للمرة الأولى في تاريخ إنتاج الدراما الخليجية، يُقدَّم عمل درامي يتناول أحداثاً حقيقية بهذا العمق والجرأة. هكذا يمكن تصنيف مسلسل “السفارة 87” الذي يأتي عرضه في توقيت شديد الحساسية، يتقاطع مع أجواء التوترات والحروب القائمة اليوم في المنطقة، ولا سيما في ظل العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران، وتداعياته التي لم تسلم منها عدة دول خليجية، منها السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت.
كان قد انتهى تصوير مسلسل “السفارة 87” قبل فترة (من إنتاج مجموعة إم بي سي)، وهو عمل مأخوذ، بحسب بيان صادر عن منصة شاهد، عن أحداث حقيقية وقعت في طهران عام 1987. يستند المسلسل إلى رواية ما جرى مع القنصل السعودي في طهران، الذي تحوّل إلى رهينة في خضم أزمة سياسية معقدة بين السعودية وإيران. ووفقاً للبيان، فقد اختطف الحرس الثوري الإيراني القنصل على خلفية أحداث شهدها موسم الحج في العام نفسه.
وقد اختارت المجموعة المخرج كولين تيغ لتنفيذ هذا العمل، الذي يرصد تفاصيل قصة القنصل السعودي خالد القسّام، إذ كان في طهران عندما احتجزه الحرس الثوري، بعد تداعيات أحداث موسم الحج في مكة في يوليو/تموز 1987.
ففي ذلك الوقت، نظمت مجموعة من الحجاج الإيرانيين تظاهرات داخل الحرم المكي، رددوا خلالها شعارات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، ورفعوا شعارات الثورة الإسلامية في إيران، داعين إلى الوحدة الإسلامية ومنددين بإسرائيل، ورفعوا صور المسجد الأقصى والخميني.
غير أن السلطات السعودية فرضت طوقاً أمنياً حول المتظاهرين، ما أدى إلى تصاعد التوتر واندلاع مواجهات تحولت إلى اشتباكات دامية، أسفرت عن مقتل أكثر من 400 شخص من الحجاج وعناصر الأمن.
يروي المسلسل، من زاوية إنسانية مؤثرة، قصة القنصل خالد القسّام وما تعرض له وعائلته في طهران، إذ لم تكن العائلة تدرك في البداية عمق المأساة التي تواجهها. وكان همّها الأول أن تبذل الحكومة كل ما بوسعها لتأمين عودتهم إلى المملكة سالمين. ولا يكتفي العمل بتوثيق أزمة دبلوماسية، بل يتجاوز ذلك ليطرح تساؤلات حول معنى الإنسانية والولاء في أوقات الأزمات، حين تصبح النجاة رحلة جماعية محفوفة بالمخاطر نحو الوطن والأمان.
يروي المسلسل قصة القنصل خالد القسّام وما تعرض له في طهران
منذ الإعلان عن موعد عرض المسلسل، لاقى الخبر تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فأعرب كثيرون عن حماستهم لمشاهدته، خاصة في ظل ندرة الأعمال الخليجية التي تتناول الدراما السياسية الواقعية بهذا الشكل.
حظي المسلسل بإشادة لافتة بسبب ضخامة الإنتاج وتنوع فريق العمل. وفي الوقت نفسه، تراهن المجموعة المنتجة على البعد الاجتماعي والإنساني في العمل، إذ لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يتعمق في كواليس الأزمة داخل أروقة السفارة، كاشفاً تأثيرها المباشر على الأفراد الذين وجدوا أنفسهم في قلب الحدث.
يتخذ المسلسل من شخصية القنصل القسّام، التي يجسدها الممثل محمد منصور، محوراً درامياً رئيسياً، إذ تظهر شخصية قيادية تواجه ضغوطاً هائلة خلال الأزمة، وتسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين حماية العاملين داخل السفارة والالتزام بالواجب الوطني، في ظروف بالغة التعقيد.
يُذكر أن مسلسل “السفارة 87” يضم عدداً من الممثلين السعوديين والإيرانيين، من بينهم محسن منصور، ومحمد القس، وريم الحبيب، وسارة طيبة، وعزيز غرباوي، وقصي خضر، وسمر ششة، وآخرون. وهو من إخراج البريطاني كولين تيغ، وإنتاج استديوهات إم بي سي، ويُعرض على شاشة إم بي سي ومنصة شاهد ابتداءً من اليوم (الثالث من إبريل/ نيسان الحالي).
بهذا، يبدو أن “السفارة 87” لا يكتفي بكونه عملاً درامياً توثيقياً، بل يسعى إلى فتح نافذة جديدة في الدراما الخليجية، توازن بين السرد التاريخي والتأمل الإنساني، وتقدم للمشاهد تجربة درامية ثرية تستحضر الماضي لتضيء على تعقيدات الحاضر.
