لقطات ملونة من فيلم تسجيلى عن عبدالحليم حافظ يظهر فيه وهو يتجول فى شوارع باريس، وقد أحاط به الناس من الجنسيات العربية والأجنبية يصافحونه ويتبادلون معه الأحاديث العابرة، ويلوح لهم حليم بابتسامته الهادئة.. هذه اللقطات تذاع فى  كل ذكرى سنوية لرحيل عبدالحليم حافظ، يوم 17 مارس عام 1977، يشاهد الملايين من محبى وعشاق العندليب الأسمر.

الفيلم مدته 116 دقيقة، وتم إنتاجه عقب وفاة عبدالحليم حافظ بحوالى  4 سنوات بعنوان «أغنية الوداع» عام 1981 من تأليف وإخراج الجزائرى المعروف أحمد الراشدى، شارك بالظهور والحديث فيه الموسيقار محمد عبدالوهاب والشاعر السورى  نزار قبانى،  والموسيقار محمد الموجى، وكمال الطويل ومصطفى أمين ويوسف وهبى وأحمد فؤاد حسن ونجوى فؤاد وطارق حبيب، مع ظهور العندليب الأسمر بحوارات، قام بتسجيلها أحمد الراشدى مع العندليب أثناء إعداد الفيلم التسجيلى.

الفيلم يحكى فى قالب وثائقى قصة حياة العندليب اﻷسمر عبدالحليم حافظ، ويعرض بعض الأغانى له، وحكايات بعض الأشخاص الذين كانوا فى حياته ويعرفونه على المستوى الشخصى.

فما قصة هذا الفيلم التسجيلى؟ ولماذا اختار حليم المخرج الجزائرى  أحمد الراشدى لإعداد وإخراج فيلم بالألوان عن سيرته الحياتية والفنية؟

ولد المخرج وكاتب السيناريو أحمد الراشدى عام 1938، درس الأدب الفرنسى والتاريخ والسينما، يعتبر من رواد السينما الجزائرية الذين ساهموا بأعمالهم المتميزة فى تطوير الفن السابع بالجزائر، فقد ترأس أول مركز للسمعيات والبصريات فى الجزائر بعد استقلالها عام 1962، وقد درس تاريخ السينما وكان على رأس مؤسسة المركز الجزائرى  لصناعة السينما، شارك فى  إخراج الفيلم الجماعى  «مسيرة شعب» لتخليد حركة حرب التحرير الجزائرية، ومن أفلامه الشهيرة «على فى بلاد السراب»، و«الطاحونة» وهو فيلم شارك فى أدائه الممثل المصرى عزت العلايلى، فضلا عن دوره فى إنتاج العديد من الأفلام الجزائرية بعد أن تولى إدارة قسم الإنتاج فى الكاييك، وقد شارك فى إنتاج الفيلم المصرى «العصفور» من إخراج يوسف شاهين، وشارك عام 1963 فى إخراج الفيلم الجماعى  «مسيرة شعب» لتخليد حركة التحرير الشعبية فى الجزائر.

والراشدى عاشق للفن السينمائى، ومحبّ للصورة، فمنذ بداية السينما فى الجزائر منتصف الستينيات وطوال مسيرته الفنية، ارتبطت بالمخرج أحمد راشدى نجاحات مهمة كمخرج وكاتب سيناريو ومدير ومنتج، ومن أفلام الإنتاج المشترك فيلم «زاد» لكوستا جافراس، الذى حصل على الأوسكار كأفضل فيلم أجنبى، وله أيضا عدد من الأفلام المهمة منها «الأفيون والعصا» و«فجر المعذبين» و«تحيا الجزائر».

منذ سنة 2009، كرس نفسه للأفلام الوثائقية من خلال إخراج عدة أفلام عن السيرة الذاتية تتناول حياة ومسار شخصيات إبان حرب التحرير الوطنى، كما أخرج الفيلم المطول «مصطفى بن بولعيد» سنة 2009 وفيلم «كريم بلقاسم»، عام 2015 وهو فيلم تاريخى حول مسار هذه الشخصية الثورية، وكذلك «لطفى» الذى يتطرق إلى مسار الشهيد العقيد لطفى.

وفى سنة 2018، أخرج فيلمه الأخير «أسوار القلعة السبعة» وهو مقتبس من الرواية التى  تحمل نفس الاسم، الذى كتبه محمد معارفية.

وفى إبريل عام 2021 عينه الرئيس الجزائرى عبدالمجيد تبون مستشارا مكلفا بالثقافة والسمعى البصرى.

يحكى  أحمد الراشدى عن العلاقة التى ربطته بالعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، والبداية- كما روى للصديق الكاتب الصحفى المغربى  عزيز المجدوب- فى مطلع السبعينيات، حيث فوجئ بحليم يطلبه على هاتف البريد المركزى بالعاصمة الجزائر، مقر إقامته، ومن هناك حصل على رقم هاتفه أمام ذهول ودهشة العاملين بالبريد المركزى.

لا يعرف الراشدى كيف اهتدى حليم لاسمه: «ربما شاهد أحد أعمالى، المهم أنه اقترح على أن يبعث لى بقصة لأقرأها، وبعدها سيعيد الاتصال ويأخذ رأيى إن كانت تصلح لأن تتحول إلى عمل سينمائى، وبطبيعة الحال وافقت على الأمر، فكان المشروع عبارة عن نص للكاتب والصحفى  مصطفى أمين، الذى كان حينها فى السجن، وبعث لى عبدالحليم القصة فى أكثر من 47 حلقة، كان أمين يكتبها ويتكفل العندليب بالحصول عليها من السجن قبل أن يرسلها إلى عبر البريد».

يضيف المخرج أحمد الراشدى: «أعجبتنى القصة التى كنت أنتظر حلقاتها بشغف وشوق، وانتقلت إلى مصر من أجل إعداد السيناريو والتقيت عبدالحليم، حيث جمعتنا جلسات عمل مطولة، رغم ظروفه الصحية إذ كان يلازمه طبيبه الخاص الذى يزوده بالأدوية والحقن،  ورغم أننى أقنعته بأننى لست المخرج الذى بإمكانه أن يشتغل على ما اعتاده العندليب من أفلام استعراضية وغنائية، فاقترحت عليه بدل ذلك أن يخوض مغامرة التمثيل بدون غناء، إذ بحثت فى شخصيته عن الممثل وليس المطرب، فبدا عليه التردد إلى قبول الفكرة بصعوبة».

ويكمل الراشدى: «كنت أرى فيه قدرات تمثيلية غير عادية، «يأتى الراشدى إلى جولة العندليب الأسمر فى باريس وسهرات الأولمبيا التى واكبها معه بالكاميرا، فقد سافر العندليب فى إبريل عام 1974 إلى باريس فى رحلة علاج استمرت قرابة الشهرين ونصف الشهر على نفقة الملك الراحل الحسن الثانى،  وأحضر له أكفأ الأطباء العالميين فى ذلك الحين.

اصطحب العندليب معه الفرقة الماسية ليقيم حفلات غنائية فى باريس فى الوقت الذى طالت فيه المدة التى يقضيها للعلاج.

بعد نهاية فترة العلاج وبالتحديد فى يوليو 1974، عكف عبدلحليم مع الفرقة الماسية على البروفات لإقامة حفلين أسطوريين غنى فيهما أغانيه السابقة فى ثوبها الجديد منها «رسالة من تحت الماء» و«فاتت جنبنا» و«أى دمعة حزن لا» و«زى  الهوى»، وحاول عبدالحليم الاستفادة من التطور التكنولوجى فى الهندسة الصوتية والإخراج التليفزيونى،  حيث سجلت الحفلات بمادة تليفزيونية ملونة وحديثة، وإخراج أشبه بإخراج الأفلام السينمائية فى ظل وجود الكاميرات المتطورة النقالة وإضاءة المسرح الممتازة، التى تظهر بوضوح فى الصور، حيث كان الضوء يسلط عليه فقط وباقى المسرح مضاء إضاءة خافتة، يصف المخرج الجزائرى أحمد الراشدى كيف عاش اللحظات الأخيرة للعندليب قبل رحيله: «كان العندليب منشغلا بمشاريعه الفنية منها أغنية من «غير ليه» التى لحنها له الموسيقار عبدالوهاب، ومقبلا على الحياة وأذكر أنه فى  آخر لقاء لى معه بلندن طلب منى أقتنى له سيارة «ستروين» صغيرة مقابل 3 آلاف دولار ومنحنى المبلغ، كما كانت لديه ساعة يد ذهبية أهداها له أحد الأمراء، وكان رباطها الذهبى أكبر من أن يضبط على معصم يده، لهذا طلب منى أن أتولى مهمّة تصغير الرباط، لكن بمجرد عودتى إلى باريس حتى جاءنى  النبأ الحزين قبل أن أودع الأمانة لدى محام بالقاهرة بعد خلاف بين الورثة حول من له الحق فى  تسلم الساعة والدولارات ليتولّى هو هذه المهمّة».

عقب وفاة حليم، فكر الراشدى فى أن يقدّم لصديقه عبدالحليم فيلما تسجيليا، حيث كان يصحبه دائما فى  سنواته الأخيرة فى لندن وباريس والقاهرة ومعه كاميرا سينمائية تسجّل لقطات حيّة لعبدالحليم حافظ، كان من المنتظر أن يتضمّنها فيلم «لا»، وبدأ راشدى فى الإعداد للفيلم التسجيلى «أغنية الوداع» ومقابلة كل من ظهر فى الفيلم، وعرض الفيلم عام 1981 فى الذكرى الرابعة لرحيل العندليب.


«أغنية الوداع» آخر فيلم تسجيلى عن حياة عبدالحليم حافظ