​​حين حضرتُ الدورة الأولى من مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب العام الماضي، كان الشعور الغالب آنذاك هو أننا أمام محاولة أولى، لا تزال تتلمس طريقها، لكنها محمّلة برغبة حقيقية في استعادة العراق لدوره الثقافي العربي، وبإيمان واضح بأن الشباب يمكن أن يكونوا نقطة البدء. غير أن هذه الدورة الثانية من المهرجان تابعتها هذا العام عن بُعد، بعد أن تعذر حضورنا بسبب ظروف الحرب، وهو ما منح التجربة بُعدًا مختلفًا بالنسبة لي، إذ بدا التلقي هذه المرة مشوبًا بمسافة جغرافية، لكنها لم تُضعف الإحساس بقيمة ما يحدث، بل ربما زادته وضوحًا، لعلها قدرة الفن على خلق “حضور موازٍ”، فالمسافة التي فرضتها الحرب لم تكن عائقاً، بل تحولت إلى عدسة مكبرة كشفت عن قدرة المهرجان الذي يقام برعاية وزارة الشباب والرياضة العراقية، على الصمود كحدث ثقافي عابر للحدود والظروف الطارئة.


​اللافت في هذه الدورة، التي أقيمت في بغداد، أنها بدت أكثر ثقة بنفسها، كأنها انتقلت من مرحلة الإعلان عن النية إلى مرحلة إنتاج الأثر. الشعار المرفوع “السينما ضد الحرب” لم يكن مجرد عبارة دعائية، بل بدا متجذرًا في تفاصيل البرمجة، وفي طبيعة التفاعل الجماهيري، وفي المزاج العام الذي سيطر على القاعات. في لحظة عربية ملتبسة ومثقلة بصراعات ممتدة، يصبح هذا الشعار أقرب إلى بيان جمالي وأخلاقي في آن، حيث تُستدعى السينما لا لتزيين الواقع، بل لمواجهته، ولطرح أسئلة لا تملك السياسة وحدها إجاباتها.


​اختيار فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية لافتتاح الدورة لم يكن قرارًا فنيًا فحسب، بل كان إعلانًا مبكرًا عن طبيعة الرهان، وربما عن حساسية اللحظة التاريخية نفسها. فالفيلم يبدو من أكثر الأعمال التصاقًا بمرحلة عربية بالغة القسوة، حيث تتقاطع الحروب وتتداخل، وتفرض على الفن أن يكون شاهدًا لا متفرجًا. من خلال استعادته لإحدى أكثر اللحظات دموية كما ظهرت على الشاشات في غزّة، يقدّم العمل ما يشبه شهادة بصرية على زمن تُبث فيه المآسي مباشرة أمام العالم، من دون أن تفقد قدرتها على الصدمة أو على مساءلة الضمير الإنساني. هنا لا تكتفي كوثر بن هنية بالسرد، بل تعيد تركيب الذاكرة، وتدفع المتلقي إلى مواجهة صور اعتاد رؤيتها، لكن في سياق يعيد إليها ثقلها الأخلاقي، وهو ما يفسر ذلك التفاعل الكبير الذي رافق العرض، حيث لم يعد الجمهور يشاهد فيلمًا بقدر ما يواجه واقعًا يعاد تقديمه بوعي فني.


​ إن استدعاء المأساة الغزاوية/ الفلسطينية في قلب بغداد يجسد وحدة “الوجع السينمائي”، حيث تتحول الشاشة إلى وسيلة مؤثرة، تعيد تعريف دور المهرجانات في توثيق الحقيقة وحمايتها من النسيان.


​لكن الأهم من العروض نفسها هو ما دار حولها. فالقاعات لم تعد فضاءات مغلقة للعرض، بل تحولت إلى منصات حوار حي بين صناع الأفلام والجمهور، حيث تُطرح الأسئلة بلا وسائط، وتُختبر الأفكار في لحظتها. هذا الشكل من التفاعل يعيد للسينما وظيفتها الأولى كفن جماعي، ويمنح التجارب الشابة فرصة نادرة للاحتكاك المباشر مع جمهورها، بعيدًا عن العزلة التي تفرضها أحيانًا دوائر الإنتاج التقليدية.


​على مستوى المسابقات، بدا التنوع العربي أحد أبرز ملامح هذه الدورة، حيث حضرت أفلام من أكثر من بلد، حاملةً معها أسئلة متقاربة وإن اختلفت السياقات.

​أما الحضور العراقي، فإنه بدا الأكثر إثارة للاهتمام، ليس من باب المجاملة، بل لأن هذه التجارب ظهر كأنها تكتب تاريخها الخاص بعيدًا عن أي قوالب جاهزة، لم أشاهد هذه التجارب بالطبع، لكن من خلال القراءة عنها، يتبين أن هذه الأعمال تنحو صوب تحويل التفاصيل الحياتية البسيطة إلى قضايا كبرى، مما يعكس نضجاً فكرياً لدى الشباب العراقي في تفكيك واقعهم المعقد سينمائياً.


​هذه الأفلام، على اختلافها، تشترك في شيء واحد: أنها لا تخشى طرح الأسئلة، حتى لو لم تملك إجابات جاهزة. ربما هنا تكمن قوة السينما الشابة، في قدرتها على القلق، على الشك، وعلى كسر اليقينيات، وهي صفات تبدو ضرورية في سياق مثل السياق العراقي، حيث الذاكرة لا تزال مفتوحة، والواقع لا يزال قيد التشكل.


​ما يميز هذه الدورة، في تقديري، ليس فقط جودة بعض الأفلام، بل هذا الإحساس العام بأن هناك حراكًا حقيقيًا يتشكل، وأن السينما في العراق لم تعد مجرد محاولات فردية متفرقة، بل بدأت تتحول إلى مشهد، إلى بنية، إلى شبكة من العلاقات بين صناع أفلام وجمهور ومؤسسات.




إذن. يمكن القول إن الدورة الثانية من مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب كانت لحظة مواجهة صريحة بين الفن وزمنه. فبين غيابنا القسري بسبب الحرب، وحضور أفلام تُصوّر آثارها وتفككها، يتجسد التناقض الذي يعيشه العالم العربي اليوم: أجساد تغيب، لكن الصور تبقى، والأصوات تزداد وضوحًا. هنا تحديدًا يكتسب شعار “السينما ضد الحرب” معناه الحقيقي، لا بوصفه موقفًا أخلاقيًا مجردًا، بل كفعل مقاومة رمزي، تُمارسه الكاميرا في وجه العنف، ويؤكده جمهور يملأ القاعات في بغداد، كأنه يعلن أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تُروى وتُرى وتُفهم عبر السينما.