تجمح ريشة الفنانة الرتغالية البريطانية  «باولا ريغو» ( Paula Rego ) نحو الخيال النسوي التصويري ولأول مرة استخدم كلمة النسوي في الفن التشكيلي لأن  جسد المرأة في لوحاتها ليس جسداً نائمًا، بل جسداً متراجعاً خطوة إلى الداخل. لا يستلقي بطمأنينة، ولا يتمدد بثقة، بل ينكمش كما لو أنه يعتذر عن شغل المكان. هذه الوضعيات في بعض أعمالها ، بكل ما تحمله من التواء وانغلاق، ليست فعل نوم، بل فعل انسحاب. وكأن الجسد، بعد محاولات طويلة للتكيّف، قرر أخيراً أن يصمت. لا يمكن قراءة جسد المرأة في لوحاتها  بوصفها خياراً سيولوجياً للراحة، بل هي عودة رمزية إلى نقطة البداية؛ إلى زمن لم يكن فيه العالم عدائياً، ولم يكن على المرأة  أن تبرر وجودها. إنها حركة إلى الخلف، لا إلى الأمام. ارتداد داخلي لا يبحث عن الحل، بل عن التوقف. فهل نشأة الفنانة باولا ريغو في ظل ديكتاتوريات سالازار في البرتغال لها الأثر الكبير على أسلوبها النسوي هذا إن صح لي قول ذلك؟ 

الجسد في لوحاتها لا يواجه، لا يفتح صدره للفضاء، لا يمد أطرافه بثقة. على العكس، كل شيء مغلق، الذراعان، الساقان، الكتفان، حتى الرأس. هذه اللغة الجسدية تُنتج خطاباً بصرياً واضحاً العالم أثقل من أن يُحتمل، والوجود في حالة دفاع مستمر. ليس ثمة بطولة في هذا الانكماش، بل صدق عارٍ، يقدّم التعب كما هو، دون تزويق. فالرأس المنحني ليس تفصيلاً عابراً في الثقافة البصرية، الرأس هو مركز الوعي والسيطرة، وانحناؤه يعني انكسار تلك السيطرة. إذ  لا ينظر الجسد إلى شيء، ولا يراقب، ولا ينتظر. الرأس مسلّم للجاذبية، كما لو أن التفكير ذاته صار عبئاً إضافياً. إنها لحظة يتخلى فيها العقل عن القيادة، ويترك الجسد يقررأو بالأحرى يترجم تأثير الديكتاتورية لن أقول الذكورية بل السياسية على المرأة. فهل احتضان الوسادة في هذه اللوحة التي ترافق مقالي هذا هي  ذروة المفارقة العاطفية في اللوحة ؟ وهل الوسادة، هذا الشيء الصامت، تتحول إلى بديل رمزي عن الآخر.؟ وهل تتشابه باولا ريغو مع مارغريت أتوود عبر لوحاتها ؟ 

تضغط الفراغات في لوحاتها على العقل لتكوين المعنى عبر مصدر ضوئي تتركه لتوضيح المنطقة الرمادية التي تمنح قيمة الظهور وقيمة الاختفاء. وكأن الصورة نفسها لا تريد أن تفضح أكثر مما ينبغي. فمن الناحية التكوينية، يُرغَم المشاهد على الاقتراب.إذ  تُقدم باولا حالة إنسانية مألوفة، لكنها نادراً ما تُعرض بهذه الصراحة الهادئة. لا دموع، لا صراخ، لا حركة. فلعبة الألوان في رسوماتها جوهرية ولا تتحدث  عن صورة الإنسان حين يصبح الحد الأدنى من الوجود هو أقصى ما يستطيع تحمله. فشخصياتها النسوية توحي بالصمت البصري، والانكماش البصري غير الدرامي، إذ تكمن قوة نسوتها لا في الصراخ ولا في الشرح  بل تكتفي بأن تضع الجسد كما هو، وتتترك للمتلقي مهمة الإصغاء.

تستطيع ريشة باولا ريغو تحويل المعنى البصري لموقف فكري وجمالي من الجسد والوجود. فلوحاتها لا تسعى إلى الإبهار، ولا تُغري بالوضوح، بل تشتغل على منطقة خافتة، صامتة، حيث يصبح الغموض أداة تعبير، والاقتصاد البصري وسيلة لقول ما لا يُقال. وهي تبتعد عن الواقعية التسجيلية. فاللوحة  لا تُقدَّم كتوثيق لحظة يومية عابرة، بل كحالة إنسانية مُكثفة. الملمس التشكيلي الواضح، وضربات اللون غير المصقولة تماماً يضعان العمل في منطقة وسطى بين الرسم والتصوير، حيث تُلغى الدقة الفوتوغرافية لصالح الصدق التعبيري. هذا الخيار الأسلوبي يسمح بتضخيم الشعور الداخلي على حساب التفاصيل الثانوية، ويجعل المتلقي يتعامل مع الحالة لا مع الحدث. كما تقوم اللغة البصرية على الاختزال. العناصر محدودة، ولا وجود لزخرفة أو تفاصيل مضافة. هذا التقشف الأسلوبي يمنح الجسد مركزية مطلقة، ويمنع تشتيت الانتباه. فكل ما في لوحاتها يخدم الحالة النفسية حتى الفراغ. الأسلوب يشير إلى  المعاني بشكل مباشر، بل يضغطها، مكثفًا الدلالة في أقل عدد ممكن من العناصر. فهل استطاعت باولا ترجمة العلاقة بين الجسد والمكان بمهارة كبرى ؟