت عنه.
هذا الرجل البسيط حسن النية لم يُخدع فى معلومة عابرة، بل تعرض لهجوم مباشر على جوهر هويته الذكورية كما يصوغها المجتمع، إذ قيل له إنه العقيم فصدّق، لا لأنه ساذج فقط، بل لأن علاقته كلها كانت قائمة على اختلال قوى واضح بين امرأة مسيطرة ورجل يبحث عن القبول والسلام وتجنب الصدام، ومع الوقت تصبح الرواية المفروضة حقيقة داخلية، ويعيش الرجل داخل شعور بالنقص، وينكمش، ويتجنب المواجهة، ويتحول العجز الذى أُلصق به من اتهام خارجى إلى جزء من تعريفه لذاته، من هنا تبدو لحظة انكشاف الحقيقة وإعادة بناء حياته، ثم زواجه وإنجابه، لحظة شديدة الأهمية نفسيًا، لأنها لا تمثل مجرد تكذيب لادعاء قديم، بل تمثل تحررًا متأخرًا من هوية مفروضة، واستعادة لحقه فى أن يكتب نفسه خارج الرواية التى عاش محبوسًا داخلها سنوات. وحين يواجهها بوجه جديد وشارب قوى ونظرة صافية فهو لا يستعرض انتصارًا ذكوريًا فقط، بل يعلن انفصالًا نفسيًا كاملًا عن الماضى، كأن الواقع نفسه قرر أخيرًا أن يفكك الكذبة من داخلها.
الطفل.. الهوية الممزقة.. والمأساة الوجودية
لكن المأساة الأعمق تظل كامنة فى مصير الطفل الذى كبر داخل هذه الكذبة، لأن الجريمة فى صورتها الأكثر قسوة لا تكمن فقط فى اختطافه من أمه الأولى، بل فى تكوينه النفسى كله داخل حقيقة ليست حقيقته؛ فالطفل لا يعرف الأم بيولوجيًا فى البداية، بل يعرفها كموضوع نفسى أول، كحضن وصوت ورائحة وإيقاع استجابة وطمأنة، ولذلك فإن المرأة التى ربته، حتى لو كانت خاطفة، تصبح فى جهازه النفسى أمًا فعلية من حيث الارتباط، وهنا تنشأ المعضلة المستحيلة؛ فحين يُقال له لاحقًا إن اسمه ليس اسمه، وإن أمه ليست أمه، وإن تاريخه الشخصى قائم على اختلاق، فإنه لا يواجه مجرد تصحيح معلومات، بل يواجه ارتجاجًا فى البنية الأساسية للهوية، والاستمرارية التى تُبنى بها الذات منذ الطفولة تنكسر فجأة؛ فيشعر الإنسان، أى إنسان فى موضعه، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، لذلك فإن تمسكه بمن ربّته لا يعنى حبًا للشر ولا دفاعًا عن الجريمة، بل يعنى وفاءً لمصدر الأمان الأول، ومحاولة يائسة لحماية تماسكه الداخلى من التفكك.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم ذلك الشغف المصرى اليومى بالسؤال عن الأصل والنسب وعبارات مثل «إنت ابن مين يا وله؟»، التى تبدو فى ظاهرها عفوية شعبية، لكنها فى العمق تشير إلى مركزية السلسلة والاسم والانتماء فى تشكيل القيمة الإنسانية داخل الثقافة.
إن الإنسان عندنا لا يُنظر إليه باعتباره ذاتًا مستقلة وحسب، بل باعتباره امتدادًا لاسم وعائلة ومرجعية، لذلك فإن انكسار قصة الأصل لا يصيب معلومة نسبية فقط، بل يصيب البناء الرمزى للذات، وحين يبحث هذا الابن عن جذره البيولوجى فهو لا يبحث عن فضول معرفى، بل يبحث عن مرآة مفقودة، عن جملة قد تساعده على أن يقول «أنا» بشكل متماسك، لكنه فى الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن الأم التى ربته ولو لحين، لأنها ليست أمًا بيولوجية فحسب أو ليست بيولوجية أصلًا، بل أم نفسية بكل معنى الكلمة، وهنا يبلغ العمل الدرامى ذروته المأساوية.. حقيقتان صحيحتان نفسيًا لكنهما لا تلتقيان، حقيقة الدم وحقيقة الارتباط، حقيقة القانون وحقيقة المشاعر، حقيقة الجريمة وحقيقة الأمومة الشعورية.
فى تلك المشاهد التى يذهب فيها الابن إلى نرجس بعد أن عرف، أو ينهار فى حضنها طالبًا الحقيقة ومتشبثًا بها فى الوقت نفسه، نكون أمام واحدة من أكثر المفارقات السيكودينامية تعقيدًا فى الدراما الحديثة. هو لا يذهب إليها لأنها بريئة، بل لأنها وطنه النفسى الأول. وهى لا تتمسك به فقط لأنها كاذبة، بل لأنها لا تستطيع أن تتخلى عن التعريف الوحيد لنفسها الذى أنقذها من الانهيار: أنا أم، ومن هنا فإن رفضها الاعتراف حتى وهى تحت وطأة المرض والموت لا يبدو مراوغة قانونية، بقدر ما يبدو دفاعًا أخيرًا عن بقايا الذات، الاعتراف عند هذه النقطة لم يعد يعنى كشف الحقيقة فحسب، بل يعنى انهيار كل ما استندت إليه حياتها، والوقوف عارية أمام نفسها قبل الآخرين بوصفها امرأة عاقرًا ومذنبةً وسارقةً ومُدمرةً لمعنى الأمومة ذاته، لذلك تموت، وهى متشبثة بالصورة الأخيرة التى تمنحها تماسكًا: أنها أم، ولو كانت أمومتها قد بُنيت على انتهاك أمومة أخرى.
ولعل واحدة من أقوى لحظات النص الدرامى والمعنى الإنسانى معًا تظهر عندما يتكلم القانون بلسان أعمق من القانون، حين لا يعود الحكم مجرد عقوبة، بل يصبح إعادة تعريف أخلاقى ونفسى للأمومة؛ فالأمومة ليست ملكية تُنتزع، ولا وظيفة جسدية تُزوَّر، ولا هوية تُصنع بالقوة، بل هى علاقة تنشأ من الرحمة والقبول والتسليم والإتاحة للآخر، كى يكون لا كى يتحول إلى ترميم لفراغنا الداخلى، ولهذا فإن اختطاف طفل ليس سرقة لشخص فحسب، بل اقتلاع لقلب من قلب، وتمزيق لرابطة أولية يؤسس عليها الإنسان كله معنى الأمان والثقة، ومن هنا تبدو العبارة التى تقول إنها «كسرت قانون الفطرة قبل قانون الدولة»، عبارة بالغة الدقة، لأنها تنقلنا من الجريمة بوصفها خرقًا لنص قانونى إلى الجريمة بوصفها خيانة للبنية الأولى التى يقوم عليها الارتباط البشرى. الفطرة هنا ليست مجرد مفهوم وعظى، بل هى ذلك النظام العميق الذى يجعل الأم أمًا والطفل طفلًا والحضن مأوى لا غنيمة.
فى النهاية لا تعرّى «حكاية نرجس» امرأة واحدة، بقدر ما تعرّى هشاشة الإنسان حين يتواطأ جرحه الداخلى مع قسوة العالم الخارجى، ولا تكشف لنا فقط كيف يمكن للكذب أن يتحول إلى واقع، بل كيف يمكن للنفس، حين تعجز عن احتمال نقصها، أن تبتلع الحقيقة كلها وتعيد صناعتها على صورتها، وهذا هو لب المأساة الفلسفى والوجودى معًا: أن الإنسان لا يهلك دائمًا لأنه شرير، بل أحيانًا لأنه ضعيف أمام حقيقة لا يستطيع حملها، ولأن بعض الجروح إذا لم تُحتوَ تتحول إلى آلات لإنتاج الوهم، ثم إلى أدوات لتدمير الآخرين، ثم إلى مصائر كاملة تُبنى فوق فراغ لم يجرؤ أحد على النظر إليه.
ولا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن الجهد الإبداعى الذى صاغه من الأساس؛ فالنص الذى كتبه عمار صبرى ينجح فى التقاط هذه المنطقة الشائكة بين الدراما والواقع، بين الجريمة والبنية النفسية، دون أن يسقط فى التبسيط أو الوعظ المباشر، حتى وإن شابته بعض الهنّات التى يمكن تفهّمها واغتفارها فى عمل يتعامل مع مادة شديدة الحساسية والتعقيد، كما أن إخراج سامح علاء، فى أول تجربة تلفزيونية طويلة له بعد تجاربه الناجحة فى الأفلام القصيرة، يُحسب له أنه اختار لغة بصرية هادئة ومقتصدة، منح فيها المساحة للوجوه والصمت والتوتر الداخلى كى يتكلم، دون إفراط فى الإبهار أو افتعال درامى، وهو اختيار واعٍ يتسق مع طبيعة العمل النفسية، أما الموسيقى التصويرية لـتامر كروان فقد جاءت كطبقة شعورية موازية لا تشرح الحدث بل تُعمّقه، تضيف إليه ظلالًا من القلق والاختناق والتوتر الصامت، وتمنح المشاهد إحساسًا مستمرًا بأن ما يُقال أقل بكثير مما يُخفى، بينما جاءت أغنية التتر «تستنوا إيه» بصوت رحمة رياض كامتداد وجدانى لحالة الانتظار المشحون التى تسيطر على العمل كله، وكأنها تلخّص فى نبرتها السؤال الأكبر الذى يطرحه العمل دون أن يجيب عنه بشكل مباشر.
وما بين الدراما والواقع لا يبقى السؤال الحقيقى هو كيف خطفت الأطفال أو كيف زورت التحاليل أو كيف استمرت كل هذه السنوات، بل كيف يمكن لذاتٍ بشرية أن تفقد القدرة على احتمال الحقيقة إلى هذا الحد، فتفضّل أن تهدم العالم على أن تواجه نفسها، وربما هنا تكمن المأساة الكبرى كلها: أن أخطر ما يفعله الإنسان ليس أن يكذب على الآخرين، بل أن ينجح فى تحويل كذبته إلى بيت داخلى يسكنه، ثم يدعو الآخرين قسرًا إلى العيش فيه معه، وحين ينهار هذا البيت لا يسقط فوق رأسه وحده، بل فوق رؤوس كل من أحبوه أو صدقوه أو تكوّنوا نفسيًا فى ظله.
