حاليًا، تُجرى مشاهدة فيلم عن الحرب في زمن اشتعال الحرب. كيف يؤثر السياق على الكتابة؟

تتبع كاميرا هوليودية مقاتلًا أمريكيًا شجاعًا نجا في جبال قندهار. بطل خارق، ولكن من لحم ودم، ينتقل من قتال حركة طالبان إلى مقاتلة آلة. الشرق هو مكان شر حربي لا نهائي (War Machine، مارس 2026، للمخرج باتريك هيوز). تم قصف عدو شبح، هذا نهج هوليود؛ الآخر الأفغاني لا وجود له في الشاشة. التاريخ يكتبه المنتصرون، هذا موقف أيديولوجي. لذلك تحكي الكاميرا إنجازات البطل، وهو عضو نخبة صغيرة متميزة، تتشكل ممن يجمعهم رابط دموي يتجاوز الوظيفة. لا أحد يريد مشاهدة قصص الخاسرين والجنود العاديين.

كيف تتشكل النخبة البطلة؟

يجري انتقاء أولي دقيق للعناصر التي تخضع لثمانية أسابيع تمارين وسبعة حواجز للمضي في قافلة الإسبرطيين. للأرقام والأسماء هنا أصداء بطولية أسطورية وتاريخية. تحمل الأسطورة موقفًا أيديولوجيًا.

عنوان البطولة: كيف تتحقق لنا شارة المجد؟

جواب الأدبيات العسكرية: تتحقق بتسريع النصر. كيف نسرّع؟ بالفوز بالحرب بضربة قاضية. كيف؟ بضرب نقطة ضعف العدو وبالتغلب على صعاب لا نهائية، أشدها كمائن العدو وغدره.

من يحقق النصر يكافأ بميدالية الصاعقة، وهي لحظة مجد بالنسبة لجندي، وهي المعادل الموضوعي للأوسكار بالنسبة للسينمائي.

تذهب الميدالية لمن يبقى حيًا وينتصر. لكن هل النصر مضمون؟ لا أحد يزعم النتيجة، المهم أن مصير الدولة يبقى معلقًا بجيشها. هذه هي عقيدة الدولة القومية التي تتصرف بناءً على مصلحتها في واقع القانون الدولي على الورق، وواقع قانون الغاب على الأرض، قانون يفرض على كل هيئة أركان أن تشكل قوة ساحقة تحقق النصر السريع؛ لأن طول مدة الحرب يضاعف كلفتها ومخاطرها المميتة للأفراد والدول.

هذا هو سياق الفيلم الداخلي والسياق العالمي الذي صدر في زمن الحرب.

يبدأ الفيلم بتحذير من عنف لغوي ومادي. أولًا حرب كلام، ثم يسيل الدم، لكن هذه ليست حرب رمح آخيل، ولا سيف عنتر بن شداد، ولا طواحين دون كيشوت. ما هي الحرب في القرن الواحد والعشرين؟

حربان: رقمية وواقعية.

بشر الفيلم بحرب رقمية، ثم تورط بطله في حرب واقعية وجهًا لوجه مع عدو آلة في تضاريس صعبة. حالياً تقوم الآلة بالحرب، صار الجندي الذي يقاتل مهندس رياضيات يجلس محاطًا بالأزرار، هذه حرب أقرب لمقابلة شطرنج، الحرب مسألة رياضية يتفوق فيها طلبة الديناميكا الحرارية، لكن هذا لا يحقق بطولة كبيرة.

الحل؟

بعد الحرب الآلية عن بُعد لإضعاف العدو، تم تجسيم الجغرافيا خلف خطوط العدو لإرسال كومندو ينهي المهمة. هنا يتقدم الرجال ميدانيًا لصعق العدو. رجال عمالقة شجعان يقتحمون الأخطار لتعجيل النصر. يبحث الكومندو عن هدف تحت أرضي لإحراقه. هذه فيلم خيالي، وكل تشابه مع ما يجري حالياً مقصود يساعد على الفهم. تلعب الجغرافيا دورًا في الحروب. حسب حكايات جون دولافونتين، وحدها الجحور ضيقة المداخل تحمي الفئران من أعدائها.

ثم جاءت الرادارات وكاميرات الأقمار الصناعية، فجلبت طبوغرافيا التضاريس إلى شاشات قاعات الاجتماعات لتتخذ قرارات القصف عن بُعد، ثم يجري الاقتحام عن قرب في رمشة عين، لا مكان للتردد والتفلسف في عمل الجيوش.

لتنفيذ خطاطة هذه المهام المثالية جدًا، اعتمد المخرج ممثلين بوجوه عسكرية سميكة لا توحي لا بالقوة ولا بالذكاء، كاستينغ عضلي أكثر منه فني. بطل ضخم غير مقنع، بطل سطحي أضيفت له ندوب من الماضي لعله يكتسب عمقًا، لكنها ندوب مصوّرة بخفة وسرعة تجعل البطل أقل من عمق شخصية كريس كيلي في فيلم “القناص” 2014 لكلينت إيستوود.

لعرض الحرب، اعتمد المخرج صورًا ولقطات منسجمة لونًا ومكانًا، تيار ماء موحد في الصبيب وفي اللون وفي التضاريس المحيطة وفي تماوج الماء… يبدو هذا ديكورًا بلاستيكيًا.

قدم الفيلم وقائع سبق وشوهدت في أفلام قديمة لكن بطريقة مثالية جدًا، هذه لقطات حرب آلية رقمية تفتقد حقيقة الحرب. قدمها بطريقة رقمية تفتقد حقيقة الحرب، مما يتسبب في نقص الصدق الذي يحدثه الأثر الفني في نفسية المشاهد.

هذا مفعول صور رقمية معدلة تفتقد تنوع وتعقيدات الواقع، تناسق شديد في الأشكال والألوان والإضاءة… هذا مفعول رقمي لا واقعي، وهذا ما يضعف احتمالية الوقوع (likelihood) وبالتالي صدقية اللقطات. يمكن للقطات المولدة من الذكاء الاصطناعي تخفيض التكاليف، لكنها تضعف احتمالية الوقوع والتصديق. يشعر المشاهد مدمن الألعاب القتالية أنه يعرف أكثر مما يعرضه الفيلم.

عرض المخرج باتريك هيوز لقطات حرب لا ترقى لنصف تلك التي صورها فرانسيس فورد كوبولا (القيامة الآن 1979) وستانلي كوبريك (فول ميتال جاكت 1987).

يبدو أن الفيلم عن “آلة الحرب” هو أيضًا فيلم آلي رقمي. يثير الذكاء الاصطناعي الشكوك في الأعمال الفنية. يؤدي نقص الصدق إلى تشكيك المشاهد في احتمالية حدوث ما يراه، الحرب ليست مجرد خدعة، إنها دم وألم وخراب.

ما أسهل مشاهدة الحرب عن بُعد، وما أصعب عيشها على الأرض.

هل يمكن للنقد السينمائي أيضًا أن يصبح آليًا؟

يبدو أن تحرير نص عن فيلم عمل بشري صعب؛ لأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تحليل مشهد بشكل متناسق مع قواعد تاريخ التلقي المعقد.