إنّه من صلب علم الفلسفة السير قدماً على سلَّم المقامات الروحيّة، أبعد ممّا توفّره بقيّة العلوم، إذ يتعلّق الأمر بعملية تخطٍّ متجدّدة، لا ترضى بالاضمحلال، ولا تعيش في القوقعة، ولا ترضى بالتشرنق داخل المسلّمات التّى تحد علم المنطق، وتكبت الطموح إلى الارتقاء، وتسجن حرّيّة التفكير. من هذا الواقع الواضح جاءت دراسة ناتالي الخوري غريب “المقامات الصوفيّة في شعر ربيعة إبي فاضل” الفلسفيّة، مبنيّة على الحفر في الجذور، في عمق البنى الخفيّة للقصائد. ولم تنكر انحيازها إلى الذاتيّة العاشقة للألوهة عند إبي فاضل. 

التوبة أعطية من الله لمن عصى، فكانت مستدرك الإيمان في شعر أبي فاضل. وها أنّ غريب كشفت في قصائد الشاعر رجاء الله إلى عباده في خشية ونهىَ، وكان هذا الرجاء مستتراً لكنّ الشاعر أدركه بخشوع. وقد أوضحت الباحثة من خلال دراستها لعدّة نماذج من قصائده، أنّ مقام التوبة عنده وقاية من نار السعير، والدخول في باب الفرح، بعد استيقان الدافع إلى المجهول، طمعاً بإدراك الممكن من الراحة النفسيّة الأبديّة: “فيطلب الشاعر ثمار التوبة التي تحوّل الألم فرحاً، عطراً يفيض جمالاً على الذات والآخر، إذ يؤمن بفعل القدرة المحوّلة للتوبة، كالسّحر في تحويل الألم وهو البعد من الله بالغبطة عبر الاقتراب منه.” (صفحة 43).

مَن ركب الزهد، اهتدى إلى مضمارٍ يقود إلى الخلاص. فلم تتعذّر ناتالي غريب على اللغة ولم تعتذر عن البوح، حين داناها الوجد بالمجاز في شعر أبي فاضل. فقد ركّزت على قصائده توقاً ككوكب يسبح في مداره، وبلغت المبتغى، بسبب قوة الجاذبيّة في مقام الزهد بعد أن استراح حزن الشاعر، واكتمل لون الزهر في نيسان. فبمقطع من أحد كتبه:”ما عدت أحفل بسياج الطين، أو بزهر نيسان، أو بآنية التّراب على نوافذ الجباه والبيوت، ما عدت أحفل بالحضور أو الغياب…” كتبت الباحثة: “تفتح هذه الأبيات على فضاءين من الماضي والحاضر… ففي مرحلة الما قبل، كان الشاعر يحفل بكلّ ما هو طيني ترابي، بحدوده وشروطه، بكلّ ما هو جميل يظهر مجد الإنسان على جبينه من أعمال، وحتّى كلمة (بيوت)، تظهر مجداً أرضياً، وحين ترقّى في مقامه الزهدي، بات لا يحفل بهذه الأمور، حتّى أنّه زهد عن نفسه، في الحضور و الغياب.” (صفحة 57)

ابتهلت غريب مع الشاعر، حين وصفت صلاته المتدلاة في رضاب مقام الذّكر. وكان وصفها كهمهماته في بوح الصفاء. فقد انساح الجمال من تعليلها لمقطع من إحدى قصائده: “قدّوس أنت يا مانح المواهب، في ألحان موزار وباخ وبيتهوفن وفاردي، نسيجٌ من لحنك، وفي أسرار الألوان والحجارة ، بين يدي ميكالنج ودي فينشي، الكثير من همساتك ونسماتك، … وفي عقول العلماء أنت تسكن، وفي خيال الفنّانين أنت تقيم…” فكتبت بهذا الذّكر الجميل في الصفحة 95: “نراه في استخدام كلمة مبارك وسجود وقدّوس، جعل الأرض والشمس تبارك الله وتسبّح عظيم مجده، كالقلب الغارق في صفوة شهوده، في كلّ جمال يراه، في الفن، لوحات وموسيقى ونحتاً، أنجزها عظماء الجمال في التاريخ، كالذين ذكرهم في القصيدة.”

 لم يكتب ربيعة إبي فاضل في أودية سحيقة من العدميّة والخواء، وبرزت في قصائده غواية الإيمان، وهي تأكل رغبة الشهوة المدفونة في أعماق الروح. لذلك سبرت ناتالي غريب غور السحر في شعره، كاشفة المقامات الصوفيّة العديدة، وهتفت باسم الحروف رافعة معه شعار الحبّ، في مشهدية ولههما المتبادل بالله.