ليلة الـ27 من الشهر الحالي، في أحد فنادق لندن الفخمة، بدا المشهد وكأنه احتفال ضخم بعالم التلفزيون، إذ تحوّلت المساحات إلى عرض بصري مهيب يروج خدمة إتش بي أو ماكس مع صور الشخصيات الشهيرة والنجوم المنتشرين في كل زاوية.
ورغم حضور أسماء لامعة من نجوم الصف الأول، فإن الحديث في جوهره يعود إلى رجل واحد يُنسب إليه الفضل الأكبر في تغيير ملامح الدراما التلفزيونية الحديثة، وهو ديفيد تشيس، مبتكر مسلسل “ذا سوبرانوز”. شكّل هذا نقطة تحول جعلت “إتش بي أو” تتصدر مشهد الإنتاج التلفزيوني الراقي بعد أن كانت قناة هامشية نسبياً.
مع ذلك، لا يبدو أن تشيس من النوع الذي يستمتع بتضخيم إنجازاته، إذ يعزو نجاحه إلى مزيج من الحظ والتوقيت المناسب. يوضح أن فكرة “ذا سوبرانوز” رفضتها في البداية جميع الشبكات الأميركية، ما يعكس مدى اختلافها عن السائد آنذاك. لكن “إتش بي أو” كانت تبحث عن شيء جديد يخرجها من القالب التقليدي، فوجدت في هذا المشروع فرصة للمغامرة.
بالنسبة إلى تشيس، جاءت هذه اللحظة بعد سنوات طويلة من العمل في التلفزيون التقليدي، إذ شعر بالإرهاق من تدخلات الشبكات وملاحظاتها المستمرة التي كانت تقيد الإبداع. لذلك، شكّل انتقاله إلى “إتش بي أو” من التحرر، إذ حصل على مساحة غير مسبوقة من الحرية الفنية، حتى إنه ذكر أن القناة لم تقدم له سوى ملاحظتين فقط طوال فترة إنتاج المسلسل، وقد اختار تجاهلهما.
إحدى هذه الملاحظات كانت تتعلق بمشهد مهم يقتل فيه البطل شخصية أخرى، إذ خشي المسؤولون من أن يؤدي ذلك إلى نفور الجمهور، لكن تشيس أصر على أن الواقعية تقتضي ذلك، فالشخصية زعيم مافيا، ولا يمكن تقديمها بإقناع من دون إظهار هذا الجانب. هذا الإصرار يعكس فلسفته في الكتابة، القائمة على الصدق الفني حتى لو كان مزعجاً للمشاهد.
أما الجذور العاطفية العميقة للعمل، فتعود إلى علاقة تشيس المضطربة مع والدته، وهي علاقة تركت أثراً نفسياً كبيراً عليه. يستحضر حادثة مؤلمة من فترة حرب فيتنام، حين قالت له والدته إنها تفضل رؤيته ميتاً على أن يتهرب من الخدمة العسكرية. أحدثت هذه العبارة جرحاً داخلياً دفعه لاحقاً إلى التعبير عنه من خلال العمل الفني. وقد اعترف صراحةً بأن فكرة المسلسل بأكملها، بما فيها الذهاب إلى العلاج النفسي، جاءت وسيلةً لفهم تلك العلاقة المعقدة والتعامل مع آثارها.
وعند الحديث عن جيمس غاندولفيني (1961 – 2013)، الذي جسّد دور البطولة، يكشف تشيس عن علاقة مهنية وإنسانية معقدة، لكنها قائمة على الاحترام. يشير إلى أن غاندولفيني كان يمر أحياناً بفترات صعبة تؤثر في التزامه، لدرجة أنه كان يتغيب عن التصوير في بعض الأحيان. ومع ذلك، يؤكد أنه لم يرفض أداء أي مشهد، وكان دائماً يقدم أداءً استثنائياً عند حضوره. هذا التناقض بين الصعوبة الشخصية والاحتراف الفني يعكس جانباً إنسانياً عميقاً في تجربة العمل.
ورغم النجاح الهائل الذي حققه “ذا سوبرانوز”، لم يندفع تشيس بعده لإنتاج المزيد من الأعمال التلفزيونية، بل اتجه إلى السينما، محاولاً تطوير مشاريع مختلفة، بعضها لم يرَ النور. من بين هذه المشاريع عمل بعنوان A Ribbon of Dreams، الذي لم يُكتب له النجاح رغم إعجابه الشديد به. لكن المشروع الجديد الذي يبدو أنه في طريقه للتحقق يتمحور حول برنامج MKUltra، وهو برنامج حقيقي تابع لوكالة الاستخبارات الأميركية.
هذا المشروع يتناول تجارب مثيرة أجريت باستخدام مادة إل إس دي (LSD) المخدرة، إذ كانت الفكرة في البداية تطوير وسيلة تؤثر بسلوك الجنود وتمنعهم من القتال، لكنها سرعان ما خرجت عن السيطرة. يصف تشيس هذه التجارب بأنها كانت مدمرة لكل من شارك فيها، ويشير إلى تحول هذه المادة لاحقاً إلى مخدر شائع في الثقافة المضادة خلال السبعينيات. اللافت في حديثه هو البعد الفلسفي الذي بدأ يبرز أثناء الكتابة، إذ يرى أن الموضوع لا يقتصر على التجارب العلمية، بل يمتد إلى أسئلة أعمق حول الوعي وطبيعة الواقع.
وعندما يُسأل عن إرث “ذا سوبرانوز”، يتوقف تشيس قليلاً قبل أن يجيب بجملة بسيطة، لكنها عميقة: “الإله يكمن في التفاصيل”. هذه العبارة تلخص رؤيته للعمل الفني، إذ يرى أن العظمة لا تأتي من الأحداث الكبرى فقط، بل من العناية الدقيقة بكل عنصر صغير.
