في زمنٍ يتسارع فيه كل شيء نحو النسيان، يختار الفنان التشيلي المنحدر من أصول عربية خورخي تقلا أن يقف في مواجهة العابر، وأن يحول الفن إلى فعل تنقيب في طبقات الذاكرة.

وفي معرضه «ما يأتي عليه الزمان.. يبقي عليه الزمن»، الذي انطلق أخيراً في مؤسسة الشارقة للفنون، يقدم تقلا تجربة بصرية تُقرأ كما تُشاهد، حيث تتجاور العمارة المتصدعة مع الوجوه الغائبة، وتتراكب الخطوط والطبقات كما لو كانت جيولوجيا للألم الإنساني.

لا يتعامل تقلا مع اللوحة كمسطح جمالي مكتمل، بل كحقل اختبار للذاكرة، ومساحة تتصارع فيها قوى الفناء والبقاء؛ فالأعمال المعروضة لا توثق التاريخ بقدر ما تعيد مساءلته، وتستحضر ما حاول الزمن طمسه، لتؤكد أن ما يمحى من السجلات قد يبقى راسخاً في الوجدان. هنا، يغدو الفن أداة كشف، وتتحول الألوان إلى شواهد، والفراغات إلى أصوات.

ويستلهم تقلا عنوان معرضه من قصيدة للشاعر تي. إس. إليوت، ليرسخ فكرة أن الزمن ليس مجرد خط مستقيم يبتلع الأحداث، بل هو مصفاة كبرى. «ما يأتي عليه الزمان» يشير إلى الدمار، والزوال، والنسيان الذي يلحق بمظاهر الحياة، أما «ما يبقي عليه الزمن» فهو تلك الروح والشذرات من الحقيقة والذاكرة التي تأبى الاندثار وتظل محفورة في الوعي الجمعي.

وفي لوحاته الكبيرة، يستخدم تقلا العمارة كرمز للثبات والهوية، لكنه يعيد تفكيكها. الخطوط لديه ليست حادة أو نهائية، بل هي أشباح لعمارة كانت قائمة. وتبدو المباني والساحات في أعماله كأنها تمر بمرحلة تحلل أو إعادة تشكل، وهو ما يعكس اهتمامه بالتاريخ، حيث تصبح الجدران شاهدة على التحول.

لا يرسم تقلا الشكل المباشر دائماً، بل يرسم ما حوله أو يترك فراغات توحي بوجود الشيء. هذا التوجه يجعل المشاهد شريكاً في صنع المعنى، حيث يضطر العقل إلى ملء الفجوات وفك رموز الأشكال التي تبدو كأنها أحافير.

وتتجاوز أعمال تقلا الجغرافيا حينما يستخدم صور الأقمار الاصطناعية، والمخططات، والوجوه العابرة، ليحكي قصة الإنسان، كما يحاول أن يمنح صوتاً لمن طواهم الزمان ولم يبقِ عليهم سوى في ذاكرة الفن الصادقة.

وفي حديث يتسم بالعمق الفلسفي حول الذاكرة والزمن، يكشف الفنان التشيلي خورخي تقلا لـ«البيان» عن الرؤى الكامنة وراء أعماله، مؤكداً أن الفن ليس مجرد محاكاة للواقع، بل هو مساحة تتشكل بين ذاكرة المكان والمكان ذاته.

ويرى تقلا أن العالم يعيش في حالة تدفق وتغير دائم، ومن هنا ينبع دور الفنان في رصد التحولات، موضحاً أنه لا يتعامل معها بوصفها حالة نوستالجية أو مستقرة، بل يرسمها ككيان هش ومتصدع.

ويشبه الفنان الذاكرة في لوحاته بالعمارة المهدمة أو الصدمات الجماعية التي تترك أثراً لا يمحى، معتبراً أن استحضار الأحداث التاريخية في فنه هو فعل مقاومة ضد النسيان.

وحول استلهامه عنوان معرضه من قصائد الشاعر تي. إس. إليوت، أشار تقلا إلى أن طقوسه اليومية تبدأ دائماً بقراءة الشعر ورسم المخططات الأولية، مبيناً أن هذا الامتزاج بين الكلمة والريشة يخلق توازناً نفسياً يساعده على هضم ما يحدث في العالم.

وعن تقنيته الفريدة، يقول تقلا: «أتعامل مع اللوحة وكأنها بشرة إنسانية؛ فاستخدام الشمع البارد يتيح لي تجسيد الصدمات كما لو كانت ندوباً حقيقية على جسد حي. إن عمليات الكشط، والتمويه، وتراكم الطبقات في الأعمال ليست مجرد أساليب تقنية، بل هي استعارة بصرية للدمار الذي تخلفه الكوارث».

وتتميز لوحات تقلا بكثافة الطبقات التي تشبه التكوينات الجيولوجية. ويصف الفنان هذا الأسلوب بأنه «عملية تشريح» تهدف إلى الكشف عما تحت السطح. فبالنسبة إليه، اللوحة هي «الجلد الذي يغطي الصدمة». ويختتم تقلا رؤيته بتأكيد صمود الذاكرة، قائلاً: «لا يوجد شيء يضيع تماماً». ومن خلال توثيق الصدمات التاريخية، يسعى الفنان لضمان بقاء محاولات المحو حاضرة في الوجدان الجمعي كذاكرة حية لا تقبل النسيان.