كانت النية سليمة والنتيجة كارثية بالنسبة إلى جون ليندسي، العمدة الجديد لمدينة نيويورك المثقلة بالمشكلات، ففي عام 1966، أي في سنة توليه منصبه، أطلق ليندسي مبادرة جريئة جديدة لتعزيز إنتاج الأفلام، فقد منح “مكتب السينما والمسرح والبث الإذاعي” الرائد الذي أنشأه العمدة المنتجين تصريحاً واحداً شاملاً للتصوير، مختصراً بذلك الإجراءات البيروقراطية المعقدة ومحولاً المدينة إلى موقع تصوير سينمائي ضخم، وقال “للمرة الأولى أصبحت متنزهاتنا ومتاحفنا وشوارعنا ومحاكمنا ومكتباتنا ونصبنا التذكارية مفتوحة، وكل ما يجعل نيويورك فريدة من نوعها أصبح في متناول صانعي الأفلام”.
حقق رهان ليندسي الكبير عوائد فورية إذ تضاعف الإنتاج السينمائي في نيويورك مرتين وثلاث مرات، وضخ مبالغ كبيرة في اقتصاد محلي منكوب يحتاجها أيما احتياج، لكن على أرض الواقع تجنب صانعو الأفلام الشباب المعالم الأثرية والمتاحف، مفضلين توجيه عدساتهم نحو أماكن غير جذابة، فصوروا الشوارع الفقيرة والأحياء المهمشة ودور السينما الإباحية والنزل الرخيصة، ولقد سلطوا الضوء على كل مظاهر التدهور الحضري لمدينة في حال انهيار، ولذلك أصبح مكتب العمدة للسينما أشبه بنعمة استحالت نقمة، فتحقق حلم ليندسي ولكن بأسوأ شكل ممكن، إذ تجسد على شكل كابوس من أضواء النيون يُعرض على الشاشة الكبيرة.
يمكن تمييز شخصية ليندسي، وإن كانت مصورة بأسلوب درامي، في دور تشارلز بالانتين، الشخصية السياسية الجذابة الهادئة التي تؤثر على أحداث فيلم “سائق التاكسي” (1976) Taxi Driver ويُعد فيلم مارتن سكورسيزي الكلاسيكي الآن الأبرز في تلك الموجة الجديدة من قصص نيويورك البائسة، في ما عُرف بأفلام “التفاحة الفاسدة” [موجة من الأفلام الأميركية التي صُورت في نيويورك أواخر الستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقدمت المدينة بوصفها مكاناً فاسداً وعنيفاً ومنهاراً أخلاقياً واجتماعياً] الذي انتشر في المدينة على مدى ما يقارب عقداً من الزمن، بدءاً من فيلم جون شليزنجر “راعي بقر منتصف الليل” (1969) Midnight Cowboy وحتى فيلم والتر هيل “المحاربون” (1979) The Warriors.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولولا مكتب العمدة للسينما فلربما لم تكن لترى النور أفلام مثل “الرابط الفرنسي” (1971)The French Connection أو “عصر يوم قائظ” (1975)” Dog Day Afternoon ، ولا أفلام “رغبة في الموت” (1974) Death Wish أو “سوبر فلاي” (1972) Super Flyأو “اختطاف قطار بلهام 123” (1974) Taking of Pelham 123، فقد كانت هذه الأفلام في الغالب منخفضة الموازنة وغير مصقولة، مثل كاهن جُرد من رتبته أو شرطي سابق سيئ السمعة في السينما، فلقد شوهت هذه الأفلام صورة نيويورك وجعلتها تبدو مسرحاً لجرائم خطرة أو عالم جريمة جهنمي، إلا أن هذه الأفلام ربما كانت السبب في تشكيل هذه المدينة كذلك.
“إن هذه المدينة قناة صرف صحي مفتوحة”، هكذا يقول ترافيس بيكل لبالانتين وهو ينقله بسيارته الأجرة إلى الجزء الشمالي من المدينة، ولعل معظم المشاهدين في ذلك الوقت كانوا يوافقونه الرأي، إذ كانت نيويورك خلال سبعينيات القرن الماضي غارقة في حال من الفوضى العارمة، ووصلت المدينة إلى حافة الإفلاس وارتفعت معدلات جرائم القتل فيها ارتفاعاً حاداً، وانهارت بنيتها التحتية بينما تقلصت قاعدتها الضريبية بسبب عقود من نزوح سكانها البيض.
وقد بلغت الأمور ذروتها خلال موجة الحر التي ضربت صيف عام 1975، وتسبب إضراب عمال النظافة في ترك 58 ألف طن من القمامة في الشوارع، وأغلقت محطات الإطفاء أبوابها بعد جولة من التسريح الجماعي، ووسط هذه الظروف من ارتفاع درجات الحرارة وتراكم النفايات القابلة للاشتعال في الشوارع، شرع سكورسيزي في تصوير فيلمه متجولًا في أحياء إيست فيليدج وتايمز سكوير ولينكولن سنتر التي كانت آنذاك مناطق مشبوهة، وأبقى زاوية تصويره منخفضة لإظهار المتاجر الصغيرة المتهالكة ومحال بيع الكتب الإباحية، والتقاط صور المهمشين الذين يخرجون ليلاً، ولا يقوى ترافيس على النوم ولا يستطيع الاستقرار، ويدعي أن المدينة تسبب له صداعاً شبه دائم، ويقول لبلانتين إنها مليئة بالقذارة والحثالة ويجب أن تُلقى في المرحاض.
يصادف هذا العام احتفالاً مزدوجاً نوعاً ما، فهو يوافق الذكرى الـ 60 لتأسيس مكتب العمدة للسينما الذي لا يزال نشطاً ويحقق أرباحاً تصل إلى 5 مليارات دولار (3.7 مليار جنيه إسترليني) سنوياً، والذكرى الـ 50 لإصدار فيلم “سائق التاكسي” الذي عُرض للمرة الأولى في مسرح كورونيت بمانهاتن في فبراير (شباط) 1976، ويبدو ذلك اليوم ضرباً من التاريخ السحيق وأقرب إلى عمر كامل مضى، فيما سيجد سياح اليوم صعوبة في التوفيق بين جحيم بيكل السينمائي في سبعينيات القرن الماضي وبين مدينة الرفاهية منخفضة الجريمة التي أصبحت عليها نيويورك لاحقاً.

تشارلز برونسون وجون هيرزفيلد في فيلم “رغبة في الموت” (1974) (باراماونت/كوبال/شترستوك)
أصلحت المدينة نفسها وتغيرت بشكل جذري، وعندما صور المخرج جي سي تشاندور فيلم “أكثر الأعوام عنفاً” A Most Violent Year عام 2014، وهو فيلم جريمة درامي يسترجع أحلك أيام مدينة نيويورك، اختار تصوير الفيلم في ديترويت، فقد رأى أن نيويورك ما عادت تشبه نيويورك.
سيخبرك خبراء الاقتصاد أن وول ستريت أنقذت المدينة وأن الاستثمار الإستراتيجي في العقارات والبورصة ساعد في استقرار الوضع وعكس مسار الأزمة المالية ومهد الطريق للتحسين الحضري وفترة الازدهار التي شهدتها التسعينيات وما بعدها، ولا شك في أن هذا صحيح لكن الفنون والثقافة لعبتا دوراً أيضاً.
يذكر التاريخ أن حملة الإعلان الشهيرة “أنا أحب نيويورك” لميلتون غلاسر قد أبصرت النور عام 1977 بعد عام على إطلاق فيلم “سائق التاكسي”، ويقال إن الفكرة قد ولدت في المقعد الخلفي لسيارة أجرة في مانهاتن، وجرى تكليف غلاسر بتصميمها لتصحيح الصورة التي رسمها سكورسيزي وأمثاله عن المدينة، وهذا رد فعل معقول على رغم أنه يغفل عن نقطة مهمة، لأن أفلام “التفاحة الفاسدة” أحبت نيويورك أيضاً وإن على طريقتها الخاصة، فقد وجدت أفلام مثل “سائق التاكسي” و”عصر يوم قائظ” و “حمى ليلة السبت” (1977) Saturday Night Fever كنزاً في الأنقاض، واستغلت التوترات الاجتماعية وحولتها إلى مصدر ربح حين صورت المدينة على أنها مدينة مثيرة ومتقدة، ومكان ممتع للعيش طالما كنت عصرياً بما يكفي لمواكبة وتيرتها، وببطء ولكن بثبات خرجت مدينة غوثام من المستنقع وكانت الإيجارات المنخفضة عامل جذب، فأفاقت منطقة إيست فيليدج من كبوتها وأصبحت تايمز سكوير محترمة حد المبالغة في النهاية.
في الدقائق الأخيرة من فيلم سكورسيزي يُصاب ترافيس بطلق ناري في رقبته ويبدو أنه ينزف حتى الموت، ونفترض أنه في عداد الموتى لكن الفيلم يحييه فجأة، ومن المربك أن القصة تواصل وضع الرجل خلف عجلة قيادة سيارته الأجرة وتجعله بطلاً في أعين الصحافة والجمهور على السواء، وكثيراً ما قرأت هذا المشهد الختامي على أنه تعليق ساخر على طبيعة الشهرة، ولكنه قد يكون أيضاً تعليقاً على طبيعة مدينة نيويورك.
اندفعت المدينة نحو الدمار ولكن سكانها أنقذوها، وكانت على وشك الموت ثم عادت أقوى من ذي قبل، وانتعشت الأعمال التجارية ونجت مدينة نيويورك، وتكللت مهمة العمدة ليندسي الجريئة بالنجاح في نهاية المطاف.
