تتكرر الحروب الأمريكية عبر العقود كأنها تعيد سرد القصة نفسها بأسماء مختلفة وجغرافيا جديدة؛ ففي كل مرة تُرفع الشعارات ذاتها، “حفظ الأمن” و”الدفاع عن المصالح” و”حماية العالم الحر”، لكن النتائج تأتي متشابهة، إذ تنتج فوضى ممتدة ودول منهكة ومجتمعات تدفع أثمانا باهظة.
وقد تعاملت السينما الأمريكية مع هذه الحروب في محاولات مستمرة لإعادة صياغة المعنى، وبعد مراحل سابقة قدمت أفلاما تميل إلى البطولة وتحويل الجندي الأميركي إلى أسطورة مهما كان الواقع، اتجهت نحو نقد التجربة نفسها كاشفة عن ارتباك القرار وتناقض الخطاب وثمن الحرب الباهظ على الأفراد والمجتمعات.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
وضمن هذا التحول، جاء فيلم “آلة الحرب” (War Machine) عام 2017 ليقدم قراءة صريحة، ولم يكتف بتصوير حرب أفغانستان، بل كشف آلية إدارتها وصورها حربا دخلت مرحلة الاستمرار بلا أفق.
ومن خلال شخصية الجنرال الذي يقود القوات بثقة تصل لحد الغرور، يكشف الفيلم كيف تحولت الحرب إلى ورطة إستراتيجية لا يمكن الانتصار فيها ولا يمكن الاعتراف بالفشل، لتصبح النهاية الوحيدة الممكنة هي انسحاب يحمل طابع الهزيمة مهما أُعيدت صياغته سياسيا.
لا يبدو الفيلم مجرد قراءة لماض قريب، بل مرآة للحاضر أيضا، إذ تتكرر المنظومة نفسها في أزمات جديدة، من بينها الحرب الحالية على إيران، والمرشحة للتحول إلى مسار مفتوح من خلال الأداء الأمريكي، لتنتهي بالنتائج ذاتها.
مشهد من فيلم “آلة الحرب”(نتفليكس)سخرية درامية
يجمع “آلة الحرب” بين السخرية السياسية والدراما العسكرية، وهو من إخراج الأسترالي ديفيد ميشود وبطولة براد بيت، الذي شارك أيضاً في إنتاجه. العمل مقتبس عن كتاب “المشغلون” (The Operators) للصحفي الأمريكي مايكل هاستينغز، الذي وثّق من خلاله كواليس القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان.
يقدّم الفيلم شخصية الجنرال غلين ماكمان، المستلهمة من الجنرال الحقيقي ستانلي ماكريستال، والذي أُرسل إلى أفغانستان في ذروة الحرب بهدف “تحقيق النصر” عبر إستراتيجية جديدة تقوم على زيادة القوات وإعادة تنظيم العمليات. لكن خطة النصر تتحول إلى سلسلة من التناقضات، إذ اصطدم الجنرال بواقع ميداني معقد، وبيروقراطية سياسية في واشنطن تقيّد قراراته، وبحلفاء محليين غير قادرين على فرض الاستقرار.
لا يقدّم الفيلم قصة حرب بقدر ما يكشف طريقة إدارتها؛ حرب تُخاض بلا يقين وتستمر لأن أحدا لا يملك شجاعة إيقافها، إنه عمل يختصر مأزق القوة حين تتحول من أداة للحسم إلى آلة لصنع الأزمات.
منذ بداياته، يضع الفيلم الحرب داخل إطار مختلف؛ فهي ليست معركة بقدر ما هي مشروع يُدار عبر الأرقام والتقارير والإستراتيجيات. ويتجلى ذلك في أحد مشاهده المفصلية حين يجلس الجنرال وفريقه داخل غرفة عمليات يعرضون عبر خرائط ملونة خططا زمنية لما يسمونه “إستراتيجية النصر”.
ويدور الحديث بغطرسة لا مثيل لها، وتبدو الأرقام مقنعة، لكن ما يغيب تماما هو الواقع نفسه، إذ تتحول الحرب في هذه اللحظة إلى عرض تقديمي (PowerPoint Presentation) تُدار فيه الخسائر كما تُدار الأرباح وتُختزل فيه الجغرافيا إلى بيانات صماء.
رواية الشاهد
ويروي الفيلم عبر تعليق صوتي لشخصية الصحفي شون كولين، الذي يؤدي دوره الممثل سكوت ماكنيري، سلسلة من المواقف الغريبة التي تسلط الضوء على حماقة نهج ماكماهون، الضابط الذي يصمم على تحويل صراع إستراتيجي معقد إلى حرب تقليدية، مهما كان الثمن.
وتُبنى العلاقة بين السياسيين والعسكريين داخل الفيلم على توازن هش، وفي اللقاءات مع مسؤولي واشنطن، لا يُطرح السؤال حول إمكانية كسب الحرب، بل يتحول النقاش سريعا إلى الأعداد والمدد الزمنية “لتحسين الأداء”.
يبحث السياسيون عن مخرج يحفظ ماء الوجه دون إعلان هزيمة، ويطلب العسكريون مزيدا من الموارد لأنهم ما زالوا يؤمنون بوهم النصر، وتظهر طبيعة المنظومة في حرب تستمر لأنه لا يوجد أحد يملك الجرأة على إيقافها.
إنه المنطق الذي يقود إلى التحول الأخطر الذي يرصده الفيلم حين تصبح الهزيمة مسألة لغوية؛ حيث تُستبدل الكلمات ويُعاد توصيف النتائج، لتتحول الخسارة إلى “إعادة تموضع” والفشل إلى “تعديل إستراتيجي”، بحيث لا يعود الهدف فهم ما يحدث بقدر ما هو إعادة صياغته ليكون مقبولا سياسيا.
في مقابل هذا الحضور الكثيف للمؤسسة العسكرية الأمريكية، تبدو الشخصيات الأفغانية في الفيلم كأنها تتحرك على هامش سرد لا يخصّها بالكامل، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا السرد.
يتجلى ذلك بوضوح في تصوير الرئيس حميد كرزاي، الذي يظهر في هيئة هزلية متعمّدة، أقرب إلى الكاريكاتير السياسي، شخصية تبدو منفصلة عن أدوات العصر، مرتبكة أمام أبسط تفاصيل التكنولوجيا، وتتعامل مع موقع الرئيس بوصفه دورا شكليا أكثر منه موقعا حقيقيا للسلطة، وكأنها تدرك أنها جزء من مشهد يُدار من خارجها.
براد بيت في دور القائد العسكري الجديد الذي يصل إلى أفغانستان مع فريقه في مشهد من فيلم “آلة الحرب” (نتفليكس)
في المقابل، تأتي شخصية بادي باسم، الضابط في الجيش الأفغاني، بوصفه حلقة وصل بين عالمين غير متكافئين، يحاول أداء دوره داخل منظومة لا يملك مفاتيحها، مما يجعله أقرب إلى شاهد على التناقضات من كونه طرفا قادرا على التأثير فيها.
أما الجنود الأفغان الذين يقاتلون إلى جانب الأمريكيين، فيظهرون باعتبارهم قوة حاضرة جسديا لكنها غائبة عن القرار، منخرطة في حرب لا تحدد أهدافها. وفي الخلفية، يمر السكان والضحايا وجوها عابرة داخل إطار أوسع، بلا صوت حقيقي، مما يعكس ليس فقط تهميشهم السياسي، بل أيضا إقصاءهم من السرد نفسه.
الغرور في قلب التجربة
يعمل “الغرور” في الفيلم مثل آلية حكم تتحول معها الحرب إلى امتداد لصورة القائد عن نفسه، فالجنرال لا يرى أفغانستان كما هي، بل كما يريدها أن تكون داخل خطابه؛ مشروعا يمكن إخضاعه بالإرادة والتصميم. وتظهر هذه الشخصنة في إصراره على فرض رؤيته رغم التناقضات الميدانية، وفي ثقته المفرطة بأن زيادة القوات كفيلة بتغيير المعادلة كأن المشكلة تقنية وليست سياسية.
ويتجلى الوجه الآخر لهذا الغرور في علاقته بالإعلام، إذ يبدو الجنرال حريصا على صورته العامة بقدر حرصه على سير العمليات، بل أحيانا أكثر، ليتحول حضوره الإعلامي وتسريبات فريقه إلى جزء من “إدارة الحرب”. وفي اللحظة التي ينقلب فيها هذا الاهتمام إلى فضيحة، يبدأ مسار السقوط.
فالفشل لا يأتي فقط من تعثر الإستراتيجية على الأرض، بل من فضح تناقض الواقع مع الشعارات، وهو ما يقود في النهاية إلى عزل القائد في نتيجة حتمية لتحول القيادة من إدارة حرب إلى أداء دور تمثيلي داخلها.
ويعزز المونتاج هذا الإحساس عبر إيقاع متقطع ينتقل بين الاجتماعات والخطابات والميدان دون بناء تصاعد درامي تقليدي.
ويعرض أحد المشاهد خطابا حماسيا للقائد عن أهمية تحقيق النصر وحماية الأصدقاء، فيتساءل جندي حائر عن معنى النصر وعمن يكون الأصدقاء ومن يكون الأعداء فلا يجد إجابة، ويكشف هذا المشهد عن طريقة عمل المؤسسة العسكرية، التي تتمثل في سلسلة غير مبررة من القرارات والتقارير.
قدم الممثل براد بيت أداء كاريكاتيريا لافتا ومحيرا في آن واحد، إذ بدا غير واقعي بالمرة وتردد كبندول الساعة بين الكوميديا والدراما، لكنه في ظل حالة “اللامنطق” داخل المنظومة بدا جزءا من البنية الفنية نفسها.
وتميز السيناريو المبني على مادة صحفية بسخرية تنبع من داخل اللغة نفسها، فالجمل تبدو قوية ومقنعة لكنها تتآكل عند اختبارها لتكشف كيف تتحول اللغة إلى أداة لإخفاء الحقيقة.
لم يقدم “آلة الحرب” سردا تقليديا عن الحرب، بل قدمها منظومة من الصور واللغة والقرارات تستمر لأنها قادرة على إعادة تفسير نفسها باستمرار بمعزل عن الواقع.
وبين أفغانستان التي يصورها الفيلم والشرق الأوسط الذي يعيش حربا أمريكية جديدة اليوم، يبدو أن السؤال الذي يطرحه العمل لا يزال قائما وملحا حول الحروب التي لا ضرورة لها والغطرسة التي تدفع بأعتى القوى للهزيمة.
