
هجرته الفرنسية نقلته من كتابة راب لبناني/فلسطيني إلى راب عالمي يتذوقه الجميع
بيروت ـ «القدس العربي»: في فرنسا يعمل فنان الراب أسلوب على تطوير تجربته مع هذا الفن الذي ولد وكبُر معه. وهو إن لم يكتب موضوعاً فلسطينياً مباشراً، تراه يكتب اغترابه أحياناً وذاك الحنين المقيم بداخله نحو وطن متخيل. سنوات أمضاها أسلوب في فرنسا يكتب كلماته، ويؤلف موسيقاه. وهو في مسار فني متصاعد. دائم الالتزام بأكثر من فرقة فنية، وبأكثر من مشروع. جديده العربي لقاء يجمعه مع مواطنه العواد عيسى مراد، وفي صلبه ادخال الموسيقى الإلكترونية على بعض من مقطوعات التراث الغنائي لبلاد الشام.
فنان فرنسي هو أوليفيه ليسنيه نجح في إقناع أسلوب بالجمع بين الراب العربي والجاز. والتجربة تتواصل بنجاح بعد جهود. أما المسرحي الفرنسي إيفون كوربينو فقد نجح بدوره في جذبه ليكون جزءاً من عرض مسرحي، كتبه بعد زيارته للأراضي الفلسطينية المحتلة. وفيها اكتشف بأن اللجوء أكبر بكثير مما يجول في خاطر المواطن الأوروبي. والأهم أنه لجوء قسري وليس اختياريا.
مع أسلوب هذا الحوار:
○ كم مضى على اغترابك؟
• قارب اغترابي 11 سنة.
○ وكيف تعيشه؟
• لم يكن من أهدافي أن أكون في فرنسا، لكنه حدث. تستمر الحياة، وما من أحد يُدرك كيف تحركه. كموسيقي كان مفيداً التحرك خارج محيطي، وفرنسا كانت فرصة. استغرقت وقتاً لفهم المجتمع ومسار النظام العام، وبذلت لذلك جهداً وطاقة. عندما بت أترك فرنسا إلى بلد أوروبي آخر، أشعر لدى عودتي بإلفة مع المكان، وبانتماء إليه بشكل أو بآخر.
○ وهل خطر لك الاغتراب إلى مكان آخر؟
• كنت اُمنّي النفس بالسفر لأتعرّف إلى دنيا أخرى، ومعايشة تجارب الفنانين. رغبة لم تكن واضحة المعالم. لم تكن فرنسا في خاطري، الصدفة أخذتني إليها. هي تجربة ولم تكن اختياراً، وأتت في مرتبة مهمة من حياتي.
○ كفلسطيني لاجئ إلى لبنان هل تشعره اغتراباً ثانياً أو ثالثاً ربما؟
• بالطبع هو جزء من التغريبة الفلسطينية، هناك أماكن للاستقرار والانتماء، وتبقى الغربة الداخلية مقيمة لدى الفلسطيني. وُلد والديَا في اللجوء ولم يعرفا فلسطين التي غادرها أجدادي طلباً للنجاة بحياتهما إلى بلدان الشتات. ساقت الأقدار جديَ إلى العراق أولاً، ومن هناك نادتهما الثورة الفلسطينية إلى الأردن، ولاحقاً باتا في سوريا وبعدها لبنان، ثمّ عودة إلى سوريا. وأنا في فرنسا لا يمكنني أن أستثني نفسي من تلك التغريبة الطويلة والمتواصلة.
○ كموسيقي وفنان راب هل لهذه التغريبة أن تغذي خيالك؟
• بالتأكيد. بالاقتراب من تجربتي الشخصية فهذه الغربة، والحنين والضعف والمشاعر التي تعيش فينا، تشكّل عوامل حقيقية لصناعة الفن، وإطلاق الخيال نحو المساحات الفنية. وبالطبع تشكل حافزاً أساسياً في صناعة المحتوى الذي أقدمه، وتستند للتغريبة.
○ يكون الحنين لمكان معروف من البشر. فماذا عن حنين اللاجئ الفلسطيني؟
• تعرفين أن أطفال فلسطين كبروا وهم يحملون حنيناً لمكان لم يسبق أن تعرّفوا إليه. حنين تمت صناعته في داخل كل طفل، وكبرنا جميعنا على هذا المنوال. بالنسبة لي وعندما يشتد حنيني إلى لبنان، فهو بالأساس حنين لفلسطين. حنيني للمخيم في لبنان هو حنين لفلسطين، وكذلك حنيني لوالدتي. فلسطين هي العصب الذي يذكّرني بالمخيم. والمخيم بالنسبة لي قطعة من فلسطين تم إيداعها في لبنان. ولدت وكبرت في لبنان، وجزء من ثقافتي متأثر به. كل من ولد خارج فلسطين يرى لبنان المكان الأكثر قرباً لوطنه المحتل. هو المكان الذي يذكرني بالعودة إلى فلسطين، وبأن اللاجئين ينتظرونها. إذا الحنين الذي نحن بصدده متخيل، وهو متوارث من جيل لآخر.
○ الحنين والخيال الذي بدأت صناعته منذ النكبة ألم يصبح جينياً يبدأ في الرحم؟
• من ولدوا في لبنان يحكون عن فلسطين وكأنهم يعرفوها. بالمناسبة أجد اختلافاً بيننا كفلسطينيين من لبنان مقارنة مع فلسطينيي الداخل أو الضفة وغزة. هم لا يملكون ما لنا من خيال وحنان نحو الأرض. ونختلف في رؤيتنا للقضية، والسبب اختلاف الظروف. اللاجئ خارج الوطن ما زال يعيش الحلم. وأهلنا في فلسطين لا يرونه بالرومانسية والشاعرية التي عندنا. نحن اللاجئون فلسطين في نسيجنا ولا تحتاج لمن يصنعها لنا لنبنيها في الخيال. أي أمر في هذا العالم أنظر إليه من خلال فلسطين، وهي التي تتيح لي فتح عينيي على العالم. قال محمود درويش «وطني ليس حقيبة.. وأنا لست مسافراً». إنما واقعاً فلسطين موجودة بداخل كل فلسطيني لاجئ. وطن يأكل معنا، ويلعب، ويبكي ويضحك.
○ كيف انعكس الاغتراب نحو أوروبا على كتابة الراب وهو حرفتك؟
• بالطبع كانت له إيجابيات خاصة في اكتساب مزيد من الخبرة. إلى جانب المساحة المتاحة للتفكير بحرية نفتقدها في بلداننا العربية. هنا لن يسمع أحدنا تساؤلاً لماذا يفكر بهذه الطريقة وليس بتلك. مساحة التفكير التي وجدتها أمدتني بالكثير من الراحة، لقول الأفكار التي أرغبها. أما موضوع الاغتراب، فهو يختلف كثيراً عما كانه الحال في ثمانينات القرن الماضي وما قبلها. حينها لم تكن وسائل التواصل موجودة، وبوجودها اقتربت الأصوات، وبتنا نتحادث صوتاً وصورة فيما بعد. هذا التطور قلّص المسافات نظرياً، وبدّل طبيعة الاغتراب، تواصلي مع أهلي في لبنان يشعرني وكأني أعيش معهم.
○ وماذا تعلّمت من الاغتراب؟
• عندما جئت إلى فرنسا عانيت من مسألة اعتماد مُفَكِرة لتدوين المهمات المطلوبة مني في الأيام المقبلة، وتساءلت عن جدواها. واكتشفت لاحقاً أنه سلوك يبدأ من أيام الدراسة الأولى، ولم يكن في نظامنا المدرسي. المسألة تتخطى الأجندة المدرسية إلى تنظيم للحياة، والأولويات اليومية والأسبوعية. لم يكن في بالي مثلاً أن أحدنا يمكنه تنظيم حفل الآن لتاريخ سيأتي بعد سبعة أشهر. ما تعلمته أن الشعوب الأوروبية تختلف عنا تماماً اجتماعياً. نحن نحب العائلة والـ«لَمِة»، وهم يفضلون الوحدة. كما أن الفرد يدير أموره ذاتياً بدون عون من أحد، من أصغر متطلباته إلى أكبرها. وهذا استلزم وقتاً لأتمكن من استيعابه. كما أننا نعتمد على العائلة والأصدقاء في أكثر أمورنا بينما الأوروبيون يعتمدون على مؤسسات الدولة. وهكذا أصف نفسي بالكائن المتحوّل، لم أكتسب ثقافة المكان كاملة حيث أعيش الآن، ولا حيث ولدت وكبرت. ولم أتمكن من أن أكون كلياً من هنا، وكلياً من هناك.
○ وكيف انعكس الاغتراب على عطائك الفني؟
• بدون شك كان تداخلا بين الشخصي والفني. كنت في محاولة تنظيم حياتي وفق مسار النظام السائد. لم تكن الأمور بهذه السهولة، إنما الفرص متوافرة لمن لديه مشروع ويرغب بتطويره. عندما جئت إلى فرنسا حضرت عروضاً لفنانين كنت أسمع عنهم ولم أتخيل يوماً أني سأكون أمامهم في مقاعد الجمهور. تلك الحفلات حفزتني لتطوير مادتي الفنية. وهذا ما قمت به بحيث أصبحت مادتي الفنية عالمية. فمنتجي الفني يمكن أن يسمعه الفرنسي والإنكليزي والكولومبي واللبناني والخليجي، ويرى فيه ذات الروح والفكرة. بينما في لبنان كنت حيال راب لبناني/ فلسطيني.
○ ما هي أسس تحوّل نصك المكتوب ولغتك الموسيقية إلى عالمية؟
• هو تحول في الرؤيا من أمكنة محدودة بالمكان والزمان إلى ما يطال مجموعة أكبر بكثير من البشر. يُعبّر الرابر عن العالم الذي يعيش فيه. تعبير يتلازم مع موسيقى يتقبلها أي إنسان أينما كان، حتى بدون أن يفهم الكلام.
○ إذاً ما هو الجديد في موسيقاك؟
• أجمل ما في الدول الأوروبية هو تنوع الثقافات. ففي الشارع يلتقي أحدنا بموزاييك من الجنسيات من شتى أرجاء العالم. والموسيقيون من شتى أرجاء العالم يتواصلون مع بعضهم ومع الناس بلغة الموسيقى. والفنانون المنتمون إلى جنسيات مختلفة في فرنسا لديهم قناعة يلتقون حولها، ويتفاهمون بالموسيقى من أي عرق كانوا.
○ كتبت موضوعاً ليس بمحلي وموسيقى عالمية. إلى أين حملك هذا الانتقال؟
• أقدم موضوعي باللغة العربية، وكثيرون يرغبون بسماعي. وهنا أسأل على سبيل المثال لا الحصر لماذا ستدعوني فرقة جاز فرنسية لأغني معها الراب؟ برأيي لأن ذلك يزيد من فضول الجمهور لحضور فرقة جاز تُعجبه مع رابر ناطق بالعربية. أما مشروع الجاز الكلاسيكي فيوجد من أمثاله الآلاف. لمست أن الجمهور الفرنسي فضولي جداً، ويحب الاكتشاف. والثقافة على مختلف مستوياتها مطلوبة من قبله، من الطفولة إلى مراحل العمر المتقدّمة. وأن الثقافة من تقاليد الناس في هذه البلاد، والفن في حياة الفرنسي ليس رفاهية بل من صلبها.
○ وصدر لك مع فرقة الجاز الفرنسية سي دي فماذا عنه؟
• إنها فرقة «Olivier Laisnaiy Spectrum Of Rebellion». إضافة إلى اوليفيه عازف الترومبيت أعضاؤها هم: اتيان رونارد، ستيفان ادسويار، وأنزو كارنييه وأنا. التقينا في باريس إثر حضور اوليفيه حفلا لي. لفتته نوعية الموسيقى، فطرح فكرة التعاون ضمن فرقة الجاز. اقتراح أن أسعى للاندماج كرابر مع الجاز وتقريب تلك الموسيقى إلى فني. للأمانة لم يكن الأمر سهلاً، فإيقاعات الجاز لا تتشابه مع إيقاعات الراب، والسعي لخلق هذا التقارب كان شديد الصعوبة. ما زلنا نبحث عن نقاط مشتركة بين الجاز والراب رغم إصدارنا للألبوم الأول، ولم نصل بعد إلى حيث ننشد. يمكن القول بأن موسيقى الكوزموبوليتيك التي تولد في المدن التي تجمع الكثير من الأعراق والإثنيات، لها شكل المزيج الجميل.
○ مع دخولنا فصل الربيع تتضح أفق الجولات الفنية في أوروبا. فماذا عنك؟
• أعمل على مشروع «ولا مرّة»، وألتقي فيه مع العواد الفلسطيني الآتي من بيت لحم عيسى مراد. هدفنا الموسيقى التقليدية في بلاد الشام، ونحاول إضافة بعضاً من الموسيقى الإلكترونية إليها. «ولا مرة» هو خليط من التراث ومن الموسيقى الحديثة.
○ وماذا عن العرض المسرحي الذي شاركت فيه للفرنسي إيفون كوربينو؟
• زار كوربينو فلسطين، وهناك اكتشف واقعاً لم يكن يعلمه. كتب مشاهداته واطلعني عليها، وتوافقنا على مسرحتها. بدأ العمل سنة 2020، وكانت لنا أربعة عروض. بعد السابع من اكتوبر وجدت ضرورة لإعادة طرح هذا العمل للجمهور. زرته في منطقة بروتاني وأعدنا العمل على النص، وانطلقنا بعروض جديدة بدءاً من خريف العام.2025 عنوان المسرحية «La Foutue Bande-de loin de la Palestine «. الكلمتان تحتملان معنيين مختلفين، وتهدفان للعب على الكلام. تتألف المسرحية من مشاهد متعددة، كلٍ منها يتناول حالة عاشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال. في هذا العرض أروي حكايتي كلاجئ لم ير وطنه مطلقاً. بالمناسبة لفتني أننا عندما نتناول مسألة اللاجئين الفلسطينيين وجود جهل مطبق بخصوصهم، وكأنهم غير موجودين. قناعة الأوروبيين أن النسبة الأكبر من شعب فلسطين يعيش بداخلها، فيما العكس صحيح. يجهلون وجود مخيمات في لبنان وسوريا والأردن وحتى داخل فلسطين في الضفة الغربية وغزّة. وكل من ألتقيهم بعد العرض يؤكدون جهلهم بمسألة اللجوء، ربما يرون في اللجوء الفلسطيني شبيهاً باللجوء إلى البلدان الأوروبية، لجوءاً اختيارياً؟
