تسطع أعمال الفنانة التشكيلية الكويتية نورة عبد الهادي كنصوص بصرية مكتوبة بمداد الروح ، حيث تنصهر المادة اللونية في مكامن الوجدان لتنتج كينونة إنسانية تبحث عن الحب والجمال . لتتجاوز حدود اللوحة الضيقة وتتجه بنا نحو فضاءات الوجود الأرحب ، وتوقفنا أمام تجربة فنية لا تكتفي برصد الملامح ، وإنما تغوص في سبر أغوار النفس البشرية ، تشعل وتستنطق الصمت الكامن في التفاصيل ، فتحول الألوان إلى صرخات صامتة وتأملات عميقة في مآلات الذات وتحولاتها .
​في لوحة الوجه تطالعنا بكثافة تعبيرية عالية ، فنلمس منها ذلك التوتر الخلاق بين المحو والإثبات ، حيث تتماهى الملامح مع الخلفية في وحدة عضوية تشي بضياع الفرد في زحمة الوجود أو ربما انصهاره في الطبيعة الكونية . تذكرنا هذه المقاربة بجماليات التعبيرية الألمانية في قدرتها على تجسيد القلق الوجودي ، غير أنها عند الفنانة نورة عبد الهادي تكتسب طابعاً شرقياً حميماً ، يستحضر إرث الوجوه السومرية والفيومية بتلك العيون الواسعة التي ترنو إلى المجهول بالصبر. واللون الأصفر فيها لا يكتفي أن يكون ضوء فقط ! إنه إشراق داخلي يحاول مقاومة عتمة التلاشي ، بينما الأحمر يتدفق كنبض حي يربط الذاكرة باللحظة الراهنة .​تنتقل الفنانة في عمل آخر نحو الرمزية التاريخية ، حيث يبرز الهرم ككتلة من الأسى والشموخ في مشهد واحد ، مشوباً بلمسات من الانكسار الذي يعكس حال الإنسان العربي المعاصر وتجاذباته بين أمجاد الماضي وانكسارات الحاضر. هذا التوظيف للرمز الحضاري يتجاوز البعد الجغرافي ليصبح رمزاً للمقاومة الإنسانية ضد النسيان ، حيث تبدو الخطوط المنسكبة والظلال الداكنة كأنها دموع التاريخ التي تنهمر فوق حجارة الصمت .

وهنا نلمح ثمة تقاطع واضح مع أسلوب الرسام والنحات الألماني ( أنزيلم كيفر) في تعامله مع الذاكرة والأنقاض ، لكن بروح الفنانة نوره نراها مفعمة باللوعة الوجدانية العربية التي ترى في الأثر بقايا روح لا تزال تنبض تحت الرماد .​أما في التكوينات التجريدية الأكثر تحرراً ، فإن نورة عبد الهادي تطلق العنان للفرشاة لترسم خرائط النفس التائهة ، فتتداخل الزرقة العميقة مع بقع الضوء الذهبية لتصنع صراعاً درامياً بين اليأس والأمل . إنها لغة بصرية ترفض القيود الأكاديمية الصارمة وتنتصر لتدفق المشاعر العفوي ، محاكية بذلك عوالم الفنان الأمريكي ( فرانز كلاين ) في قوة الخط ، وكذلك مع الفنان العراقي ( شاكر حسن آل سعيد ) في تأملاته حول البعد الواحد وجداريات الزمن . مما يؤكد لدينا بأن اللوحة عند نوره ليست مكاناً للعرض ، إنما ساحة للاعتراف ،وملاذ للبحث عن الهوية في عالم يفتقر إلى الملامح الواضحة .​إن المتأمل في مجمل هذه التجربة يدرك أن الفنانة ترسم ما تشعر به ، محولةً التجربة الذاتية إلى قضية إنسانية عامة . فهي تغزل من الوجع جمالاً ، ومن الشتات وحدةً فنية متماسكة ، لرؤيتها بأن الفن يظل هو الملاذ الأخير للإنسان لاستعادة إنسانيته المهددة . في كل لمسة فرشاة ، ثمة محاولة لاسترداد لحظة مفقودة وهاربة ، وفي كل تباين لوني ، ثمة دعوة للتأمل في جوهر الوجود ، مما يجعل أعمالها جسراً بصرياً يربط بين الوجدان الكويتي الأصيل والهم الإنساني العالمي في سيمفونية لونية لا تعرف الانتهاء .​ كما ​يتجلى التطور اللوني المتسارع في مسيرة نورة عبد الهادي كرحلة من العتمة نحو التحرر الضوئي بعروض فنية إبداعية انطلقت منذ سنة 2005 م وحتى يومنا هذا . فصار اللون لديها نبضاً حياً وقلقاً وجودياً يفيض بحرية جامحة ، فتارة نرى الأصفر يشرق كأمل عنيد يقاوم التلاشي ، وتارة أخرى نجد الأزرق يمتد كبحر من التساؤلات الفلسفية التي تغمر الروح بسكينتها الصاخبة . هذا التشكيل الذي يجمع بين سطوة الرمز التاريخي المتمثل في شموخ الأهرامات وبين سيولة التجريد المعاصر، يعكس وعياً عميقاً بجدلية العلاقة بين الجذور والآفاق ، حيث تلتقي الهوية العربية بخصوصيتها الوجدانية مع الهم الإنساني الكوني ، لتصيغ جملة تشكيلية مغايرة ترفض القوالب الجاهزة وتنتصر لعفوية الإحساس الصادق .​منذ بدايات مسيرتها الفنية وتشكل معرفتي بالفنانة بإحدى المنتديات التشكيلية العربية أرى سطوع اسم نورة عبد الهادي كفنانة عربية متفردة ، والذي يأتي ثمرة لتطوير تجربتها ونتاج شغفها بالفن ، فجاء رسمها لا لملء فراغ ، وإنما ليصنع وطناً من الألوان يسع أحلامنا وانكساراتنا على حد سواء ، محولةً الأثر البصري إلى رسالة حب ومقاومة ضد النسيان . في كل ضربة فرشاة ، ثمة استعادة لروح اللون واستنهاض لقوة الخيال التي تعيد صياغة العالم بمنظور وجداني شفاف ، مما جعل من أعمالها أيقونات للجمال الذي يولد من رحم المعاناة ، ومن اسمها علامة فارقة في سجل الإبداع العربي المعاصر، إذ نجحت في سنوات وجيزة أن تجعل من لوحاتها مرآة تعكس وجه الإنسان في كل زمان ومكان ، متجاوزةً عتبات الجغرافيا لتستقر في صميم القلب البشري .

كاتب من ليبيا