لسنوات، بدت الدراما المصرية تحمل خطاب السلطة، وأقلّ اقتراباً من المجتمع ومشاغله وتوجّهاته، لكنّ مسلسل “صحاب الأرض” (رمضان 2026) حاول تجاوز هذا، وكان استثناءً في القيمة والأهمّية، كما استند إلى مقوّمات نجاح عدّة: الحكاية والسيناريو والتصوير والموسيقى، وأداء الممثّلين، وكثير منهم من أصول فلسطينية وأردنية، إلى جانب تونسيين، وكأنّه يحمل رسالةً بهذا التكوين، إلى جانب قدراتهم الواضحة. ولم يكن غريباً أن يُقابَل بحالة ترحاب عربياً، ومن فلسطينيين خصوصاً، لأنّه يروي حكايتهم التي لم تأخذ حقّها تجسيداً في السينما والدراما. ومصرياً، جاء الترحيب بالمسلسل بعد توقّعات حذرة، وانطباعات مسبقة، بإنتاج دعائي مشابه لما سبق من نقد للسياسة عموماً، واعتبار قطاعاتٍ من السلطة أنّ المنحازين للقضية الفلسطينية ليسوا محلّ ترحاب، بوصفهم أصحاب شعارات غير واقعية، ناهيك عن تساؤلات موضوعية تمثّل تحدّياً: كيف ستحاكي الدراما وقائعَ مؤلمة شاهدها الناس وعيونهم معلّقة على الشاشات؟ وهل من الممكن أن يصوّر عملٌ ما لحق بقطاع غزّة وأهله من مآسٍ وحرب إبادة جراحها مفتوحة. مع ذلك، قدّم المسلسل (وهو الأول عن غزّة) إجابةً عن السؤال الأساسي: كيف يمكن للدراما أن تعكس (وعلى نحوٍ جاذب) ما شاهده الناس من دون أن تبدو تكراراً للألم أو مادّةً دعائيةً، وأن تصف الحقائق المتعلقة بموقف المصريين من القضية الفلسطينية، ورؤيتهم إلى العدو بوصفه المهدّد والخطر الأساس على المنطقة، وعمّا بين مصر والفلسطينيين من وشائج وارتباط وهموم مشتركة.

الأفراد في مسلسل “صحاب الأرض” ليسوا أرقاماً، بل جزءاً من سردية شعب

ركّز العمل على الإنساني، وجاء في ثوب اجتماعي رومانسي، وحمل الخطّ الدرامي رواية الفلسطيني حول الصراع مع الاحتلال على لسان شخصياته، ولم يقتصر على وقائع الجرائم في غزّة، بل حمل خطاباً حول حقائق ومرتكزات تاريخية، واجتاز القضايا الإشكالية ليركّز على حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال في مجمل الأراضي الفلسطينية، بنقل المشاهد من القطاع إلى الضفة، وتجوالاً في شوارع مقدسية، وإن اتّخذ من حرب الإبادة نقطة انطلاق، لكنّه أكّد اتصال المراحل التاريخية، وجغرافيا الأراضي الفلسطينية، وجاءت معالجته لاتصال المصريين بالصراع هادئة، في حبكة درامية قلبها حكاية الطبيبة “سلمى” (منّه شلبي) التي تنضمّ إلى جهود الإغاثة عبر الهلال الأحمر، وتلتقي “ناصر” (إياد نصّار)، وتبقى معه، وتسعى إلى إدخال جهاز طبّي عبر المعبر لإنقاذ ابن أخيه يونس، الناجي الوحيد من قصف منزله، وفي الرحلة تروي المشاهد وقائع الحرب، وتشتبك مع مراحل تاريخية سابقة تحضر فيها القضية الفلسطينية، والصلات مع مصر، عبر أجيال، وشخصيات منها “العمّ إبراهيم” الذي يلعب دور راوٍ أساس، و”فدوى” المتزوّجة مصرياً، وأخوها الذي قتل ضابطاً في جيش الاحتلال، وتبقى في المستشفى حتى النزوح منها تحت حصار وقصف، لكنّها تضع طفلها وتموت، وينقل الطفل إلى مصر ضمن مجموعة من أطفال خدّج عن طريق معبر رفح الذي كان المشهد الأول في المسلسل. يتلقّى “يونس” العلاج، ويعود إلى القطاع، يلعب بين أنقاض مهدّمة، ويظلّ الاتصال بين “سلمى” و”ناصر” يحمل طيفاً إنسانياً هادئاً لكنّه لا ينقطع.
نجح العمل، بعناصره كلّها، وخدم أهدافاً عدّة، وجاء ناعماً، يحمل سرداً سياسياً، ضمنياً غالباً، مزدحماً بالرسائل في محاولة لقول كلّ شيء، ليحوز ترحيباً وقبولاً واسعَين، مع تحاشي القضايا الإشكالية، والتركيز على إبراز صلات وروابط مع مصر، تاريخية وجغرافية وثقافية واجتماعية، لا تنقطع. ويتجلّى هذا عبر محطّات ترويها شخصيات العمل، وفي مقدّمتها “العمّ إبراهيم” الذي عاش في العبّاسية وتعلّم في جامعة عين شمس، وتنقلّ بين المسميّة ومناطق غزّة، مستعيداً فصولاً من حياته بين مساعدة الفدائيين وحمل “البارودة”، وزواجه من “عفرا” وقصّة أهلها المهجَّرين ضمن حكايات نساء تبدو محدودةً لكنّها حاضرة ومؤثّرة، من “عفرا” شابةً وزوجةً إلى إعادة بناء بيتها وهي مسنّة بعد قصفه في عدوان 2012، وصولاً إلى فدوى، وجدّة أحد الشهداء التي تنتظر قدومه إلى المستشفى.
وتستمرّ رواية الفلسطيني ومراحل كفاحه وعناده عبر حلقات المسلسل، وعلى لسان “العمّ إبراهيم” الذي يرفض النزوح مراراً، ويتنقل حاملاً الحكايات يرويها مقاومةً للنسيان، وإطاراً للحكمة والتعلّم، ناقلاً إيّاها إلى أطفال وشبّان في محيطه، ومستعيداً مراحل حياته شابّاً ومدرّساً في فصول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي عاد إليها نازحاً. ومن خلاله، وشخصيات أخرى، تُروى أزمنة ممتدّة من النكبة وعدوان 1967، بوصفها محطّات ضمن صراع ممتدّ، وصولاً إلى انتفاضة الأقصى وجولات العدوان على غزّة، عبر إشارات وحوارات على ألسنة أجيال مختلفة، بما يؤكّد أنّ التاريخ لم يبدأ في “7 أكتوبر” (2023) ولن ينتهي عنده. وعبر تماس مع “عائد إلى حيفا”، وقصّة “صفية” و”سعيد” وابنهما خلدون، تحضر مفردات أساسية من رسائل المسلسل: الإنسان والوطن والهُويّة، والأمل في تاريخ جديد، يتجسّد في خالد الذي منعه أبوه من الالتحاق بالفدائيين، لكنّه تمنّى كسر أمره، والمساهمة في كتابة تاريخ مقاومة الاحتلال، يأتي ذلك ضمنياً، مع تأكيد أنّ استمرار الحياة، في حدّ ذاته، شكل من أشكال المقاومة.

يظلّ تأكيد علاقات الترابط بين المصريين والفلسطينيين خطّاً ناظماً وأساسياً للمسلسل، يظهر في صور من الاتصال والمصاهرة وعلاقات الدم والقرابة

ويظلّ تأكيد علاقات الترابط بين المصريين والفلسطينيين خطّاً ناظماً وأساسياً، يظهر في صور من الاتصال والمصاهرة وعلاقات الدم والقرابة، وأخرى بانحياز سياسي وشعبي، يظهر في تعبيرات السائق “سمير” وزوجته “نجلاء”، وفي قوافل الإغاثة التي تقوم على متطوّعين، وجمعيات أهلية، ويحمل تضامناً شعبياً، وموقفاً ثابتاً يرى في إسرائيل العدوّ والمهدِّد، ويعتبر القضية الفلسطينية قضيته. وتأتي شخصية “الجدّ إبراهيم”، التي جسّدها الممثل المقدسي إبراهيم الباشا، في أداء صادق يستحضر تداخل الذاكرة بالتاريخ والواقع، مستوحياً في بعض جوانبها، كما يقول، قصّة والدته التي تستدعي ذكرياتها رغم النسيان. وفي مشهد دالّ ومن أكثر المشاهد إتقاناً، يرشد “العمُّ إبراهيم” “ناصرَ”، بعد أن ضلّ الطريق بسبب تغيّر معالمه تحت القصف، فيصف المسار بدقّة: من شارع الجلاء إلى البحر ثم الرشيد وصولاً إلى دير البلح. وحين يسأله “ناصر” مندهشاً: “إنت ناسي كل إشي وحافظ الشوارع؟” يجيب: “حافظها حجر حجر”، قبل أن يكمل غناء “جدّلي يا أم الجدايل” (للشاعر عبد الرحيم عمر) فيتضافر الغناء مع المعنى، ليصبح امتداداً للذاكرة وحفظاً للهُويّة، في مشهد مدهش، قد يُبكي ويُضحك. وقد وُظّفت الأغاني والأهازيج الفلكلورية والوطنية جزءاً من الهُويّة والثقافة، وجاءت منسجمةً مع المشاهد من دون إرباك، مدعومةً بموسيقى تستحقّ الاحتفاء للمؤلف التونسي أمين بوحافة، وتتر يشارك فيه أمير عيد مع غناء ناي برغوثي الشجي، مع حضور بثينة نابولي في أغنية “يا طالعين الجبل”، وأدائها الصوتي مع الموسيقى بما رسّخ أثرها العاطفي.
ومع الأغاني، تُستدعى تفاصيل العيش: الحقول والأهل والوحدة والجماعة، في مواجهة حروب الاحتلال وعدوانه، وتظهر مقاومة الفلسطيني، في فرحه وأحزانه، كما في “يا ظريف الطول”، وفي مشهد العرس الذي يعيد إنتاج لحظات مغايرة وسط الدمار. وتظهر الأغنية أداةَ مقاومةٍ ناعمة، تكسر الإيقاع الحادّ للمآسي، وتعيد ترميم التوازن النفسي في ظلّ مشاهد الموت ودفن الشهداء التي تبدو تجربةً جماعية، والأفراد فيها ليسوا أرقاماً، بل جزءاً من سردية شعب، ويقدّم العملُ الفلسطينيَّ محبّاً للحياة، صاحب ذاكرة وصوت وحكاية صداها مستمرّ لا تُمحى بالقصف.
وسط ذلك، يصبح الفرح، والسخرية التي تطبع شخصيات مثل “ناصر” و”أبو علي” و”الجدّ إبراهيم”، نوعاً من الدفاع السلوكي والمقاومة، فالحياة في غزّة، لا تترك للفرد رفاهية الانعزال والغرق في الحزن والاستسلام له، وحتى من لا يختار المقاومة، يظلّ مشتبكاً مع آثار الاحتلال اليومية: البحث عن الماء والطحين والمأوى، ومع الحرب، تتغيّر دلالات الأشياء: الهدايا والمواساة، كما في مشهد تعطي فيه “سلمى” طعاماً معلّباً لـ”ناصر” وهي تقول: “مينفعش تبقى جعان وزعلان”. أو حين يهديها هو شالاً من تحت الرماد معتذراً لأنّه لم يستطع أن يقدّم لها ما يليق. وفي مشهد يستدعي ذكرياته وهو يحدّثها، داخل بناء منهار يحتميان فيه من القصف، عن مهارته الاستثنائية في إعداد الفلافل، قائلاً: “إنتو بتعملوها من الفول… غلط، لازم من الحمّص”، فتردّ مبتسمة: “اللي تشوفه يا نصّار”.
ويتغيّر السلوك اليومي أيضاً؛ نوم نصف يقظة في جوار جدار تبقّى، أو في مخيّم أُعدّ على عجل، بفعل النزوح المتكرّر، وتتوالى المفارقات بين الموت والميلاد، والفرح والحزن، في مشاهد وأحاديث تمتزج السخرية بالوجع. وفي مشهدٍ موازٍ، تعد “فدوى” بأن تدعو “سلمى” إلى طبق “المجدّرة”، وتصفه: عدس ورزّ وبصل، فتردّ سلمى: “يعني كشري”، فتجيبها: “لأ… المجدّرة غير”، فيبتسمان وسط ممرّ في المستشفى يجلس فيه الجرحى. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تكشف مفارقات العيش تحت القصف، وتبرز اليومي بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، ومن خلالها ترى الترابط عبر علاقات “سمير” وزوجته، و”فدوى” وزوجها المصري، و”كارما” وحبيبها في السوق القديم. ويركّز المسلسل على فكرة الاتصال بين مصر وغزّة، من الجغرافيا إلى التاريخ، وعلاقات المصاهرة والهمّ المشترك، بدءاً من معبر رفح وانتهاءً به، ليس حدوداً فقط، بل مدخلاً لتاريخ مشترك، من 1948 إلى 1967، مروراً بتفاصيل يومية مثل الطعام والأغاني والسينما وكرة القدم المصرية وفرقها، ويعبّر عن مشاعر قطاعات واسعة من المصريين، ورؤيتهم للتاريخ المشترك.

يركّز المسلسل على فكرة الاتصال بين مصر وغزّة، من الجغرافيا إلى التاريخ، وعلاقات المصاهرة والهمّ المشترك

يبدو العمل واعياً بوظيفة الدراما، ويمتلك أدواتها، فهو لا ينقل الحدث، بل يعيد إنتاجه شعورياً وبصرياً. وقد نجح، واستطاع عرض سردية للصراع عبر قصّته التي (تبدأ من) وتتركّز حول “ناصر”، الذي يحاول إنقاذ ابن شقيقه، قبل أن تعيد الأزمة تشكيله، من إنسان يفكّر في الانكفاء على ذاته، والرحيل عن غزّة، إلى باحث عن النجاة داخلها، يساعد الجميع، كاشفاً بطولةً وروح مقاومة، وفي السياق، تنشأ علاقة رومانسية خافتة مع سلمى، ومعها تظهر الحكاية، وما فيها من تدفّق مشاعر، والحبّ والتفاعل الاجتماعي ضرورةً وشكلاً من سبل التمسّك بالحياة. ويغلب على المسلسل طابع شعوري كثيف، تتداخل فيه مشاعر الحزن والفرح والسخرية، في اتصال مع السياق الاجتماعي والتاريخي. لا تُختزل القضية في أحداث راهنة، بل تمتدّ عبر الذاكرة، بما يجعل النكبة سياقاً وبداية، والاحتلال واقعاً ممتدّاً، ومقاومته حقّاً وواقعاً قائماً، يؤكّدها العمل من دون خطابة، وهو ما يفسّر تأثيره الواسع، والانزعاج الذي أثاره لدى خصوم الرواية الفلسطينية، وغضب دولة الاحتلال التي رأت فيه خطاباً معادياً يزيّف الحقائق، وهي التي تقتل وتقصف الصحافيين وتغتال الحقيقة، وهو ما لم يهمله العمل، الذي جاء صادقاً، وقوياً مدعوماً بأداء فريق التمثيل قوي، الغلبة فيه لفلسطينيين وأردنيين أسهموا في تشكيل التفاصيل، مع جهد في الكتابة التشاركية، ومهارة التصوير، وأعمال الجرافيك، وبناء الديكورات في مدينة الإنتاج الإعلامي، وتصوير مشاهد الخيام في العلمين، ومشاهد أخرى في أحياء القاهرة القديمة، التي تشبه مبانيها العتيقة، بيوتاً مقدسية، وما تكشفه شهادات فريق العمل من نقاشات مستمرّة، وحرية واسعة، ليخرج المسلسل عملاً جماعياً مشبعاً بالإحساس والمسؤولية، يعيد تمثيل الواقع ويستند إلى حكايات وشهادات وخبرات ومعارف، وحتى تصحيح اللغة، وإن كان بعضهم رأى فيها سيادةً للهجة أهل الضفة على لهجة أهل غزّة.
أخيراً، التحية واجبة لكلّ من ساهم في العمل، خصوصاً المخرج بيتر ميمي والممثل إياد نصار، وفريق التمثيل، والكتابة، والموسيقى، وقد ساهموا في خروج هذا العمل الذي يستحقّ الاحتفاء، وهو أبعد من التوثيق، هو ومحاولة عميقة لفهم ما تعنيه الحياة خلال الحرب، وكيف يمكن للإنسان أن يستمرّ، ويتذكّر ويقاوم، حتى وهو محاصر بين الفقد والأمل، ويقول بالطبع إنّ مصر قريبة وحاضرة، أو كما قالت “سلمى”، في مشهد ضمن الحلقة الأخيرة عند مدخل خانيونس، وقبل أن تصل إلى معبر رفح: “إحنا مش بعيد”.