في رواية “أصل الأنواع” (منشورات حياة، 2026) للكاتب والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف، والواصلة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يجد القارئ نفسه أمام عمل لا يذهب إلى مساءلة فكرة “الأصل” ذاتها، باعتبارها فكرة لم تعد قابلة للثبات في عالم تتكاثر فيه التحولات إلى حدّ يهدّد بإلغاء أي مرجعية مستقرة، بحيث يغدو السؤال عن البداية متشابكاً مع سؤال النهاية، كأنّهما ينتميان إلى لحظة واحدة ممتدة لا تنفصل.
تختار الرواية البدء من شكل يبدو للوهلة الأولى طقسياً، إذ تستعير بنية زمنية تتجاور فيها تسميات مثل “أحد الزعف”، و”اثنين البصخة”، و”ثلاثاء البصخة”، وهي تسميات تحيل إلى تقويم ديني معروف، غير أنّ حضورها هنا لا يؤدي وظيفة استعادة المعنى الروحي بقدر ما يعيد توظيفه داخل سياق سردي يجعل من “البصخة” (اسم آرامي يعني: العبور) جوهراً للحكاية؛ إذ تصبح هذه الأيام علامات على انتقال الشخصيات من حالة إلى أُخرى، ومن هيئة إلى أُخرى، ومن إدراك إلى إدراك، في حركة مستمرة لا تستقر عند نقطة نهائية.
مشهد كافكاوي يغيب فيه الذنب ويحضرُ العقاب الجسدي
ومع تقدم الفصول، يُلاحَظ أن ترتيب المشاهد وفق الأبجدية يمنح النص انطباعاً بوجود نظام يحاول الإمساك بهذا العالم المتحوّل، كأنّ اللغة تسعى إلى تثبيت ما ينفلت، غير أنّ هذا الترتيب لا يصمد طويلاً، إذ يتخلى السرد عنه في “خميس العهد” لصالح ترقيم عددي يشي بانهيار قدرة الكلمات على تسمية الأشياء، وبأنّ اللغة نفسها بدأت تفقد تماسها مع الواقع، لتتحول إلى إشارات مختزلة توازي حالة الشخصيات التي تفقد أجزاء من أجسادها وتكتفي بما يتبقى منها.
الأبجدية المفقودة
في هذا الانتقال من الحروف إلى الأرقام، يمكن قراءة مسار موازٍ لتحولات الجسد، إذ لا يقتصر الفقد على الأعضاء المادية، وإنما يمتد إلى المفردات التي كانت تمنح التجربة الإنسانية معناها، فيغدو اختفاء كلمات مثل الحب والخوف والأمل جزءاً من عملية أوسع يُجرَّد فيها الإنسان من أدوات الفهم والتعبير لديه، وهو ما ينعكس على السرد ذاته الذي يتخلى عن الفواصل والبدايات الواضحة للفقرات، ليصبح نصاً متصلاً لا يعرف حدوداً فاصلة بين مقاطعه.
هذا التماهي بين الشكل والمضمون يصل إلى ذروته في الفصول التي يتسارع فيها الترقيم، من العشرة إلى الخمسين ثم إلى المئة وما بعدها، إذ يبدو الزمن كأنه ينزلق بسرعة لا يمكن السيطرة عليها، في حين يتكرر حدثُ الموت بأشكال مختلفة، إذ يُشنق رام في موضع، ثم يظهر مصلوباً في موضع آخر، في ازدواجية تفتح الباب أمام تأويل يرى الموت تجربة قابلة لإعادة الإنتاج، أو مشهداً يُعاد تمثيله داخل سياق متحوّل لا يعترف بالنهايات الحاسمة.
ليس بعيداً عن كافكا
تغادر رواية أحمد عبد اللطيف حيّز الحكاية لترسو في فضاء الأنطولوجيا، إذ لا يعود الصراع بين القديم والجديد مجرد نزاع معماري، بل يستحيل إلى عملية إعادة صياغة بيولوجية للكائن الإنساني. في هذا المختبر السردي، يتشظى مفهوم “الأصل” ليفسح المجال لسيادة المسخ بوصفه التجلي النهائي للحداثة القسرية. هنا، يبدو رام وريثاً شرعياً لـ”غريغور سامسا”، لكن بتبديلٍ جذري في وجهة الانمساخ، فبينما استحال سامسا إلى حشرة كفعل احتجاج لا واعٍ ضد تسليع الإنسان، ينمسخ رام إلى كائن أملس كفعلِ امتثالٍ تام لمنطق الماكينة التي ترفض النتوءات.
ويُمثل رام في المتخيل الروائي تجسيداً للمهندس بوصفه أداةً للسلطة في إعادة رسم جغرافيا الذاكرة. إن تكليفه بتطوير المدينة عبر هدم المقابر فعلٌ عمراني في ظاهره، لكنه محوٌ منظم للذاكرة الجمعية. يعيش رام حالة فصام، فهو يتبنى أيديولوجيا التطور التي ترى في الجسد (بشعره، وأصابعه، ورغباته) بقايا رثة يجب تهذيبها تقنياً، بينما يسقط في رهاب ميتافيزيقي أمام أشباح الموتى التي ترفض الرحيل.
هذا التناقض يتبدّى في صراع بين عقله الذي يخطط للمدينة ككتلة صماء، وبين الذاكرة العاطفية المرتبطة بقبر نيفين. إن تحول جسد رام ليصبح أملساً؛ هو القمع النظري وقد استحال إلى واقع بيولوجي. إنه عقاب الذات لذاتها حين تشرع في محو أثر الآخرين. فيغدو الجسد هنا مساحة تُمارس عليها السلطة مشروعها التحديثي؛ فيتحول من ذاتٍ شاعرة إلى مادةٍ سائلة تفقد قالبها القديم من دون أن تستقر في جديد. إنّ مسخ عبد اللطيف يُعد هبوطاً شاقاً في عالمٍ يفرض تنميطاً جديداً عبر البتر بما يمثله من قطع أواصر الهوية والانتماء، إذ تفقد الشخصيات أجزاءها لتلائم مقاسات واقعٍ جديد، في مشهدٍ كافكاوي يغيب فيه الذنب ويحضرُ العقاب الجسدي كقدرٍ تقني لا مفر منه.
ضريبةُ الاندماج في قالب المدينة
لا يتحرك الانمساخ في الرواية بوصفه حدثاً فانتازياً معزولاً، إذ يتشكل نسق كلّي يطاول الهامش الاجتماعي. في شخصية بتشان، نلمس تحول اللص إلى مُخبر ضمن مقايضة الولاء مقابل الحماية. هذا الانتقال الطبقي يقابله بترٌ عضوي، فالسلطة التي تمنحه الحماية هي ذاتها التي تلتهم أصابعه وحيوية شعوره بالسعادة البيولوجية. إن بتر الأعضاء هنا ضريبة الاندماج في النظام الجديد؛ فالإنسان لكي يكون نافعاً داخل الماكينة السلطوية، عليه أن يتخلّى عن أجزاء تعتبرها السلطة رفاهية فائضة.
أما يحيى الحافي، فيقدم استجابة مغايرة عبر تحويل الفقد إلى حافز يحثه على التعويض بعد أن أورثته أمه شعوراً بأن الحياة مدينة لهما باعتذار. يمثل تحويله لعملية البتر إلى استثمار تجاري (الأطراف الصناعية) الذروة السريالية للتكيف مع الهزيمة. إنه تسليعُ العجز، بحيث يصبح العطب الجسدي محركاً اقتصادياً. هنا، يفكك عبد اللطيف أسطورة التجاوز، ليؤكد أن التكيّف ليس إلّا شكلاً من أشكال الاستسلام، إذ يعيش الكائن بأجزاء مستعارة في عالمٍ لم يعد يعترف بالاكتمال.
هل نحتاج إلى فاتن في دور المؤرخ الوجداني وسط هذا الخراب؟ قد تكون الوحيدة التي تحاول ممارسة الاستعادة عبر رغبة في التدوين ومقاومة المحو، رغم أن وعيها يرصد المشهد دون يقين، ويدرك أن الحكاية هي الأصل الوحيد الذي يتشعب إلى فروع ممسوخة.
* ناقدة ومترجمة مصرية
