Published On 8/4/20268/4/2026
|
آخر تحديث: 23:33 (توقيت مكة)آخر تحديث: 23:33 (توقيت مكة)
خلال السنوات الأخيرة، تجاوزت الدراما والسينما المصرية عددا من “التابوهات” الاجتماعية، متجهة إلى عالم الجرائم الواقعية التي شغلت الرأي العام. ويأتي فيلم “سفاح التجمع” ضمن هذه الموجة، مستثمرا الاهتمام المتزايد بقصص القتلة المتسلسلين، ومحاولا الاقتراب من النفس البشرية حين تنزلق إلى أقصى درجات العنف، في مجتمع يتأرجح بين الفضول والاستنكار.
لا يكتفي الفيلم برصد الجرائم أو إعادة تقديمها، بل يحاول استلهامها دراميا عبر تفكيك بيئة “التجمع” الهادئة ظاهريا، وما قد تخفيه وراء واجهتها الراقية. ومن خلال هذا التناقض، يطرح العمل تساؤلات حول دور الصورة الاجتماعية في إخفاء الحقيقة، وكيف يتحول القبول المجتمعي أحيانا إلى غطاء يخفي ما هو أبعد.
اقرأ أيضا list of 3 itemsend of listمن المنع إلى العرض.. كواليس المعركة الرقابية
واجه الفيلم منذ الليلة الأولى لعرضه أزمة انتهت بمنعه من المنافسة في موسم عيد الفطر 2026، بعد تحفظات رقابية على جرعة العنف ومدى ملاءمتها لموسم يغلب عليه الطابع العائلي، إلى جانب مشاهد اعتبرت صادمة أو مثيرة للجدل في طرحها ودلالاتها.
لاحقا، وبعد مداولات وتعديلات شملت حذف عدد من المشاهد وإقرار تصنيف عمري (+18)، سمح للفيلم بالعودة للعرض في موسم ما بعد العيد. وجاءت هذه العودة مصحوبة بخطاب من صانعيه يؤكد أن الهدف ليس تمجيد الجريمة، بل التحذير من آليات الاستدراج، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا المسار المتقلب انعكس على استقبال الفيلم، فلم يعد يقاس فقط بمستواه الفني، بل بما أثير حوله من ضجة، مع تصدره محركات البحث والنقاشات على منصات التواصل. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل استطاع الفيلم أن يوازي هذا الجدل فنيا، أم اكتفى بتوظيفه تجاريا؟
تشير المؤشرات الأولى إلى انطلاقة جيدة في شباك التذاكر، إذ حقق نحو 9 ملايين جنيه (نحو 185 ألف دولار) في الأسبوع الأول، قبل أن يتراجع الزخم نسبيا لاحقا، في ظل ظروف عرض غير مستقرة.
فكرة ثرية وفيلم أقل من إمكاناته
ينتمي “سفاح التجمع” إلى فئة الدراما النفسية-الاجتماعية ذات الخلفية الواقعية، ويجمع بين التشويق ومحاولة قراءة المجتمع. العمل من تأليف وإخراج محمد صلاح العزب، في أولى تجاربه السينمائية، وبطولة أحمد الفيشاوي إلى جانب صابرين وانتصار وسينتيا خليفة ومريم الجندي وآية سليم وجاسيكا حسام الدين ونور محمود.
تدور الأحداث حول “شريف” (أحمد الفيشاوي)، قاتل متسلسل يتحرك داخل بيئة راقية، مستغلا تناقضاتها للإيقاع بضحاياه من النساء اللاتي يقعن بين الفقر والتمزق الاجتماعي، قبل أن يمارس عليهن عنفا ينتهي بالقتل.
يحاول الفيلم تقديم الشخصية بوصفها نتاجا لظروف معقدة، فيمر على بعض ملامح الطفولة والمراهقة بحثا عن جذور العقد النفسية وتبرير الدافع إلى القتل. لكن هذا المسار لا يستثمر بما يكفي، إذ تظل الخلفيات النفسية مجرد إشارات سريعة لا تتطور إلى بناء متماسك لشخصية قاتل متسلسل.
سيناريو مفكك وإيقاع يسبق نفسه
رغم ثراء المادة الأصلية، تبدو الكتابة أقل من إمكانات الفكرة. فالحوار يفتقر إلى العمق في معظم الأحيان، والسيناريو يبدو مفككا ومتخما بالثغرات، مع صعوبة في الربط بين الخطوط الدرامية المختلفة، خصوصا أن هذه أول تجربة للعزب في كتابة السيناريو والحوار للسينما.
تبدو القصة أقرب إلى “قصاصات” متجاورة أكثر منها نسيجا دراميا محكما، في ظل إيقاع لاهث يتجاوز حاجته الدرامية، فيفقد بعض اللحظات ثقلها ويعطل تدرج السرد. ولا يمكن الجزم إن كان ذلك ناتجا عن ضعف في الكتابة وحدها، أم عن خيارات المونتاج، أو حذف مشاهد كانت قد تساهم في ترابط الحكاية.
وتزداد المقارنة حضورا مع مسلسل “سفاح الجيزة”، الذي شارك العزب في كتابة قصته والمستوحى هو أيضا من وقائع حقيقية، إذ استفاد المسلسل من مساحة زمنية أوسع وفريق مختلف في كتابة السيناريو والإخراج، وهو ما أتاح بناء أكثر تماسكا ونجاحا جماهيريا واسعا، رغم ما شابه هو الآخر من ملاحظات فنية.
أحمد الفيشاوي يغرد منفردا
على مستوى الإخراج، تبدو تجربة العزب الأولى مترددة بين محاولات خلق توتر بصري مقحَم، واستخدام أدوات تقليدية مثل اللقطات الضيقة والقريبة، من دون توظيف فعّال لهذه الوسائل في خدمة الحالة الدرامية أو الكشف عن الخبايا النفسية للشخصيات.
في كثير من الأحيان بدت هذه الاختيارات زائدة عن الحاجة، وأحيانا مثيرة للنفور أو حتى الضحك، وهو ما أضعف قدرة المشاهد على التماهي مع ما يراه على الشاشة أو التعاطف مع أي من الشخصيات، رغم محاولات واضحة لاستدرار التعاطف والشفقة.
بوستر فيلم “سفاح التجمع” (الجزيرة)
تمثيليا، يقدم أحمد الفيشاوي أداء متباينا، ينجح في لحظات في التعبير عن ازدواجية الشخصية عبر لغة الجسد وتعابير الوجه، والنظرات الهادئة والصرخات المكتومة والانتقال المفاجئ من شخص مسالم ولطيف إلى قاتل، بينما يميل في لحظات أخرى إلى أداء مباشر تقليدي. ومع ذلك، يظل حضوره العنصر الأكثر تماسكا في الفيلم.
في المقابل، بدت الشخصيات الأخرى أقل تأثيرا، سواء بسبب ضعف الكتابة أو ضيق المساحة. وتبرز هنا شخصية صابرين، التي تحمل مفاتيح مهمة في الحكاية، لكنها لم تستثمر دراميا بما يتناسب مع ذلك. كما جاءت تجربة انتصار أقل من المتوقع قياسا بموهبتها وقدرتها على ترك أثر حتى في الأعمال الأضعف.
أما أدوار الضحايا فظهرت في معظمها غير مكتملة، وكأنها موجودة فقط لخدمة الحدث، وهو ما قلل من أثرها العاطفي على المتلقي، رغم محاولة كل من مريم الجندي وآية سليم تقديم ما يمكن ضمن المساحة المتاحة.
الفن كشاهد.. ومحاولة لم تكتمل
في ظل ضعف البناء النفسي وقلة عناصر التشويق المحكمة، لا ينجح “سفاح التجمع” في تحقيق توازن بين الإثارة والعمق، إذ يتأرجح بين الواقعية والمبالغة دون أن يستقر على رؤية واضحة. يترك الفيلم انطباعا سريعا وصادما في بعض اللحظات، لكنه لا يرسخ كتجربة فنية متكاملة.
مع ذلك، يمكن النظر إليه بوصفه جزءا من اتجاه أوسع في السينما المصرية نحو تبني شخصيات أكثر تعقيدا، والاقتراب من مناطق كانت بعيدة عن المعالجة المباشرة، من بينها فكرة “البطل المضاد”، حيث تتراجع الصورة التقليدية للبطل لصالح شخصيات رمادية تحمل تناقضاتها الأخلاقية وتعكس واقعا أكثر التباسا.
