قدر كبير من الإتقان والاتساق والتأثير والإقناع (الملف الصحافي)
في “كوكوهو ـ سيد الكابوكي” (2025)، أمعن الياباني سانغ إيل لي، بجرأة غير مسبوقة، أقلّه في التاريخ المعروف للسينما الآسيوية الفنية، في رصد أدق تفاصيل مسرح الكابوكي الياباني العريق، فأكسبه نظرة سينمائية خالصة، قليلاً ما تُشاهد بهذا العمق. ورغم روعة تفاصيل مشاهد عدّة، ربما لن يروق الفيلم لكثيرين، لقلّة الدراية والخبرة بهذا الفن شديد الخصوصية، والمُغرق في محليته. إضافة إلى الطموح الجامح للمخرج في سرد أحداث تمتدّ خمسة عقود، بإيقاع بطيء، ورصد دقيق للمشاعر، وإمعان في رصد التكلف الأدائي، المطلوب أصلا في هذا المسرح، والخروج بمزيج فني صادق وناجح، يوازن بين طبيعة الوسيطين وخصوصيتهما، ومتطلباتهما وجمالياتهما.
رغم ساعاته الثلاث، امتلك الفيلم قدراً كبيراً من الإتقان والاتساق والتأثير والإقناع، والأهم تقديمه جرعة ثقافية وفنية مشوّقة، غير مسبوقة بطبيعتها وتحفيزها على استكشاف جذور هذا الفن العريق، المُعبّر بصدق عن الهوية الثقافية اليابانية، بعيداً عن السائد من أفلام الأنيمي، وإنتاجات الحركة السريعة والمعارك الدموية والعصابات والمافيات، الياكوزا الشهيرة تحديداً.
التسلسلات الافتتاحية الرائعة في بدايته، عن قتال دموي عنيف ومفاجئ بين جماعتين من الياكوزا، مُثيرة للانتباه. بعدها، يخلف إيل لي التوقّعات، ويبتعد عن الياكوزا والاقتتال والدماء، ليروي ملحمة درامية عن حياة كيكو (ريو يوشيزاوا)، الناجي من المذبحة بعد مقتل أسرته، وتبنّيه من هاناي (كين واتانابي)، ممثل الكابوكي الشهير، بعد اكتشاف موهبته الخارقة في حفلة العائلة. يبدأ كيكو رحلته، مُحاولاً التغلب على تحديات الانتماء الإجرامي السابق، والخلفية الاجتماعية المُدانة، ليُصبح في النهاية، بعد معاناة مُهلكة، أمهر من أتقن أدوار الأوناغاتا، أي الممثل الذكر المؤدّي أدوار النساء، ثم يُمنح لقب الكنز الوطني الحي (كوكوهو)، أعلى تكريم للفنانين في اليابان.
بلوغ تلك المرتبة الرفيعة ليس مجرد تكريم، بل سجن ذهني واجتماعي، يربط الفنان بجماعة تقليدية لا ترحم، خاصة أن كيكو لا يتحدّر من سلالة عريقة في الكابوكي، وهذا خرق سافر للتقاليد. لكن الفيلم لا يتوقف عند كيفية تحول الفن من أداء ومتعة إلى عبء ثقافي ونفوذ اجتماعي، ليعرج على أكثر من محطة جانبية متعلقة بالموضوع نفسه، إذ يُعاين صراع الموهبة الحقيقية مع التوريث. يتجلى هذا مع نضوج كيكو وتبلور موهبته، وكيف صار منافساً وصديقاً ورفيقاً ونظيراً لشونسوكي (ريوساي يوكوهاما)، ابن الفنان هاناي، الراغب في وراثة مهنة والده. تعكس علاقتهما التوتر الإنساني، المتأرجح بين المحبة والطموح، والغيرة والمنافسة، وليس فقط الصراع على الأدوار والشهرة والمجد. كذلك، احتقان المشاعر المتداخلة والمكبوتة بين الإعجاب والاحترام والأنانية والتفوّق الفردي، وإقصاء الآخر أو الشفقة عليه. خاصة أن شونسوكي يرث داء السكري الذي أودى بحياة والده، ويفقد قدمه، ما يُدخِل الصراع إلى منعطفات درامية أكثر.
إلى ذلك، تبرز علاقة الأستاذ بالتلميذ، أو المدرّب أو المعلم، لتحتل جزءاً كبيراً ومحورياً في الدراما. ما يستدعي تيمة تكرّرت في أفلام مماثلة، كـ”ويبلاش” (2014) لداميان شازل، أي رحلة السعي الفني المُهلك، وصراع الفنان مع معلمه ونفسه وموهبته وفنه. يتعمّق الفيلم في رصد الثمن المدفوع من ساعات تدريب شاقة، وفَقْد علاقات سوية، أبوية وإنسانية واجتماعية. هذه التضحيات ليست مجرد عناء جسدي ونفسي، بل تجلّ لصراعات طويلة مع الذات والهوية، مقابل التزام التقاليد، وبلوغ المجد.
يجمع “كوكوهو”، المأخوذ من رواية “الشرير” لشوئيتشي يوشيدا، بين السينما الكلاسيكية والدراما الإنسانية العميقة، والأدب والسينما المسرحيين، المستَمدّين من التاريخ العريق للمسرح، الدراما الإغريقية الكلاسيكية، من دون الإخلال بتقديم فيلم عصري مشوّق ومؤثّر، يُقدّم فناً وفكراً، وتجربة تحاول الموازنة بين مختلف العناصر. ورغم خصوصيته وكلاسيكيته وإيقاعه، حقّق نجاحاً نقدياً أوروبياً مُبهراً، ومُذهلاً في شباك التذاكر الياباني، متجاوزاً أرقاماً قياسية صمدت عقوداً، فأصبح أعلى فيلم ياباني معاصر في الإيرادات، إذ بلغ عدد مشاهديه نحو 12 مليون مشاهد في اليابان. المثير للانتباه أن هناك لقطات عدّة ترصد تدفقاً غير مسبوق للجمهور على عروض مسرح الكابوكي، لمشاهدة البطلين، كأنّها “نبوءة” بما سيحقّقه الفيلم.
هذا التفاعل مع فيلم طويل وبطيء ومحلي لم يكن ليحقّقه إيل لي لولا التصوير الخلّاب لسفيان الفاني، الذي بدا كأنه مخرج متخصص في نقل مسرحيات الكابوكي بأدق تفاصيلها. إذ عكست موضعته للكاميرا ـ في أقصى نقطة في سقف المسرح، أو عند أقرب نقطة لأطراف أقدام الممثلين، في لقطات شديدة البعد والقرب ـ مدى خصوصية هذا المسرح وجماله وتعقيده. كما تجلى رصده الساحر بالتقاطه أدق التفاصيل خلف المسرح أو على خشبته، وتفاصيل استعدادات الممثلين قبيل افتتاح الستارة. ورصد للدقة المبالغ بها في وضع الماكياج، بدءاً من اللون الأبيض التأسيسي، فالألوان العاكسة للطبيعة النفسية للشخصية، قوة وشجاعة، شرّاً وغموضاً، إلخ. كما تفاصيل الوجه، وتصفيف الشعر، والتناسق البديع للكيمونو، وألوانه المتنوعة، وملاءمتها وتصفيفة الشعر، وغيرها من التفاصيل على الخشبة. بهذا، كان مُعيناً كثيراً في نقل تجربة بصرية فنية، غنية ونادرة سينمائياً.
يُذكر أن الكابوكي ليس مجرد مسرح، بل تجربة شاملة تمزج المسرح بالموسيقى وفنون الأداء والأزياء والمكياج، منذ نشأته أوائل القرن الـ17.
