الشارقة 24:

نظم ملتقى الشارقة الرابع عشر لأوائل المسرح العربي، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية، اليوم السبت، ورشة عملية بعنوان “من النص إلى العرض: أساسيات الدراماتورجيا التطبيقية”، طرح فيها الدكتور جمال ياقوت، أستاذ التمثيل والإخراج والإنتاج المسرحي بقسم المسرح في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، سؤالاً محورياً حول مفهوم “الدراماتورجيا”، وهو: ما مدى المسافة بين النص المسرحي المكتوب والنص الذي يقدّم على الخشبة؟ هذا السؤال.

إعادة تشكيل النص

وأضاف ياقوت، أن ذلك لا يتعلق بمجرد الترجمة المسرحية أو الإعداد النصي، بل يلامس جوهر العمل الدراماتورجي، الذي يتوسط بين الإبداع والتنظيم في آن واحد، فالدراماتورجيا فعل إبداعي يهدف إلى إعادة تشكيل النص بما يتلاءم مع رؤية العرض وظروف التقديم، دون أن يفقد النص روحه أو خطابه الأساسي.

أشكال التدخل الممكنة

وأوضح ياقوت، أن الدراماتورجيا التطبيقية تتعامل مع النص كما يتعامل النحات مع الحجر الخام؛ إنها بحث عن التوازن بين الحفاظ على جوهر النص والتخلص مما يعوق تجسيده فوق الخشبة، وسلط الضوء على أشكال التدخل الممكنة، من حذف الجمل الحوارية الزائدة، ودمج الشخصيات الثانوية، وصولاً إلى حذف شخصية رئيسة كاملة حين تقتضي الرؤية ذلك، ولفت إلى أن هذا النوع من التعديل يجب ألا يفهم بوصفه تجرؤاً على النص، بل وسيلةً لتفعيله وجعله أكثر حياة وصدقاً أمام الجمهور.

عناصر العرض المسرحي

وعرج ياقوت، على الجدل النظري حول مفهوم الدراماتورجيا، مبيناً التباين بين من يحصرها في عملية “إعداد النص”، وبين من يوسع معناها لتشمل كل عناصر العرض المسرحي من التمثيل والإضاءة، إلى الديكور والموسيقى ودراسات التلقي، فالدراماتورج، في رأيه، لا يقتصر دوره على النص فقط، بل يشمل البيئة التي يولد فيها العرض، والجمهور الذي يتلقاه، والقيم التي يسعى إلى إيصالها.

توظيف المشاهد الافتتاحية لتعريف الجمهور بالحدث

وفي الجانب التطبيقي، قدم د. ياقوت، تمرينات عملية على ما سماه “دراماتورجيا النص”، مستعرضاً مجموعة من التقنيات التي تساعد على تحويل النص الأدبي إلى رؤية مسرحية قابلة للتجسيد، من أبرز هذه التقنيات: توظيف المشاهد الافتتاحية لتعريف الجمهور بالحدث أو الفكرة الرئيسة دون مباشرة، وحذف أو دمج الشخصيات الثانوية لتكثيف الحدث، ونقل الجمل بين الشخصيات لتغيير زوايا النظر، وتحويل البنية الحوارية إلى سردية في بعض المواضع، وإضافة جمل جديدة لتوضيح الصراع، وحذف الخطوط الدرامية الفرعية التي تضعف وحدة الموضوع.

إيقاع العرض وتماسكه الفكري والجمالي

وشدد على ضرورة أن يتعامل الدراماتورج مع كل ذلك برؤية واعية، تراعي إيقاع العرض وتماسكه الفكري والجمالي، مع تجنّب ما سماه “الذروة المضادة” التي قد تربك البناء الإيقاعي للنص، وأتاح للمشاركين تطبيق هذه التقنيات عبر تجربة مباشرة على نصوص مختارة، حيث قام المشاركون، بإعادة بناء مقاطع من نصوص عربية معاصرة وفق الرؤى الدراماتورجية التي تم تناولها، ثم قدمت النتائج لمناقشتها نقدياً.

وخلال النقاشات، برزت تساؤلات حول علاقة الدراماتورج بالمخرج وحدود تدخله في النص، وهل يمكن أن يؤثر ذلك في سلطة المخرج باعتباره صاحب الرؤية النهائية؟ أجاب ياقوت، بأن العملية المسرحية الحديثة تقوم على الشراكة لا الوصاية، وأن الدراماتورج يسهم في بلورة الرؤية لا في فرضها، فهو “العين البحثية” التي تراجع وتدقق وتشير إلى احتمالات التطوير.

أداة فكرية لتنظيم المعنى داخل العرض

وأكد ياقوت، أن الدراماتورجيا، في جوهرها، أداة فكرية لتنظيم المعنى داخل العرض، إذ تساعد على ضبط العلاقة بين النص والجمهور، وتمنح العرض إيقاعه الفكري والوجداني، ومن هذا المنطلق، دعا المشاركين إلى النظر إلى الدراماتورجيا بوصفها “بنية تفكير” تسبق التنفيذ ولا تضاف إليه لاحقاً، فهي شبيهة بخريطة طريق تحدد الاتجاه قبل انطلاق العمل.

صناعة مسرح عربي حديث ومتماسك

وفي ختام الورشة، عبر المشاركون عن تقديرهم للتجربة، مؤكدين أن الدراماتورجيا كانت، بالنسبة لكثيرين منهم، مفهوماً غامضاً تحول عبر هذه الورشة إلى أداة عملية ملموسة، فقد اكتشفوا كيف يمكن للنص أن يولد من جديد في كل مرة يقرأ فيها بعيون مختلفة، وكيف أن العمل الدراماتورجي الجيد يمكن أن يصنع الفارق بين عرض ناجح وآخر باهت.

وأكد د. جمال ياقوت، في نهاية اللقاء، أن الدراماتورجيا ضرورة لصناعة مسرح عربي حديث ومتماسك، فهي تمنح المبدع القدرة على التفكير النقدي في المادة التي يشتغل عليها، وتدربه على الإصغاء للنص والجمهور معاً، وعلى تحويل الأفكار إلى بنى درامية حية.