يا أحمد بيننا “خبز وملح …
اتصلت بإيمان بكداش زوجة صديقي احمد قعبور، الساعة الثامنة مساءً من يوم الخميس، 27 اذار، سألتها أين أحمد؟ 
قالت لي أحمد مات منذ حوالي ساعتين، كأنها قالت لي خرج منذ حوالي ساعتين وأنه سيعود، هكذا بدا لي صوتها، هكذا أوحى إليّ نبره، كأنَّ أحمد ذهب إلى المقهى إلى صحبته وسيعود. 
ربما هي بلا وعي فكرت هكذا، لا أدري، لكن في الغالب حين نفقد حبيبا لا نشعر بغيابه إلا بعد حين.
اين هو الآن؟ سألتها. 
أجابت: أخذوه إلى مستشفى المقاصد، وأكملت لي أنه سيخرج صباح الجمعة على العاشرة من هناك إلى جامع الخاشقجي، ثم سيذهب الى المقبرة التي بجواره!  
شعرت أن ذاك الحزن الذي تسرّب من صوت إيمان فيه أمل عودة قريبة لأحمد. حفيفه هو سيعود أو أنه لم يغادر هو موجود بصوته بأشيائه بأغنياته بفعلته بنظاراته بألبومات أغنياته التي بعضها لم يكتمل بصوره .
لكني فكرت بسؤالي اين هو الآن؟  
هل يعلم اين هو مثلما نحن علمنا، وهل على دراية بنا حين رافقناه إلى هناك؟ 
ياااا أحمد . 
عدت إلى ناحية من “حرش بيروت” ليس بعدا عن بيت أبيك الكمنجاتي، على أطراف المدينة، بيروتك التي أوجعك حزنها مثلما أوجعني .
كم من مرة هشموها لحبيبتك؟ 
كثر أنواع الغزاة والرعاع الذين هتكوا جمالها.  
تذكر يا صاحبي؟ 
كنا هناك يا أحمد في كلية الفنون على الروشة، يوم جاء تتار العصر، تذكر؟ 
كنا في طريق الجديدة في حروب الإخوة نستمع في بيتك إلى “علوا البيارق”، طرب خفيف مغلف بالحنين والطفولة  
كنا نحلم وكان حلمنا عظيما يا ابن بلدي، 
كنا نفرح وفرحنا مكسور يا ابن بلدي،   
تذكر هربنا مرة من جولات الحروب ذهبنا إلى بلدتي عكار، تذكر، استقبلتك امي فاطمة بالغناء، والرقص، صورتها منى سعيدون يوم كنتَ في المستقبل وبـ”تمون”. تذكر، حرقه الرعاع. وحرقوا فيلم فاطمة …
بااا احمد 
بيناتنا “خبز وملح” كيف غدرت بي . 
نسيت؟ كنا في صوت الشعب، وكتبت خبز وملح ما أطيب تلك الأيام، ورويت سيرة والدك الكمنجاتي العتيق، روينا فيها مع محمد شامل ومحمد علي فتوح ونور الهدى وسامي صيداوي وسعاد محمد ونجاح سلام وتوفيق الباشا ووداد ووديع الصافي كل ذلك الجيل، روى لنا سيرة المدينة في عز جمالها .
تذكر مثلت دور عبدون العجوز في المسلسل الذي استوحيتُه من “أشياء لا تموت” للروائي البيروني محمد عيتاني، مترجم رأس المال ولا مال لديه لكاس اخير، أصبحت جاره تحت هذا الشجر الدهري باسق كأنه أرواح من رحلوا . 
كنا في صوت الشعب شعباً كاملاً كنا ويعقوب الشدراوي ورضوان حمزة وزياد الرحباني، وأنطوان كرباج وحوليا قصار وعباس شاهين ونزار مروة وطوني فرنسيس وحنا صالح ومحمد العبدالله، مئات الأصدقاء وآلاف الحلقات كنا مثل طوفان والحياة نهر .
تذكر حوّلت مكتبي هناك إلى منتدى ومقهى للكتاب والممثلين والمثقفين والشعراء احتفلوا معنا بالحرية وبالحياة وكانت بيروت التي نسكنها تسكننا في كل ما كتبنا .
كانت “صندوق فرجة كبير عروسة الأمير” كيف كنا نكتب ونمثل ونفرح ونصرخ ونغني ونهمس ونضحك ونبكي ونلعب مرة على الخشبة ومرة في الحياة. يا لتلك الأيام .
حين زرتك قبل أيام وطوني فرنسيس ومرسيل خليفة، وعدتنا انك ستنهي عملك الجديد .
وأسمعتنا وثيقة موسيقية عن الذين اغتالتهم الأيادي السود. 
أدليت بشهادتك وعددت الأسماء التي غدروا بها.
جورج حاوي حسين مروة سهيل طويلة حسن حمدان خليل نعوس ووو….. كثر كثر، وبقينا نمشي في شوارع المدينة وخلفنا يمشي القاتل وأمامنا القتيل نسير في جنازته . 
سلم لي عليهم فرداً فرداً يا احمد 
يا احمد 
يا رفيقي 
ياااا جار 
يا بو سعد  
سنشتاق إليك.