في زمن تتنافس فيه مسلسلات الجريمة على خطف انتباه المشاهد، يبدو الموسم الأول من المسلسل الأمريكي “سكاربيتا” (Scarpetta)  وكأنه يسير عكس التيار. فالحلقة الافتتاحية لا تقدم انفجارا دراميا، بل ترسم عالما باردا ومنضبطا، تتحرك فيه الشخصيات بوعي صارم يخفي خلفه هشاشة إنسانية.

هذا التمهيد المتأني يعكس ثقة صناع العمل في مادته الدرامية، مراهنين على التراكم بدل الصدمة، وعلى بناء علاقة تدريجية مع المتفرج. ومع ذلك، فإن بعض المشاهدين قد ينسحبون قبل أن تتضح ملامح التجربة، بينما يجد آخرون في هذا الإيقاع مساحة ضرورية لفهم ما سيأتي.

فالمسلسل لا يكتفي بسرد الجرائم، بل يعيد صياغتها كحالات قابلة للتفكيك، حيث تتحول الأدلة إلى مدخل لفهم أبعاد الفعل الإجرامي.

بين العلم والذاكرة

منذ البداية، يفرض العمل إيقاعه الخاص، مبتعدا عن الإثارة السريعة ومقدما الجريمة كمساحة للتأمل، داعيا المشاهد للمشاركة في التشريح بدل الاكتفاء بالمشاهدة. هذا التوجه يمنح المسلسل طابعا أقرب إلى الدراسة النفسية، لكنه قد يكون منفرا للجمهور الذي لا يحتمل البطء المتعمد.

تتحرك الحبكة في مسارين متوازيين يصعب فصلهما: مسار إجرائي يتتبع قضايا جنائية متشابكة ويحللها بالأدلة العلمية، ومسار نفسي يعيد بناء شخصية البطلة عبر ماضيها وعلاقاتها. هذا المزج يمنح العمل ثراء دراميا، حيث تتحول الجرائم من أحداث مستقلة إلى مرآة تكشف اضطرابات أعمق داخل الشخصيات.

ومع تقدم الأحداث تتكشف خيوط خفية تربط بين القضايا، مشيرة إلى شبكة أوسع من العنف أو الفساد والتواطؤ، وهو ما يكسب السرد عمقا رغم الاستطراد في التمهيد الذي يجعل الخطوط الدرامية تبدو وكأنها تدور في دائرة قبل أن تتقدم.

نهاية بلا إجابات

ومع ختام الموسم، يختار المسلسل ترك النهاية مفتوحة، انسجاما مع رؤيته التي تعتبر الحقيقة مساحة رمادية. هذا القرار أثار تفاعلا واسعا ونقاشات مستمرة، مؤكدا قدرة العمل على ترك أثر واضح في المشهد الدرامي.

ومع ذلك تباينت ردود الأفعال، فرأى بعض النقاد أن النهاية تعكس تعقيد الجرائم والحياة الواقعية، بينما شعر الجمهور بالإحباط لغياب الإجابات الكافية. واستمر هذا الانقسام ليشمل تلقي العمل ككل، إذ اعتبره البعض تجربة ناضجة تكسر القوالب التقليدية وأشادوا بقدرته على خلق أجواء نفسية ثقيلة دون اللجوء إلى الإثارة الرخيصة، بينما فضل آخرون الإيقاع الأسرع.

غير أن هذه الازدواجية لا تعد ضعفا بقدر ما تعكس طبيعة المسلسل نفسه، الذي لا يسعى لإرضاء الجميع.

 

من الأدب إلى الدراما

المسلسل مقتبس عن سلسلة روايات للكاتبة باتريشيا كورنويل، والتي تتمحور حول الطبيبة الشرعية كاى سكاربيتا، وتعد واحدة من أشهر وأطول سلاسل روايات الجريمة في الأدب الأميركي إذ تضم أكثر من 29 كتابا.

منذ الوهلة الأولى يظهر الفارق، فالرواية تغوص في العالم الداخلي للشخصيات كاشفة أفكارها وهواجسها بعمق يصعب نقله بالكامل إلى الشاشة، وتقدم الأدلة العلمية بتفصيل أكبر، مما يعزز الإحساس بواقعية الإجراءات.

بينما يختار المسلسل تبسيط التفاصيل لصالح العلاقات الإنسانية والإيقاع الدرامي، هذا التحول يجعل العمل أكثر سهولة للمشاهدة، لكنه يفقده جزء من كثافته التحليلية، ومع ذلك فإن استناد المسلسل إلى سلسلة واسعة، يضمن إمكانية استمراره لعدة مواسم، وقد أعلن بالفعل عن تجديده لموسم ثان.

الأداء التمثيلي بين البرود والانفعالات

وبالوقوف عند هذه المعالم الأساسية، تظهر لنا صورة أوضح للعناصر الفنية التي ميزت العمل والعقبات التي واجهته؛ أولا مع التمثيل، إذ أثار العمل سؤالا مهما حول تطور الأداء بين الماضي والحاضر، فنجوم الماضي يميلون للتعبير المباشر، بينما يعتمد الجيل الحالي على الإخفاء بدل التصريح، ما يكشف تغيرا غير منطقيا في لغة السرد.

وبالنظر إلى أداء نيكول كيدمان، نجدها تقدم نموذجا معقدا لشخصية لا تفصح عن نفسها بسهولة، معتمدة على الاقتصاد في التعبير؛ نظرات ثابتة، حركات محسوبة، وصوت يكاد يكون محايدا، لكنها جميعا تحمل طبقات من القلق المكبوت. هذا الأداء لا يجذب الانتباه على الفور لكنه يهدف إلى التراكم تدريجيا، ليخلق حضورا غير استعراضيا مع الوقت.

ورغم محاولة كيدمان الموازنة بين البرود المهني والهشاشة الإنسانية دون الوقوع في الميلودراما، إلا أن أدائها خلق مسافة عاطفية بين المشاهد والشخصية التي تجسدها، خاصة لمن يفضلون الأداء الأكثر حرارة، مما يجعل التجربة معتمدة على ذائقة المتلقي.

في المقابل، يأتي أداء بوبي كانافال كعنصر موازن، مقدما شخصية انفعالية تتحرك داخل الأحداث بطاقة واضحة. يعتمد كانافال على حضور جسدي وصوتي قوي، يجعله قادرا على ملء الفراغات خاصة في المشاهد التي تحتاج إلى توتر مباشر. لكن هذا الأداء، رغم قوته، يعاني أحيانا من عدم الاستقرار، حيث تتأرجح الشخصية بين العمق والسطحية تبعا لكتابة المشهد.

نزعة تأملية وبطء في الإيقاع

ثانيا مع الإخراج، الذي يعتمد على بناء بصري بارد، حيث تسود الألوان الباهتة والإضاءة الخافتة، ويتسم بنزعة تأملية من خلال الاعتماد على لقطات طويلة، وزوايا ثابتة، وتقليل الحركة. هذا الأسلوب قد ينجح في خلق هوية بصرية مميزة، لكنه يساهم أحيانا في إبطاء الإيقاع، خاصة عندما يتكرر دون تنويع كاف.

وأخيرا مع الموسيقى التصويرية التي عملت كظل خفي يتسلل بهدوء لإبراز الشعور بالتوتر والضغط، فيما جرى استخدام أغنيات قديمة للتعليق على الأحداث وخلق مفارقة بين دفء الماضي وبرودة الحاضر، وهو ما استحضر بدوره إحساسا بالحنين أو التناقض خاصة عندما تأتي الأغنية في سياق مشهد جنائي قاس.

ومع ذلك، فإن تأثير هذا الاختيار يختلف من متلق لآخر؛ فالبعض يراه إضافة غنية، بينما قد يشعر آخرون أنه عنصر منفصل عن النسيج العام، وإن يظل محاولة واعية لتوسيع الأثر النفسي للعمل.

لمن يجرؤ فقط

فإذا كنت من محبي الجريمة والتشويق قد ترغب بمشاهدة “سكاربيتا” خاصة وأنه دراما قصيرة من 8 حلقات لن تمنحك إجابات بقدر ما تضعك أمام أسئلة، وهذا ربما يكون مركز قوتها وضعفها في آن واحد.

المسلسل يستهدف المشاهدين الناضجين، ليس فقط بسبب طبيعة الجرائم بل الطريقة التي تعرض بها، فالمسلسل يركز على الجانب النفسي والوجودي، ما يجعله ثقيلا على المشاهدة الجماعية، بالإضافة إلى تضمنه مشاهد داخل غرف التشريح تظهر فيها الجثث دون تلطيف بصري يخفف من وقعها، وهو ما قد يكون صادما لبعض المشاهدين، خاصة في السياق العربي.

التقييم العام

القصة: 3.5
التمثيل: 4
الإخراج: 3.5
المؤثرات البصرية: 3
مناسب للعائلة: 1.5