لوحة “حزن الملك” (1952) هنري ماتيس، من المعرض، بتاريخ 19 مارس/ آذار 2026 (فرانس برس)

يتواصل في متحف “القصر الكبير” في باريس معرض للفنان الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954)، ويحتوي أعمالاً أنجزها هذا الفنان في سنواته الأخيرة، منذ مطلع أربعينيّات القرن العشرين حتى وفاته، وجيء بها من متاحف عدّة في العالم. يضمّ المعرض، الذي افتتح يوم 24 مارس/ آذار، 300 عمل تتوزّع بين لوحات ورسوم وكتب فنّية ومطبوعات، إضافة إلى عشرات القصاصات الورقيّة الملوّنة بالغواش، وبعضها يُعرَض ضمن مجموعات منفصلة للمرّة الأولى، ومنها أعمال تحمل العناوين التالية: “العاريات الزُّرق”، “الباقة”، “أوقيانيا، السماء والبحر” و”الداخل الأحمر الكبير”. ونشهد في هذه الأعمال خلاصة ما وصل إليه ماتيس حين اقترب ممّا يشبه الأرابيسك النهائي: الرسم بالمقصّ الذي بلغ عبره الفنان أعلى درجة من التبسيط، وقوّة الخطّ، واللون الصافي.

تقتضي الإشارة إلى أنّ ماتيس لجأ إلى الرسم بالمقصّ بعد  أن أصيب بالمرض عام 1941، وعندما لم يعد قادراً على الوقوف لوقت طويل، ولا على التحكّم بالفرشاة. لكنّ المقصّ لم يبقَ مجرّد تعويض، بل تحوّل إلى أداة رؤية جديدة. 

يختصر هذا المعرض تجربة ماتيس التي تعدّ واحدة من أبرز تجارب الفنّ الحديث، وأكثرها جرأة. وهذه التجربة لا تنحصر في توجّهات المدارس الفنية الغربية التي سادت حتى نهاية القرن التاسع عشر، بل انفتحت على فنون الشعوب الأخرى، لا سيّما الفنون العربية والإسلامية التي استلهم منها الفنان وفتح من خلالها أفقا جديدا لمسيرته الفنية. التأثُّر في هذا السياق ليس اقتباسا شكليّا، بل استيعاب للمنطق الداخلي لتلك الفنون. 

حين سافر ماتيس إلى طنجة بين 1912 و1913، لم يكن يبحث عن موضوعات جديدة فحسب، بل عن رؤية فنية مختلفة. هناك اكتشف الضوء بوصفه مادّة قائمة بذاتها وعبّر عن ذلك بعبارته الشهيرة: “الضوء في المغرب كشف لي كلّ شيء”. كما انبهر بالزخارف والأقمشة والعمارة الإسلامية. من هنا دخل الشرق في تجربته بما هي حالة حسّية مباشرة، ولم يعد بالنسبة إليه موضوعا أو ديكورا، بل أصبح لغة داخلية وطريقة في التفكير.

من المعرض (صفحة متحف “القصر الكبير” على فيسبوك)

في الفنّ الإسلامي، لا وجود لمنظور غربي تقليدي، بل سطح ممتدّ. هكذا رأى ماتيس كيف يمكن للسطح أن يكون مسطّحا وزاخرا في آن. وكيف تتجاور الأشكال بدون عمق وهمي، مع تحرُّر كامل من تمثيل الواقع. وهذا ما يبرز جليّا في القصاصات المعروضة الآن في العاصمة الفرنسية، والتي بدت كأنها عرس ألوان، وهي محصّلة تجربة عميقة. وما نراه فيها ليس قطيعة مع الماضي، بل صدى بعيد لطنجة، واختزال لنظرته إلى فنون الرقش والتوريق والزليج، وترجمة حديثة لروح الفنّ الإسلامي. وإذا كان ماتيس قد عاد في آخر حياته إلى روح الشرق، فليس ليسافر إليه من جديد، بل ليستحضره في داخله.
 
وقد لخّص الفنّان تجربته في طنجة بعبارة أصبحت مفتاحاً لفهم تحوّله العميق: “في طنجة، وجدتُ المناظر الطبيعية كما هي… كما هي حقا، بدون زخرفة، وبدون تحوير”. هذه الجملة البسيطة في ظاهرها تحمل انقلابا في الرؤية. فهو لم يعد يبحث عن “إعادة تشكيل” العالم، بل عن رؤيته في صفائه الأول، وأدرك أنّ ما كان يسميه الغرب “أرابيسك” هو في الحقيقة نظام آخر، وطريقة تَحَسُّس أخرى للعالم. وهذا ما أدركه في القرن التاسع عشر الشاعر الفرنسي شارل بودلير حين قال: “الرسم الأرابيسكي هو الأكثر روحانيّة” لأنّه “تحرّر من “عبودية الموضوع”. ولا يقصد بودلير بـ”الرسم الأرابيسكي” مجرّد الزخرفة التقليدية، بل يشير إلى أسلوب يبتعد عن النقل الحرفي للواقع، وعن التخلّص من الحكاية والوصف. إنه تعبير فنّي يتجه نحو الروح بدل الاكتفاء بالمحاكاة، لذلك يعتبره “روحانيا”، وهو الأكثر صفاءً من حيث كونه فنّاً خالصاً، لأنه يعبّر عن الاندفاع الداخلي والخيال الشعري، لا عن العالم المرئي فقط، وهذا ما يختصر علاقة ماتيس به.

من المعرض (محمد صلاح الدين عبد الغني السيد/ الأناضول)

ولا بدّ من التوضيح أنّ فن التوريق يعتمد على أشكال نباتية متحوّلة (أوراق، أغصان) تنمو وتتفرّع في إيقاع مستمر، أما الأرابيسك (العربسة) فهو نظام زخرفي شامل يقوم على التكرار والإيقاع، وقد يجمع بين النباتي والهندسي، وهندسته مفتوحة على فضاء لا حدود له. من هذا الفضاء، تعلّم ماتيس كيف يترك الشكل ينمو، لا كيف يرسمه، وهكذا انتهى إلى فنّ يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يحمل سرّ اللانهائي.

ضمن هذا الأفق، تشكّلت تجربة ماتيس الجديدة وأعماله المعروضة هي الدليل على ذلك. فهو لم يتعلّم في المغرب كيف يرسم، بل كيف يرى. وهذا ما سيظهر لاحقاً في لوحاته وقصاصاته الملوّنة. نشير، هنا، إلى أنّ الاحتكاك الأوّل للفنّان مع الشرق كان من خلال معرضين أقيما في أوروبا. الأول كان المعرض العالمي في باريس (عام 1900)، حيث عُرضت نماذج من الفنون الإسلامية، وكان له أثر في تعريف الفنانين الأوروبيين بها. والمعرض الثاني أقيم في مدينة ميونخ عام 1903 وكان أكثر تخصّصا وعمقا، وشكّل محطّة أساسية في انتقال الفنّ الإسلامي من مجرّد “فضول استشراقي” إلى مرجع حقيقي داخل الحداثة الأوروبية. ويمكن القول إنّ هذين المعرضين كانا الصدمة الأولى بالنسبة إلى ماتيس، أما المغرب فكان التجربة الحيّة التي أكّدت تلك الصدمة وذلك الانبهار. 

لحظة نضج في مسيرة ماتيس إذ استحال العجز الجسدي طاقة ابتكار

في كتاب “فصل في الجحيم”، تحدّث رامبو عن الشرق وقال: “ها هو الشرق، والحكمة الأولى والأبدية”. نسمع في هذه العبارة صدى صوت ماتيس نفسه. نداءُ الشرق هذا، دفع عددا من الفنانين الروّاد، إلى الالتفات إلى الجهة الأخرى للمتوسّط، في مرحلة كانت أوروبا تبحث عن مرجعيّات جديدة وعن مخرج من ثقل الأكاديميات الكلاسيكية، وكان ذلك بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وبينما بقي أوجين دولاكروا، إلى حدّ كبير، داخل منطق التمثيل الفني، انتقل فنانون من أمثال ماتيس وبول كلي وكاندنسكي وماندريان من “تمثيل العالم” إلى “كتابة العالم” واجتراح نظام بصري قائم بذاته. 

هكذا انفتح هؤلاء الفنانون على فنون الثقافات الأخرى، ومنها الفنون الإسلاميّة التي نهلوا من فلسفتها الجمالية، وكأنّ الحداثة الفنية، في أحد وجوهها، كانت محاولة غربيّة للاقتراب من حكمة شرقية قديمة… لكن بلغة جديدة. يكشف المعرض عن لحظة نضج استثنائيّة في مسيرة ماتيس الإبداعية، إذ استحال العجز الجسدي إلى طاقة ابتكار، وانفتح الفنّ على أفق إنساني يتجاوز الحدود.