في خطاب استمر 19 دقيقة من البيت الأبيض، حاول الرئيس الأميركي تثبيت سردية الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة بالتعاون وإسرائيل ضد إيران منذ أكثر من شهر، من دون أن يقدّم أي تحوّل فعلي في المضمون. أعاد إنتاج التصريحات نفسها التي يكررها منذ الأيام الأولى، مع تأكيد متواصل على “اقتراب تحقيق الأهداف” والتلويح بمزيد من الضربات، من دون تحديد سقف زمني واضح أو طرح تصور عملي لنهاية العمليات.

كان الابلاغ المسبق لكل القنوات التلفزيونية الأميركية المحلية عن توقيت الخطاب وحجز البث المباشر لضمان نقله ووصوله لأكبر عدد من المواطنين الأميركيين، ينذر بأن أمراً مهماً على وشك الحدوث، وأن دونالد ترامب، قرر أخيراً أن يقول يسمي الأمور بأسمائها ويتحدث بما يهم الشارع الاميركي فعلاً. لكن هذا لم يحدث. حتى أن السياسي الأميركي إيان بريمر، علق ساخراً على ما خلص إليه الخطاب بالقول “أحاول أن أتخيل سائق شاحنة في ولاية أيوا يفكر قائلاً، لا أمانع في دفع مبلغ أكبر بكثير بدل البنزين الآن، بما أن البحرية الايرانية قد تضررت”.

هذا الثبات في الخطاب، رغم تغيّر المعطيات الميدانية وارتفاع كلفة الحرب اقتصادياً، فتح المجال أمام انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك من داخل المعسكر الجمهوري نفسه. الخطاب الذي كان يفترض أن يطمئن الداخل الأميركي، عكس حالة ارتباك في إدارة الحرب، حيث جمع بين الحديث عن قرب إنجاز المهمة وبين التهديد بتوسيع العمليات، من دون تقديم تفسير استراتيجي واضح لمسار الصراع.

أحد أبرز الانتقادات جاء من النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين، التي دفعتها خلافاتها مع ترمب إلى الاستقالة. فقد نشرت على منصة إكس أنها كانت “تريد بشدة أن يضع ترمب أمريكا أولاً”، مضيفة أنها قبل الخطاب كانت تعتقد أنه سيفعل، لكنها قالت بعد ذلك: “كل ما سمعته من خطابه الليلة كان حرباً، حرباً، حرباً”. وأضافت: “لا شيء يخفض تكلفة المعيشة للأمريكيين. لا شيء يقلل من ديوننا التي تقارب 40 تريليون دولار. لا شيء لإنقاذ الضمان الاجتماعي”، في إشارة مباشرة إلى غياب أي معالجة للقضايا الداخلية التي تشكّل أولوية لدى الناخب الأميركي.

هذا النقد لا يقتصر على شخصيات سياسية، بل يعكس اتجاهاً أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس أن ثلثي الأميركيين، أي 66 %، يعتقدون أن على الولايات المتحدة العمل على إنهاء تورطها في حرب إيران بسرعة، حتى لو كان ذلك يعني عدم تحقيق جميع الأهداف العسكرية المعلنة للإدارة. هذه النتيجة تعكس فجوة واضحة بين خطاب الإدارة الذي يركز على الحسم العسكري، وبين المزاج الشعبي الذي يميل إلى تقليص الانخراط العسكري.

المؤشر الأهم يتمثل في تراجع الدعم حتى داخل القاعدة الجمهورية. إذ أظهر استطلاع أجرته سي إن إن يوم الأربعاء، قبل الخطاب، أن 32% من الجمهوريين المنتمين إلى تيار “ماغا” عارضوا إرسال قوات إلى إيران، كما عارض غالبية الجمهوريين غير المنتمين إلى هذا التيار هذه الخطوة أيضاً. هذه الأرقام تعكس تحولاً مهماً، حيث لم تعد القاعدة الجمهورية موحّدة خلف الخيار العسكري، وهو ما يضعف قدرة الإدارة على الاستمرار في الحرب من دون كلفة سياسية داخلية.

على المستوى الاقتصادي، تتزايد الضغوط بشكل واضح. فقد أظهر استطلاع رويترز أن الأغلبية قلقة بشأن العواقب الاقتصادية للحرب، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود التي تجاوزت 4 دولارات للغالون، في ظل اضطرابات مرتبطة بالصراع. وأفاد أكثر من نصف المشاركين بأن الحرب سيكون لها تأثير سلبي على أوضاعهم المالية الشخصية، ما يعزز الشعور بأن كلفة المواجهة مع إيران لا تقتصر على الجبهة العسكرية، بل تمتد مباشرة إلى الداخل الأميركي.

هذا التداخل بين القرار العسكري والضغط الاقتصادي يفسر جزئياً تراجع شعبية ترمب، ويضع خطابه الأخير في سياق محاولة لاحتواء هذا التراجع من دون تقديم تنازلات فعلية في المسار السياسي أو العسكري. غير أن غياب أي رؤية واضحة لإنهاء الحرب، واستمرار التناقض بين الدعوة إلى الحسم العسكري والحديث عن إمكانية التفاوض، يفاقم حالة عدم اليقين لدى الأسواق والرأي العام على حد سواء.

يعكس الخطاب استمرار الرهان على القوة العسكرية كأداة رئيسية، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الرفض الداخلي، سواء على المستوى الشعبي أو داخل النخبة السياسية. ومع تزايد الكلفة الاقتصادية وغياب أفق واضح للحسم، تبدو الحرب مفتوحة على مسار أكثر تعقيداً، حيث لم يعد التحدي محصوراً في الميدان، بل بات مرتبطاً بقدرة الإدارة على إدارة التوازنات الداخلية في الولايات المتحدة نفسها.

يمكن تلخيص المشهد بجملة قد تكون أقرب للكوميديا السوداء، بأن سعر النفط انخفض عندما بدأ ترامب خطابه وارتفع بأكثر من 3٪ بحلول الوقت الذي انتهى فيه. لذا لا يمكن القول إنه كان دون تأثير.