مَا الذي يجعل ورقة صغيرة من “الكَارطا” أوسع من مجرد لُعبة؟ كيف استطاع الإنسان أن يحشر القلق والرجاء والسلطة والرغبة في مستطيل رقيق من الورق؟ أيّ سرّ هذا الذي يجعل “القلب” أكثر من علامة، و”السباتي” أكثر من سلاح، و”الكارو” أكثر من صفقة، و”الديناري” أكثرُ من لمعانٍ؟ وهلْ نلعبُ بالكَارطا حقًا، أم أننا نعيد، في كل جوْلة، تمثيل علاقتنا القديمة بالقَدر؟ ثم منْ يوزّع على مَن: أيدينا التي تخلط الأوراق، أم المصادفة التي تَخْلطُنا في صَمْتٍ؟

حينَ يرْتَدي القَدَرُ هيئةَ وَرقٍ

لستُ من هواةِ “الكَارطا”، ولا ممّن ألِفُوا الجلوسَ إلى موائدها أو استدرجتهم أسرارُ أوراقها الملوّنة، غير أنّني أكتبُ عنها اليوم لأنّ مشهدًا عابرًا استوقفني، وأنا أمرُّ بسُوقٍ أسبوعيّ يعجّ بالحركة والوجوه والأصوات. هناك، لفت نظري شبابٌ وشيوخٌ قد تحلّقوا جلوسًا على الأرض في هيئةٍ آسرة، وقد جمعَهم لعبٌ مشتركٌ بدَا في بساطته عميقَ الدلالة؛ يضحكون بمرحٍ طفوليّ نادر، ويتبادلون النظرات والحركات في انسجامٍ حيّ يشي بأنّ الأمر أوسعُ من مجرّد تسْلية عابرة.

كان في ذلك المشهد شيءٌ بديعٌ ومدهش، شيءٌ يردّ الإنسان، ولو لوَهْلة، إلى براءته الأولى، ويكشف كيف يمكن للعبةٍ صغيرة أن تصير مساحةً للألفة، ومرآةً لروح الجماعة، وفسحةً نادرةً يلتقي فيها العمرُ بالعُمْر، والجدُّ بالهزل، والصدفةُ ببهجة اللَّحظة. ليست “الكارطا” أداة تسلية عابرة، إنها بناء رمزي كثيف ابتكره الخيال حين أراد أن يمنح المصادفة شكلًا مرئيًا. فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش الاحتمال، ذلك أنه يسعى دائمًا إلى تمثيله في علامة، وإلى محاورته من خلال صورة. من هنا تكتسبُ ورقة اللّعب معناها: إنها أثرٌ بصريّ لعلاقة الإنسان بالقَدر، وصيغة شعبية للتفكير في الحظّ، والسّلطة، والرّغبة، والخسَارة.

الأثرُ الرَّمزي لخَيالٍ يُفاوضُ المَجهُول

تحمل “الكارطا” في تكوينها نظامًا دلاليًا محكمًا يقوم على التَّقابل. الألوان والأشكال والوجوه لا تتجاور اعتباطًا، إذ تنسج فيما بينها شبكة من العلاقات تكشف رؤية خاصة للعالم. “فالقلب”، في صنف من الورق، لا يحيل إلى الحب وحده، وإنما يرمز إلى هشاشة الحياة نفسها. و”السباتي” يجسدُ حدَّ العقل حين يواجه احتمالات الخسارة ويتمرن على القبول والضبط. أما “الكارو” فيختزل عالم المبادلة والرهان، ويشير إلى منطق القيمة حين يحوّل الوجود إلى حساب. ويأتي “الدّيناري” ليكشفَ فتنة اللَّمعان، بوصفه صورة للرغبة حين تتوهَّم أن التّملك يُحقّق الامْتلاء.

تنشئ هذه الرّموز خريطة مصغرة للوجود: حياة وصراع، قيمة ورغبة، نظام ومخاطرة. لذلك لا تبدو “الكارطا” لعبة منفصلة عن العالم، إنها العالم نفسه بعد أن ينكمش في مربعات صغيرة.

لذلك، يتحوَّل اللعبُ إلى تمرين على قراءة التناقضات التي يتأسس عليها الوجود الإنساني من خلال شبكة من الأضداد: أمل وخيبة، رغبة وحَدّ، مَكسب وفَقد، نظامٌ وعبثٌ.

الورقُ الذي يُربك العَقل ويُواسي الغُرور

تتأكد هذه الدّلالة حين ننظر إلى أسْماء الأوراق في الاستعمال الشّعبي: “اللاصّ، الدوصّ، الصّوطا، الكَابال”. تختزن هذه الأسماء خبرة ثقافية في تسمية القوة، والانتظار، والحيلة، والسّلطة.

اللاصّ يمثل وهم السيادة الخاطفة، تلك اللحظة التي يعتقد فيها المرء أنه أمسك بمفصل اللعبة. والدّوصّ يشير إلى الترقب الذي يمنح الأمل زمنه الخاص. والصّوطا تجسد ذكاء الحيلة حين تخفّف الخسارة وتمنحُ الضّعف قدرة على المناورة.

أما الكَابال فيرمز إلى السلطة حين تتجسد في صورة القانون والقرار وإعادة ترتيب المجال. غير أن القيمة الفلسفية “للكَارطا” لا تقوم في رموزها منفردة، وإنما في الطقس الذي يحتضنها. فجلسة اللعب نفسها تبني مشهدًا دالًا: يدٌ توزّع، عيونٌ تراقب، أصابعٌ تخفي، صمت يسبق الكشف، وتوتر يتصاعد بين الورقة المعلنة والورقة المؤجّلة. أما اللاعب فيفكر ويخطط ويخاتل، لكنه لا يلغي حضور الصدفة؛ إنه كائنٌ يحاول أن ينتزعَ معنى من عالَمٍ لا يمنحُه اليقين.

في اللَّعب والسِّياسة: منْ يَربحُ فعْلًا؟

ليست “الكارطا” بعيدةً عن السّياسة كما قد يظنّ المرء، فكلتاهُما تقُومان على توزيع الأدوار، وإخفاء النِّيات، وقراءة الوُجوه قبل الأوراق، وكلتاهما تبْنيان مشهدهُما على مزيج دقيق من المهارة والمباغَتة، ومن الحِساب والوَهْم. فما طاولة اللعب إلا صورة مصغّرة عن المجال العام: تحالفات تتبدّل، رهانات تُعقد في الصّمت، أوراق يتمّ إخفاؤها إلى حين، وأخرى لا تُستعمل لقيمتها في ذاتها، وإنما لوقْعها في اللّحظة الحَاسمة.

لذلك لا تبدو “الكَارطا” مجرد تسلية عابرة، بقدر ما هيَ استعارة عن عالم تتمّ فيه صناعةُ السلطة من أوراق صغيرة وأوهَام كبيرة، ويغْدو الانتصار فيه ثمرةَ حُسن التَّوقيت بقدر ما هو نتيجة القوة، إذ لا تربح دائمًا أقوى الأوراق، وإنما تلك التي تعرف متى تظهَر، ولا ينتصر دائمًا أمْهَرُ اللاَّعبين، وإنما من يقرأ تحوّل اللَّحظة قبل غيره.

وفي السياسة لا يختلف الأمر كثيرًا عن “الكَارطا”؛ غير أنّ الفرق الوحيد هو أنّ بعض اللاعبين هناك يبدؤُون الجولة وهم يخفون الأوراق في الأكْمام، ثم يقنعون الجُمهور بعد ذلك أنّ ما وقع كان انتصارًا للديمقراطية؛ يرفعون شعاراتٍ برّاقة كما تُرفع الأوراق على الطاولة، ويتبادلون الأدوار في مسرحية معلومة النهاية، ثم يطلبون من الناس، بكل جدّية، أن يصفّقوا لنزاهَة اللُّعبة.

فإذا خسروا قالوا إنّ الحظّ خانَهم، وإذا ربحُوا تحدّثوا طويلًا عن الحِكمة والحنكة وبُعْد النّظر، كأنّ الأقدار لا تُصنع أحيانًا في الكواليس، وإنما تنزل بريئَة من السَّماء.

كلُّ هذا التَّفكير من أجْل ورَقةٍ

فإذا كانت “الكَارطا” تختصرُ العالم في رموز وألوانٍ ووُجوه، فأيّ شيء تكشفُه فينا حين نحدِّق فيها طويلاً؟ أتكشفُ حبّنا القديم للسّيطرة، أم خوفنا الأقدم من المجهول؟ أليست السياسةُ لعبةَ “كَارطا” فاخرة، لا يجلس فيها أحدٌ إلى الطاولة إلاَّ بعد أن يكون قد رتَّب الأوراق تحْتها؟ وإذا كان لاعبُ الورق يخسر جولةً فيعضّ على شفتيه، فلماذا يخسر السياسيُّ بلدًا كاملًا ثم يبتسم للناس كأنّه أنجز نصرًا تاريخيًّا؟ ثم أليس أظرف ما في هذه اللُّعبة أنّ مَنْ خلط الأوراق، وأخفى القَواعد، ووزّع الأدْوار، يخرج آخر الأمر ليُلقيَ على الحَظّ وحْدَهُ مسؤولية المَآلِ؟

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.