يبدو العمل الافتتاحي في بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 “بركان فوق هذه الريشة الخضراء”، وكأنه نقاش مؤجل، تركه الفنان بيتريت هاليلاي خلفه قبل زمن، ثم قرر أن يُخرجه من ذاكرته بتصميم وشجاعة، وبأسلوب يخاطب الذاكرة الجمعية لجيل عاش حرب كوسوفو (1998-1999).

في تلك الحرب، شنّ الجيش الصربي حملة قمع ضد سكان كوسوفو الألبان، عن طريق مداهمة القرى وطرد الناس من أرضهم وبيوتهم. وقعت مذابح كثيرة على أيدي الشرطة الصربية حينها، وتعرّض المحتجزون الألبان للضرب والتعذيب والموت في المعتقلات.

عاش الفنان في طفولته ويلات تلك الحرب، ورسم خلالها على الورق العديد من الرسومات برفقة طبيب نفسي للأطفال في مخيم للاجئين. بعد سنوات، أعاد الفنان اكتشاف رسوماته، وحوّلها إلى عمل فني ضخم، يحمل تساؤلات كثيرة حول ما تختزنه ذاكرة الأطفال خلال الحرب. 

هكذا تعود رسومات الطفولة على هيئة أعمال ضخمة إلى بينالي الدرعية في الرياض. صور معلقة كبيرة الحجم، يشاركنا من خلالها هاليلاي روايته الشخصية، عن صراع مؤثر وقع في القرن العشرين، رسمها في مخيم “كوكيس” للاجئين في ألبانيا، وهو في الثالثة عشرة من عمره. 

أعمال مزدوجة

يعرض الفنان 38 لوحة، تحمل كل منها وجهين عرفهما خلال الصراع؛ وجه العنف حيث الجنود وعمليات الشنق والعتاد العسكري، ووجه الحياة والطبيعة والحيوانات التي تعيش بمأمن من شرور البشر. وجهان للعلاقة المعقّدة بين الرواية الرسمية والتاريخية، وتجارب الحرب اليومية.

هكذا يرتبط عمل الفنان ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الحديث لوطنه كوسوفو، وتداعيات التوترات الثقافية والسياسية في المنطقة، والتي غالباً ما يتخذها نقطة انطلاق لصياغة سرديات بديلة للمستقبل.

ينظر الفنان هاليلاي إلى المعارض كوسيلة لتغيير مسار التاريخ الشخصي والجماعي، من خلال عوالم إشكالية  لموضوعات الحرية والهوية.

تشمل مشروعاته وسائط متنوّعة، من بينها النحت والرسم والتصوير والكتابة والعروض الأدائية. وكثيراً ما يدمج مواد من كوسوفو وطنه الأم، في حين يعيش متنقلاً بين بلاده وألمانيا وإيطاليا. تتجلى أعماله في هيئة منشآت مكانية، محوّلاً العلاقات والأماكن والأشخاص إلى أشكال نحتية.

بينالي الفن المعاصر

يحمل بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 عنوان “في الحلّ والترحال”، المستوحى من تقاليد التنقّل والهجرة في الجزيرة العربية. العنوان لم يكن اختياراً عشوائياً، بل إطاراً يُبرز أصالة التاريخ، والذاكرة، والتحوّلات الثقافية. ومن خلاله، أراد المنظمون أن يقدّموا منصّة للتأمل في حركة الإنسان والفكر والفن عبر الزمان والمكان، وربط السياق المحلي بالمعاصر العالمي.

أصبح بينالي الدرعية فضاء للحوار بين الثقافات، يستمر حتى الثاني من مايو، ويقدّم أعمالاً لأكثر من 65 فناناً وموسيقياً ومخرجاً سينمائياً ومهندساً معمارياً وكاتباً من 37 دولة.