ما يجعل أدباً ما أدبَ أقليّة، شروطٌ ترتبط بالفنّ نفسه. وفي العربية، يمكن الإفادة من تجربة الشاعر اللبناني أنسي الحاج، بوصفها مِن التجارب التي منحت “الأقلية” معنىً جمالياً، وفي مقدّمته لكتاب “لن”، يحدد هذه الأقلية بالتالي: “هناك إنسان عربي غالب يرفض النهضة والتحرّر النفسيّ والفكريّ، وإنسان عربيّ أقليّة يجد نفسه بين محيطه غريباً، مقاتلاً، ضحية الإرهاب وسيطرة الجهل وغوغائية النخبة”. ثم يشرح في المقدمة المكتوبة عام 1960، انتماء قصيدة النثر إلى هذه الأقليّة.
وجوهر طرح أنسي يلتقي مع أدبياتٍ تنظر إلى الأدب الأقليّ بوصفه كتابةً تنشأ من موقع غير مهيمن داخل اللغة والثقافة. فأدب الأقليّة هو الأدب الذي يُكتَب من موقع خاص، ويحمل تصوّراً مغايراً للعالم. وقد تكون “جماعة شعر” التي تأسّست في بيروت عام 1957، تعبيراً حداثياً عن أدب الأقليّة، وضمّت يوسف الخال، وأدونيس، وشوقي أبي شقرا وآخرين. وفي الفنون، يمكن التمثيل لهذا المفهوم بـ”جماعة السريالية” في القاهرة، التي تأسّست عام 1938، ومن مؤسسيها: جورج حنين، ورمسيس يونان، وكامل التلمساني.
كما يرتبط أدب الأقليّة بالسياسة في طرحٍ يتبنّاه -ضمن شروطٍ أوسع- كلٌّ من جيل دولوز وفيلكس غواتاري في كتابهما “كافكا: من أجل أدب أقليّ” (دار سطور، 2018)، إذ يصوّران الأدب الأقليّ بوصفه أدباً يربط ما هو فرديّ بما هو سياسيّ، لتصبح حكاية الفرد تعبيراً عن موقعه داخل علاقات السياسة.
في سورية، مسرح سعد الله ونوس أدبُ أقليّة، لأنَّه كتب مسرحاً سياسياً يناقض المسرح السياسي الذي كان سائداً. واكتسبت تجربته في المسرح السياسي “أقليّتها” من داخل هذا المسرح مع تبنّيه مقولة “تسييس المسرح”، أي استخدام الفنّ لتحريض الوعي ضدّ السياسة الرسمية. وربما تكون أقصى صور هذا التحريض في نهاية مسرحيته “الاغتصاب”، التي يرى فيها السجون العربية، امتداداً للصهيونية.
الأدب الأقليّ ينشأ من موقع غير مهيمن داخل اللغة والثقافة
لكن في سورية الجديدة، يأخذ هذا الطرح الفنيّ مقارباتٍ مشوّهة، تتعدَّى عليه، وهذا التشويه ِنتاجُ ما دعاه أنسي غوغائية “النخبة”، إذ جرى الخلط بين “الأدب الأقليّ” بوصفه مفهوماً فنياً، و”أدب الأقليات” في إشارة إلى هويّات كُتّابه، وقد ظهر الأخير في سياق التردّي الذي تفتّتت معه الهويّة الوطنية بعد عقودِ القمع، أو وُضعت تحت المجهر، وهو سياق طويل من التشويه يمكن وصفه -استلهاماً من مقدمة أنسي الحاج- بـ”زمن السرطان”.
هكذا، قُرئ كتّابٌ سوريّون في سياق نفي انتماءاتهم الدينية، بهدف نفي الطائفية عن أعمالهم. وهذا طرحٌ يقصر مسألةً شديدة التركيب على بُعدٍ واحد، ويغفل أن الانتماء الديني هو أحد الشروط الثقافية البعيدة لشخصية الفرد/ الكاتب. وليس هناك حاجة لنفي هذا الانتماء، كما لا حاجة لتأكيده في نوعٍ من التعميم الخطابي، وعبر إقحامٍ هويّاتي في مسألة لا تحدث في طبقة واحدة من “النَّص”. انتماء الكاتب هو مستوى من مستويات عدّة، ولا ينبغي أن يتحول إلى أساس للقراءة في أيّ حال، لأنَّ الأدب أساساً صنعةُ الأفراد.
