في عام 1975، جلس شاب عمره 19 عامًا من بيروت في إحدى قاعات مدرسة جُمعت فيها مساعدات إنسانية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية.

كان أحمد قعبور قد نظّم آنذاك لجنة شعبية لمساندة اللاجئين المهجّرين. وفي نوبة الحراسة الليلية، حمل معه شمعة صغيرة وكتاب شعر ليبدّد وحشة الليل. هناك، في ذلك السكون الثقيل، تعلّقت روحه بقصيدة واحدة ظلّت تتردّد في صدره حتى الفجر، قصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد، وستصبح لاحقًا واحدة من أكثر الأغاني حضورًا في الذاكرة العربية:

أناديكم

أشدّ على أياديكم

وأبوس الأرض تحت نعالكم

وأقول أفديكم

أناديكم

أشدّ على أياديكم

وأبوس الأرض من تحت نعالكم

وأقول أفديكم

وأهديكم ضياء عيني ودفء القلب أعطيكم

فمأساتي التي أحياها، نصيبي من مآسيكم

أناديكم

أشدّ على أياديكم

وأبوس الأرض من تحت نعالكم

وأقول أفديكم

أناديكم

أشدّ على أياديكم

وأبوس الأرض تحت نعالكم

وأقول أفديكم

أنا ما هنت في وطني وما صغّرت أكتافي

وقفت بوجه ظلامي يتيمًا عاريًا حافيًا

أنا ما هنت في وطني وما صغرت أكتافي

وقفت بوجه ظلامي يتيمًا عاريًا حافيًا

أناديكم.

في تلك الليلة، لم يكتفِ أحمد بقراءة القصيدة، بل بدأ يهمس بها، يجرّب إيقاعها، حتى خرجت منه النغمة الأولى لأغنية ستصبح نشيدًا لجيل كامل. وفي صباح اليوم التالي، توجّه إلى والده، عازف الكمان، وقال له بلهفة: “لديّ شيء يجب أن تسمعه”.

جلس الأب يستمع، ولم يكن راضيًا عن توجه ابنه للفن الذي لا يطعم خبزًا في زمن الحرب، ثم قال جملة قصيرة سترافق ابنه طوال حياته: “أكمل تلحين القصيدة، لكن انتبه لنبض الإيقاع. هذه الأغنية يجب أن تنبض في القلب، لا أن تُسمع فقط”.

بعد عام واحد، صدر ألبومه الأول “أناديكم”، وبدأ أحمد رحلته بين المخيمات، يغنّي للجرحى والفقراء والأطفال الذين كانوا يبحثون عن معنى للحياة وسط ركام المخيم.

كان أول عرض له في أروقة مستشفى ميداني في بيروت، وأعاد الأغنية سبع مرات متتالية، نزولًا عند رغبة الجرحى، حيث طلبوا أن تبقى حيّة في قلوبهم، ولو للحظات.

لكن قصة أحمد قعبور لم تبدأ في تلك الليلة، بل قبلها بسنوات طويلة، في بيت متواضع قرب مخيم صبرا في بيروت، حيث نشأ في عائلة كانت الموسيقى جزءًا من يومياتها، مثل الخبز والماء. روى أحمد قعبور في إحدى المقابلات الصحفية: “لقد أجبرت نفسي على دخول المخيم بعد المجزرة، كان يجب أن أرى بنفسي ماذا حدث في المكان الذي عرفت وسمعت قصص أطفاله صغيرًا، كي لا أنسى تلك المشاهد”.


أسرة قعبور (صور خاصة بعرب 48)

يروي شقيقه الأصغر ناصر قعبور، وهو مخرج تلفزيوني: “كان أبي يصطحب أخي أحمد إلى حفلات أم كلثوم وعبد الوهاب وصباح، حيث كان أبي أول عازف كمان في لبنان، وعمي عازف عود أيضًا. تشبّع أحمد حب الموسيقى منذ الصغر، أما ميوله السياسية التقدمية فقد تعلّمها من أخينا الأكبر، الذي كان ناشطًا سياسيًا”.

ويضيف ناصر، وهو يستعيد ذكريات الطفولة والصبا: “حين ذاع صيت أحمد بعد أن غنّى “أناديكم”، اعتقد الناس أننا ننحدر من أسرة فلسطينية لاجئة في لبنان. كان زملائي في مقاعد الدراسة مقتنعين أنني فلسطيني حتى في الجامعة”.

لم يكن أحمد قعبور فلسطينيًا بالهوية الرسمية، لكنه كان فلسطينيًا في الوجدان، في الأغنية، وفي الموقف، وفي الإحساس العميق بالعدالة المفقودة.

“لقد حلم أخي أن يزور غزة ويمشي على شاطئها، عاش ومات وهو يحلم بتحريرها”.

لخّص الأخ ناصر علاقة أحمد قعبور بفلسطين بكلمات مؤثرة وصادقة: “أحمد لم يزر فلسطين أبدًا، ولكنه لم يغادرها أبدًا”.

وُلد أحمد قعبور عام 1955 في بيروت، في بيت متواضع قرب مخيم صبرا للاجئين. نشأ في أسرة من الطبقة العاملة: أب موسيقي، وأم كادحة احتضنت أبناءها وأبناء عمومته اليتامى، تسعة أطفال تحت سقف واحد.

ومنذ طفولته، تعرّف إلى معنى الفقر والاقتلاع، وإلى حكايات اللاجئين التي سمعها في أسواق المخيم وأزقته، حيث كان يحمل المشتريات لوالدته ويستمع إلى قصص الأطفال الذين فقدوا بيوتهم.

بدأ حياته المهنية معلمًا في مدارس الأونروا، وشارك في أعمال تطوعية لخدمة اللاجئين، لكنه أدرك مبكرًا أن الموسيقى يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا ونشاطًا سياسيًا، وأن الأغنية قد تصبح ذاكرة جماعية، وشكلًا من أشكال المقاومة.


محمد قعبور يصافح أمّ كلثوم

لم تكن أغانيه مجرد ألحان، بل شهادات حياة. فمن منا لم يسمع “يا نبض الضفة لا تهدأ”، و”سمّوني لاجئ”، و“يا رايح صوب بلادي”، و”بدي غني للناس”.

أغنية “مين” مع الراحلة ريم بنا كانت لذكرى الشهيد محمد الدرة، ولينا التي كانت تصنع غدها هي تلميذة من نابلس قنصها برصاص الاحتلال في الانتفاضة الأولى.

لم تُكتب هذه الأغاني لتُسمع فقط، بل لتُعاش في قلوبنا وضمائر أحرار هذا العالم.

وُلدت كلمات وألحان قعبور في لبنان، لكنها عاشت في الجليل والمثلث والنقب والقدس ويافا وأريحا، وترددت في المدارس والمظاهرات والساحات، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية لجيل كامل.

تروي نائلة زيّاد، زوجة الشاعر توفيق زيّاد، أن الشاعر لم يلتقِ يومًا بالفنان الذي حوّل كلماته إلى نشيد للمقاومة. لكن بعد سنوات، عاد من رحلة عمل في بلجيكا ومعه شريط كاسيت للأغنية، فاستمع إليها وأحبها كثيرًا.

أما نائلة نفسها، فتقول: “حضرت حفلًا في بيروت عام 2015 وتأثرت حتى البكاء. التقيت به شخصيًا وتحدثنا، وكان ذلك من اللحظات التي بقيت محفورة في ذاكرتي”.

وكانت نائلة، إلى جانب كثير من الناشطين الفلسطينيين من الداخل ومن أنحاء العالم، من بين المشاركين في الحفل الأخير لقعبور في الأردن في فبراير من العام الماضي.


عزاء أحمد قعبور

في ذروة الحرب، شارك في حفل خيري خُصص لأيتام الحرب في غزة، وأصرّ على الغناء رغم وضعه الصحي، ورغم مرض السرطان الذي أنهك جسده في أيامه الأخيرة.

وها هي الحرب ترفض أن تضع أوزارها، ولكن موكب أيقوناتها الفنية لم يتوقف بعد. زياد الرحباني ومحمد بكري، يودّع العالم العربي، بألم كبير، ركنًا آخر من أركان الثقافة الملتزمة وحركات التحرر والتضامن الإنساني.

كان قعبور، وسيبقى، أحد رموز الفن الذي لم ينفصل عن قضاياه، ولم يساوم على صوته. وقد لخّصت الفنانة أمل مرقس هذا المعنى حين قالت: “لقد صاغ لنا لحنًا للمقاومة من خلال بقائنا في الوطن”. ثم تساءلت بحزن: هل نعرف كيف نكرّم الفنانين الملتزمين وهم ما يزالون بيننا؟ هل ندعم الأصوات الشجاعة في حياتهم، أم لا نلتفت إليهم إلا بعد رحيلهم؟ إنها أسئلة موجعة، خصوصًا في زمن أصبحت فيه صناعة الفن خاضعة في كثير من الأحيان لحسابات السوق والربح، بينما يدفع الفنانون الذين يصرّون على قول الحقيقة ثمنًا باهظًا.

لم يكن أحمد قعبور مجرد موسيقي، بل إنسانًا صادقًا، متواضعًا، قريبًا من الناس. كان يؤمن بأن الأغنية يمكن أن تكون جسرًا بين البشر، وأن صوتًا واحدًا قادر على أن يحفظ كرامة شعب بأكمله.

علّم الموسيقى للأطفال في دور الأيتام، وشاركهم المسرح والأحلام، وغنّى معهم في الأعياد والمناسبات، حيث ترك قعبور إرثًا غنيًا للأطفال يشمل مئات الألحان والأغاني والأعمال المسرحية الرائعة.

ويستعيد الممثل والمخرج المسرحي سعيد سلامة اللقاء الأول الذي جمعه بأحمد قعبور قبل نحو 10 سنوات في الشارقة، في أحد مهرجانات العالم العربي.

منذ ذلك الأسبوع المشترك، نشأت بينهما علاقة شخصية دافئة استمرت سنوات طويلة. وبالنسبة إلى سلامة، لم يكن قعبور مجرد فنان يُعجب به، بل صديقًا قريبًا وإنسانًا متواضعًا، حاضرًا دائمًا بقلبه قبل صوته.

ويروي سلامة، متأثرًا، اللحظة التي صار فيها أحد أغاني قعبور جزءًا من عمل تربوي أنتجه مع طلاب مدارس هنا في البلاد.

قبل نحو 20 عامًا، قدّم مسرحية للأطفال حملت اسم إحدى أغنيات قعبور: “علو الرايات علوها”، وغنّى الأطفال هذه الأغنية ضمن احتفالات عيد الفطر.

وحين أخبر سلامة قعبور بذلك بعد سنوات، رأى الدموع في عيني الفنان، وتأثر هو الآخر حتى البكاء. في تلك اللحظة، أدرك أن الأغنية لم تعد ملك صاحبها وحده، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة جيل جديد.

وكانت آخر إطلالة له، وقد بدا مرهقًا من آثار العلاج الكيميائي، في حفل خيري لصالح دار أيتام ارتبط بها لسنوات طويلة. أنهى الأغنية، ثم سقط على المسرح.

ومنذ تلك اللحظة، لم يظهر مرة أخرى. إلى أن جاءت الأخبار الحزينة عبر صفحة ابنه مروان قعبور: رحل أحمد قعبور عن عمر 70 عامًا. برحيله، يخسر العالم العربي صوتًا فريدًا، تخلده ألحانه وأغانيه من بعده.

سيظل هذا الصوت يتردّد في كل مكان يغنّي فيه الناس للعدل، للصمود، للمقاومة والحرية.