فاطمة عطفة (أبوظبي)
في رواية «مواليد حديقة الحيوان» الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة، لا يقدم أشرف العشماوي حكاية تقليدية بقدر ما يضعنا أمام تجربة سردية مركّبة تنتمي إلى فن «النوفيلا»، حيث تتشكّل الرواية من ثلاث قصص تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها تتقاطع في عمقها لتكشف عن الإنسان حين يتحرك داخل منظومات المجتمع والسلطة والذات. ويعتمد الكاتب أسلوباً واقعياً يميل إلى الواقعية النقدية، ممزوجاً بنبرة فلسفية وسخرية سوداء تجعل النص لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يكشف ما وراءها من اختلالات في القيم والمعايير. هذا ما جاء في تقديم أسماء صدِّيق المطوع، مؤسسة «صالون الملتقى»، في جلسة خُصّصت لمناقشة هذا العمل الأدبي المرشح لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2026، عن فئة القائمة القصيرة لفرع الآداب.
وأوضحت المطوع أن شخوص هذه الرواية لا تُقدَّم بوصفها أسماءً محددة بقدر ما تظهر كأنماطٍ إنسانية مثل القاضي والمحامي والمتهم والإنسان العادي، حيث نرى كيف يتحول الفرد من كائنٍ حرٍّ إلى جزءٍ من قطيع أو عنصرٍ داخل منظومةٍ أكبر تعيد تشكيل وعيه وسلوكه.
وأشارت المطوع إلى أن أحداث الرواية تتحرك بين فضاءات متعددة، أبرزها المجتمع العام وقاعات المحاكم، حيث تتحول العدالة من قيمة مطلقة إلى حالة متأرجحة، بينما يتخذ الزمن طابعاً معاصراً ضاغطاً يعكس واقعاً مأزوماً تتداخل فيه الحقيقة مع المصالح. وهكذا لا تعود الرواية مجرد ثلاث حكايات منفصلة، بل تصبح قراءة في الإنسان المعاصر حين يفقد توازنه بين ما يريده وما يُفرض عليه، لتفتح أمامنا سؤالها الأعمق: هل ما زلنا نعيش خارج القفص أم أننا وُلدنا داخله منو دون أن ننتبه؟
وجاء في مداخلة مريم المهيري من عضوات الملتقى، أن ما يميّز هذا العمل الأدبي هو البنية الشكلية واختيار النوفيلا بأن تكون الوعاء الذي يحتضن القصة بأحداثها وشخوصها وحبكاتها، مبينةً أن الكتاب يضم ثلاث «نوفيلات»، تشترك من حيث الفكرة والإيقاع والأبعاد التي تتخذها، حيث يحيلنا الكاتب إلى العملية الإبداعية التي تحدث عند القراءة. فالبنية لم تكتفِ بتوجيه مسار السرد في الرواية، إنما حاولت الاشتغال على الحد الفاصل الدقيق بين كل حكاية وأخرى، وبين ما يمكن للعين أن تراه، وما يمكن أن تتخيله.
أما د. هناء صبحي، فقد أشارت إلى أن أحداث الرواية تدور داخل حديقة الحيوان، لكن هذا ليس مجرد إطار مكاني، بل يتحوّل إلى عالم رمزي يعكس العالم البشري بكل تناقضاته، لأن الشخصيات في الرواية، سواء من البشر أو في إسقاطاتها الحيوانية، تمثّل فئات مختلفة من المجتمع، مما يجعل الحديقة صورة مصغرة للحياة خارجها، مبينة أن الحديقة ترمز إلى العالم المغلق أو المجتمع المقيد.
