حضرتُ قبل أيام عرضاً مسرحياً للممثلة السورية ناندا محمّد، تحكي فيه حكايتها الشخصية وعلاقتها مع طفولتها وعائلتها. وتقاطع تلك العلاقة مع الحاضر عبر رحلة تأخذها بها والدتها لتسترجع فيها بعضاً من الذاكرة المفقودة في تفاصيل قد تكون صغيرةً، لكنّها تلك التفاصيل التي تشكّل العقل الباطن؛ الموجِّه الرئيس للسلوك البشري. العرض “لملمت ذكرياتي برموشي” تأليف ناندا محمّد وإخراجها، وشاركتها في الأداء والدتها، خبيرة التجميل السورية بشرى حاجو، ورافقهما في الأداء الموسيقي المصري محمّد سامي الخولي (زوجُ ناندا). والعرض قائم على وجود الشخصيات الحقيقية، فـ”ناندا” هي ناندا في العرض، وكذلك بشرى ومحمّد سامي. وهو عرض ينتمي إلى ما يمكن أن نطلق عليه المسرح السِّيَري أو الأوتوبيوغرفي، وهو عموماً نوع من الفنون بات منتشراً، ليس في المسرح فقط، بل في معظم أنواع الفنون والأدب. لكنّ الفرق في عرض ناندا أنّها لم تستعن بممثّلين لأداء الأدوار، بل بعائلتها نفسها، ولم تُضفْ للذاكرة ما هو من خارجها، وإنّما استعادتْها حيّةً كأنّها تشتغل ضمن مساحة عرض الواقع كما هو تماماً، بلا إضافات فنّية إلى نصّ الذاكرة. جاءت الإضافات في الموسيقى المرافقة، وفي السينوغرافيا (بيسان الشريف)، وطبعاً في الأداء الجميل المعتاد لناندا بوصفها ممثّلةً محترفةً.
عرض “لملمت ذكرياتي برموشي” فعل استعادةٍ للذات والذاكرة، وليس مجرّد سرد مسرحي للأحداث التي تحكيها أمٌّ لابنتها، هو كشف لتأثير تلك الأحداث كلّها في شخصية ناندا الممثّلة والإنسانة، هو كشف لما يمكن أن يفعله ماضينا بحاضرنا إن لم نتمكّن من فهم هذا الماضي، أو إن حدث قطع في الذاكرة وهي تحاول بناء جدار حماية للوقاية من الانهيار. لكنْ ثمّة سؤال يخطر لي دائماً حين أشاهد أو أقرأ أعمالاً تحكي عن السيرة الشخصية، تلك التي توجد فيها مساحة كبيرة للكشف، سؤال عن التحوّل الذي طرأ على الخصوصية وعلى الأسرار الشخصية وعلى اضطراباتنا النفسية الممتدّة من الطفولة ومن العلاقات غير الصحّية التي عشناها في الماضي. هذه كلّها كانت محفوظةً ضمن دوائر ضيّقة جداً، لكنّها مع تطوّر المنصّات الرقمية تحوّلت إلى تفاصيل علنية نكتبها منشوراتٍ في “فيسبوك”، أو نحوّلها أفلاماً سينمائية، أو عروضاً مسرحية، أو نصوصاً أدبية، وكأنّنا نريد أن نتخفّف من أحمال ثقيلة فردية ونلقيها على كاهل شهود غالباً لا يمتّون لنا بأيّ صلة، هم مجرّد متفرّجين أو متابعين أو قرّاء، نحوّلهم نحن بإرادتنا إلى شركاء في معاناة شخصية، نحوّلها بإرادتنا أيضاً إلى محتوىً يأخذ أحياناً شكلاً فنّياً جميلاً وممتعاً، لكنّه في الغالب يسهم في استهلاك الخصوصية ومعنى التجربة الإنسانية، ما لم يكن الهدف منه الانتقال من الشخصي إلى ما هو أكثر حفراً في الوعي الإنساني والبشري.
والمدهش، في هذا الخصوص، أنّ الاحتفاظ بالأسرار في عالمنا الحديث بات كالاختفاء؛ فإن لم نعترف، أو لم نفصح، أو لم نحكِ عن تجاربنا وحيواتنا الشخصية، فكأنّنا لسنا حاضرين، كأنّ وجودنا نفسه بات مرهوناً بشجاعتنا على الاعتراف، وبجرأتنا في الحديث عن أسرارنا ومشاكلنا واضطراباتنا النفسية، وكأنّ احتفاظنا بأسرارنا وعلاقاتنا صار خوفاً وجبناً وانكفاء، كأنّ صمتنا صار خللاً، لا خياراً أو طريقة شخصية في العيش.
هذا كلّه أيضاً أوجد جمهوراً مفتوناً بالسير الشخصية، وكلّما زادت مساحة الكشف زاد الافتتان، واتسعت رقعة المنصّات والمنابر التي تفتح مجالاً للحكي و”الفضفضة” التي باتت تُستغلّ للتشهير أو للابتزاز أو للتحرّش أو للاستباحة. وهنا، طبعاً، يجب التفريق بين الفنّ الرفيع، مثل عرض “لملمت ذكرياتي برموشي” الذي يختار بدقّة ودراية فنّية ما يجب مشاركته مع الجمهور وما يجب حجبه، والمنصّات والتجمّعات الرقمية والواقعية التي لا تفرّق بين “الحكي” بوصفه فنّاً قديماً نتج منه المسرح ونصوص السيرة الذاتية التي تحفّز حالة الوعي المعرفي، والحكي والفضفضة التي لا تنتج شيئاً ولا تقدّم تجارب إنسانية خاصّة، بل تستهلك البشر وتعيق عملية التأمّل الداخلي والاختبار الذاتي، ولا تترك خلفها سوى المزيد من الفضوليين والمتلصّصين الذين يمنحون لأنفسهم حقّ التقييم والإرشاد، ما ينتجه من كوارث مجتمعية حقيقية.
