لم يكن الذهاب إلى المسرح مجرد حضور عرض، بل كان أشبه بالدخول إلى حكاية قديمة أعيد بعثها بروح جديدة.. على خشبة مسرح الطليعة، حيث تتجاور التجارب الجادة مع مغامرات التجريب، جاءت مسرحية “متولي وشفيقة” بإخراج أمير اليماني، عن قصة محمد علي إبراهيم، لتفتح بابًا بين الماضي والحاضر، وتطرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره:
هل تتغير الحكايات، أم نحن من نعيد قراءتها وفق أوجاعنا الراهنة؟
منذ اللحظة الأولى، لا يتعامل العرض مع القصة بوصفها حكاية تراثية محفوظة، بل ككائن حيّ قابل لإعادة التشكيل، حيث تتداخل الأزمنة، وتتصادم الرؤى، ويتحوّل الصراع من مجرد مأساة فردية إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع وقيمه.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا العرض، أنه لا يقع في فخ المقارنة المباشرة مع فيلم “شفيقة ومتولي” الذي قدّم عام 1979، وقام ببطولته كل من سعاد حسني وأحمد زكي، بل يتجاوزه بوعي واضح نحو معالجة مغايرة تمامًا في الرؤية والبناء الدرامي، فالمسرحية هنا لا تعيد إنتاج الحكاية، وإنما تعيد توزيع زوايا النظر إليها.
ينحاز العرض بشكل ملحوظ إلى تقديم الحكاية من وجهة نظر “متولي”، ليس باعتباره مجرد أخ تقليدي، بل بوصفه الأب البديل، الذي حمل مسؤولية “شفيقة” منذ لحظة ميلادها، بعد وفاة الأم، فوهبها من عمره وحياته، وشكّل وجدانها على صورته.. هذا التحول في زاوية السرد يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا أكبر، ويجعل من أفعاله اللاحقة – مهما بدت قاسية – امتدادًا لمسار طويل من التضحيات والتناقضات.
ومع دخول “متولي” إلى الجهادية (التجنيد بمفهومه المعاصر)، تبدأ بنية العلاقة في التصدّع، ليس فقط بسبب الغياب الجسدي، بل نتيجة الفراغ العاطفي الذي يتسلل إلى “شفيقة”، لتصبح أكثر عرضة للانجراف خلف مشاعر لم تختبرها من قبل، وهنا يفتح العرض مسارًا موازياً، يمنح “شفيقة” صوتها الخاص، فلا تعود مجرد ضحية لفعل درامي، بل شخصية لها دوافعها الإنسانية، خاصة بعدما تقع في حب “دياب” الذي لا يتعامل معها كغاية، بل كوسيلة للانتقام من “متولي”، فيغويها تدريجيًا، ويدفعها إلى الهروب، وصولًا إلى المصير المأساوي.
ويحسب للمخرج أمير اليماني قدرته الواضحة على الإمساك بكل خيوط العرض دون أن يفلت منه إيقاعه أو تتفكك عناصره، فنجح في تقديم عمل سريع الإيقاع، مشوّق، لا يمنح المتلقي فرصة للانفصال أو التشتت، وقدّم توليفة متوازنة بين الكوميديا والدراما، حيث تتجاور اللحظات الخفيفة التي تنتزع الضحك، مع مشاهد مكثفة قادرة على ملامسة الوجدان وإثارة الحزن.
كما برزت رؤيته الإخراجية في توظيف تقنية الـ”فلاش باك” بشكل سلس وغير مُربك، إذ لم تتحول العودة إلى الماضي إلى عبء سردي، بل جاءت كأداة تعمّق الفهم وتزيد من تشويق المتابعة، فبدا الانتقال بين الأزمنة منسابًا، يحفّز انتباه المشاهد بدلًا من أن يشتته، ويجعله شريكًا في إعادة تركيب الحكاية منذ لحظتها الأولى وحتى نهايتها.
يعتمد العرض على فريق عمل متكامل، استطاع أن ينسج حالة بصرية وسمعية متماسكة، حيث جاء تصميم الإضاءة لـ إبراهيم الفرن معبّرًا عن التحولات النفسية للشخصيات، فلم تكن الإضاءة مجرد عنصر كاشف للمشهد، بل شريكًا دراميًا في تشكيل الإحساس العام، متنقلة بين الحميمية والقسوة، بما يعكس تصاعد الصراع الداخلي، خاصة في لحظات الانكسار والذروة.
أما الديكور الذي صممه الدكتور محمد سعد، فقد جاء بسيطًا في ظاهره، لكنه محمّل بدلالات، ويعكس حالة التيه التي تعيشها الشخصيات، بينما أسهمت الأزياء التي صممتها غادة شلبي في تأكيد البعد الزمني والاجتماعي، مع تطور واضح في ملامح الشخصية عبر المراحل المختلفة، خاصة في شخصية “شفيقة”، وقدّمت الاستعراضات، بتصميم أحمد مانو، بعدًا حركيًا مميزًا، لم يكن للزينة، بل جاء مكمّلًا للسرد، حيث لعب الجسد دورًا في التعبير عن الصراع، خاصة في المشاهد التي يصعب فيها الإفصاح بالكلمات.
على مستوى الأداء، قدّم محمد فريد فؤاد شخصية “متولي” بقدر لافت من الصدق، متكئًا على بناء داخلي متدرّج، أظهر من خلاله تحولات الشخصية من الحنان الأبوي إلى القسوة المأساوية، دون أن يفقد خيط التعاطف مع المتلقي.
وجاءت “شفيقة” في ثلاثة تجليات زمنية، بدأت مع الطفلة التي أدتها دالا حربي بعفوية لافتة، ثم مرحلة الصبا مع منة اليماني، حيث بدأت ملامح التمرد والتساؤل، وصولًا إلى المرحلة الأكثر تعقيدًا مع يسرا المنسي، التي حملت عبء التحول الدرامي الأكبر، وقدّمت شخصية ممزقة بين الحب والذنب والضياع.
أما “دياب”، الذي أداه أحمد عودة، فقد نجح في تقديم شخصية مركبة، تجمع بين الجاذبية والخداع، دون أن يسقط في نمطية الشرير التقليدي، بينما أضاف الفنان صلاح السيسي (الأب) والفنان الشاب إسلام مصطفى (صالح ابن العم) والفنانة الشابة تقى طارق (نواره ابنة العم العاشقة لمتولي) مساحات داعمة أسهمت في استكمال النسيج الاجتماعي للحكاية.
في النهاية، لا يقدّم العرض حكاية “متولي وشفيقة” بوصفها حقيقة مكتملة أو رواية نهائية، بقدر ما يفتحها على احتمالات متعددة، تؤكد أن الموروث الشعبي ليس نصًا مقدسًا، بل مساحة رحبة للتأويل وإعادة القراءة، فالحكايات التي تناقلتها الأجيال، قد تحمل في داخلها أكثر من وجه، وأكثر من صوت، وربما أكثر من حقيقة.
ومن هذا المنطلق، يعيد العرض الاعتبار لشخصية “شفيقة”، لا باعتبارها النموذج التقليدي للفتاة الطائشة التي جلبت العار لأهلها وبلدها، بل كضحية مركبة لظروف قاسية، ولحب التبس عليها صدقه، ولعالم لم يمنحها فرصة الفهم أو الاختيار، فلم تكن “شفيقة” مذنبة كما قيل، بل كانت أضعف من أن تنتصر على حكاية كُتبت ضدها.
