“لقد استشهد أخي حسن في كربلاء. هذه هي الحرب. لقد ذقنا حرارتها وكابدنا ونشأنا في ظلها”

    بواسطة (محمد باقر قاليباف – متحدثا عن أخيه حسن أثناء الحرب الإيرانية العراقية)

    واحد من أبرز الوجوه التي تتصدر الصفوف في النظام الإيراني، ولا سيما في خضم الحرب والهدنة الهشة الراهنة، هو رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لا سيما وأنه الرجل الذي أشار إليه ترمب على أنه شخصية رفيعة في النظام الإيراني وقريب من المرشد، يتفاوض معها كل من ويتكوف وكوشنر لإنهاء الحرب، حسبما نقلت مواقع إخبارية، ناهيك بأهمية موقعه في مجلس الدفاع الأعلى الإيراني بعد اغتيال الأمين العام للمجلس علي شمخاني.

    ثمة وجوه عديدة لقاليباف، فهو أكاديمي متخصص في الجغرافيا السياسية، ويحمل درجة الدكتوراه في هذا التخصص من جامعة طهران. وهو رجل دولة بدأ من سن صغيرة في التدرج داخل الحرس الثوري، حتى وصل إلى قيادة القوات الجوية بالحرس وهو في منتصف الثلاثينيات من عمره، ثم تبوأ أخيرا منصب رئيس البرلمان الإيراني. كما أنه “مقاول” بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فحين تولى الإشراف على الإسناد الاقتصادي لهيئة أركان خاتم الأنبياء بوصفها شركة للإنشاءات، حولتها من شركة محدودة إلى إمبراطورية اقتصادية متشعبة. وهو من وجه آخر أحد أكثر المسؤولين الذين حامت حولهم شبهات الفساد، وإن ظلت القضايا المتعلقة به تتردد في أروقة القضاء دون أن تمسه بضرر حقيقي.

    “ثمة وجوه عديدة لقاليباف. فهو أكاديمي متخصص في الجغرافيا السياسية، وهو مقاتل ورجل دولة مخضرم، وهو في الوقت ذاته مقاول بالمعنى الحرفي للكلمة”

    فحص تلك الوجوه المتعددة لرجل واحد، ومحاولة فهم تكاملها في شخص قاليباف، يمكن أن يجيب عن السؤال حول أهمية الرجل ودوره في المرحلة الحالية، وسبب تقييم الاستخبارات الأمريكية له بأنه الشخص الأنسب لفتح قناة تفاوض أثناء الحرب، بل وسبب استثنائه اللافت من العقوبات الأمريكية والدولية على إيران، بينما طالت تلك العقوبات غيره من أركان النظام.

    اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

    قاليباف المقاتل

    “أنا سعيد لأنني دافعت عن وطني وثورة شعبي، ولأنني قاتلت معتديا مجنونا مثل صدام”

    بواسطة (محمد باقر قاليباف، متحدثا عن مشاركته في الحرب مع العراق)

    ثمة روابط قديمة بين محمد باقر قاليباف وعائلة المرشد الراحل علي خامنئي، إذ كان صديق طفولة لمجتبى خامنئي، وأشارت مصادر إلى أن هناك صلة قرابة بعيدة بينهما عبر والدتيهما. ولم تكن تلك الصلات مجرد صداقة طفولة؛ بل كانت بيئة صنعت الرجل قبل أن تصنعه الحرب، ونسجت شبكة الثقة التي ستحميه لاحقا في أشد اللحظات خطورة.

    كان طبيعيا في ضوء ذلك أن ينضم قاليباف إلى صفوف الحرس الثوري في مراهقته، قبل أن يكمل دراسته الجامعية. حدث ذلك في سن السابعة عشرة، بعد عام واحد من قيام الثورة الإسلامية ولم يلبث قاليباف أن ترقى بسرعة لافتة في المناصب القيادية؛ من قيادته لوحدة الإمام الرضا وعمره واحد وعشرون عاما، إلى قيادة لواء نصر خراسان وعمره ثلاثة وعشرون عاما في عام 1983.

    قاليباف انضم إلى صفوف الحرس الثوري ثم طيار (الجزيرة)

    كان قائد ذلك اللواء من بعده هو إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الشهير لاحقا، ومن هنا انعقدت بين الرجلين صلة مهنية وشخصية ستظل راسخة لعقود. اندمج اللواء نفسه لاحقا في قوات فيلق القدس وصار من وحداته الاستخبارية، ثم انتقل قاليباف إلى قيادة الفرقة 25 كربلاء، وهي فرقة مخصصة للعمليات الخارجية، وكانت من التشكيلات الرئيسية في التدخل الإيراني العسكري في سوريا لاحقا. وفي هذا التسلسل يظهر بجلاء أن قاليباف لم يكن مجرد ضابط في أرض المعركة، بل تشكلت شخصيته وعلاقاته داخل التشكيلات التي ستصنع المشروع الإيراني الإقليمي بأكمله في السنوات التالية.

    تعزو مصادر عديدة تناولت معارك الحرب العراقية الإيرانية أسباب هذا الصعود المبكر إلى براعة قاليباف في اللوجستيات ومعلومات الميدان والتنظيم، واستغلاله الذكي للبيئة الجغرافية، لا سيما في ساحات الحرب الكيماوية وسد الثغرات في المناطق الكردية المشتركة بين إيران والعراق. ورغم أن قاليباف نشأ في مشهد وتربى قرب عائلة المرشد الراحل، فإن والده حسين قاليباف كردي الأصل، مما يجعله أرفع شخصية ذات خلفية كردية في تاريخ النظام الإيراني. وربما في هذه التفصيلة الصغيرة ما يفسر شيئا من فهمه العميق للمناطق الحدودية الكردية التي خاض فيها أولى معاركه الكبرى وأكثرها تأثيرا في مساره.

    أبرز تلك المعارك التي شارك فيها قاليباف كانت معارك تحرير مدينة خرمشهر، التي يعتبرها الإيرانيون معركتهم الكبرى التأسيسية، وأسموا باسمها منظومة صواريخهم الباليستية الأكثر تقدما. وتلت عمليات فجر العمليات في المناطق الكردية المشتركة بين البلدين، وبالتحديد فجر 3 وفجر 4 وفجر 8، التي كانت مهمتها الرئيسية السيطرة على المرتفعات المشرفة على السليمانية في العراق، وتحرير مدينة مهران الإستراتيجية القريبة من الحدود العراقية. وكان قاليباف وقتها نائبا لقائد الفرقة، وشكلت العمليات درسه العملي الأول في الجغرافيا السياسية.

    ثم جاءت سلسلة عمليات “كربلاء” الكبرى، من الأولى حتى الخامسة، وهي العمليات التي قلبت موازين الحرب مع العراق لصالح إيران وانتقلت خلالها المعارك من الأراضي الإيرانية إلى العراقية عبر محاولة احتلال جزيرة أم الرصاص الواقعة في شط العرب، وصولا إلى محاولة الوصول إلى البصرة. كانت تلك المعارك من الأشد ضراوة في الحرب كلها، ووظفت خلالها كل التسليحات المتاحة لدى الطرفين بما فيها الأسلحة الكيماوية، وذهب ضحيتها عشرات الآلاف في أسابيع معدودة. وقد اكتسب قاليباف في تلك الفترة درسه الأهم في تخطيط اللوجستيات وسلاسل الإمداد.

    “في عملية كربلاء 4، التي فشلت فيها محاولة السيطرة على جزيرة أم الرصاص، قتل حسن قاليباف، شقيق باقر، الذي كان يقاتل بجانبه في وحدات الضفادع البشرية”

    وفي أثناء عملية كربلاء 4، التي فشلت فيها محاولة السيطرة على جزيرة أم الرصاص، قُتل حسن قاليباف، شقيق باقر، الذي كان يقاتل بجانبه في وحدات الضفادع البشرية. وهو حدث أثر فيه لبقية حياته على حد وصفه. ولعل في تلك الخسارة الشخصية ما يضاف إلى الخسارة الجماعية لجيل بأكمله أرسل إلى الجبهات في شبابه ورجع منها بجراح لا زالت ماثلة في ذاكرته حتى اليوم.

    في خضم تلك المعارك الدامية تطور أداء ألوية الحرس الثوري تطورا كبيرا: من ميليشيات ذات حماسة ثورية إلى منظومة عسكرية نظامية ذات تكتيكات ابتكارية ما زال الحرس يوظفها ويطورها وينقلها إلى حلفائه، مثل حزب الله والفصائل الفلسطينية والعراقية واليمنية.

    في طريقه داخل الحرس التقى قاليباف مبكرا بقاسم سليماني، قائد فيلق القدس التاريخي، الذي كان يقود حينها لواء “ثأر الله”. وقد نسجت تلك اللقاءات في غمرة الحرب بين الرجلين علاقة صداقة وأخوة قتال استمرت حتى اغتيال سليماني، وإن تصدعت لاحقا بفعل قضية فساد “ياس القابضة” عام 2017.

    تعمقت في تلك المرحلة أيضا صلة قاليباف بمجموعة من قادة الحرس يمكن تسميتهم “أبناء خراسان”؛ شباب نشأوا في مشهد وإقليم خراسان وصعد نجمهم في الحرس الثوري إبان الحرب مع العراق، وكان لواء نصر خراسان نواتهم الأولى وبؤرة تشكلهم. ويأتي في مقدمة هؤلاء اليوم قاليباف نفسه وقاآني، الذين تشكلت هويتهم الفكرية والعقدية بتأثير كبير من علماء مشهد، وفي مقدمتهم المرشد الراحل علي خامنئي الذي كان أبا روحيا لذلك الجيل.

    ميدان - قاسم سليمانيقاسم سليماني (وسط) التقى قاليباف مبكرا ونسجت اللقاءات في غمرة الحرب بين الرجلين علاقة صداقة وأخوة قتال استمرت حتى اغتيال سليماني (الأناضول)قاليباف الأكاديمي

    “تحتل إيران موقعا إستراتيجيا فائق الأهمية في الشرق الأوسط. وتسيطر بشكل كامل على أحد أهم المضائق في العالم، كما أن الجغرافيا منحتها وضعا دفاعيا مناسبا”

    بواسطة (باقر قاليباف)

    في دراسة مهمة شارك قاليباف في تأليفها عام 2008، بعنوان “الجغرافيا السياسية الجديدة للشرق الأوسط والسياسة الخارجية لإيران”، يمكن العثور على مفتاح عقل الرجل الذي وجه تحركاته في كل محطات مسيرته السياسية. لا تخلو الدراسة من إطراء بالغ على موقع إيران وتاريخها وثقافتها، مشيدة بـ: “المستوى العالي من التعليم والثقافة، إلى جانب التاريخ الغني والهوية الوطنية، والتفاعل البناء مع الأمم الأخرى، إلى جانب امتلاك نظام ديمقراطي نابع من إرادة الأمة وامتلاك 13% من موارد الطاقة في العالم، وهي عوامل جعلت إيران تحظى بمكانة محورية في النظريات الجيوسياسية”.

    بيد أن قاليباف مارس في الوقت نفسه نقدا داخليا للسياسة الإيرانية، إذ يرى أن السياسة الخارجية لبلاده اتخذت في بعض فتراتها وضعا غير واقعي و”شعاريا”، ما جعلها عاجزة عن التعرف بشكل موضوعي على إمكاناتها وقيودها الجيوسياسية. ويخلص إلى أن هذا النهج أفضى إلى تكاليف باهظة وإلى إثارة الخوف في الدول المجاورة، مما ألحق بإيران ضررا إستراتيجيا يفوق أي مكسب تكتيكي عابر.

    ويطرح قاليباف بديلا يسميه “نمط التفاعل والتنافس”، يقوم على فهم واقعي للممكنات والقيود الجيوسياسية لإيران، مع إدراك تام لوجود قوى ولاعبين آخرين في المنطقة لا يمكن تجاهلهم. ويميز بوضوح بين السياسة “التنافسية” والسياسة “الصراعية”؛ فالأولى تسعى إلى كسب المصالح ضمن قواعد اللعبة الدولية، بينما تنطوي الثانية على رفض كامل لأهداف الآخرين ومحاولة عرقلة مساعيهم، وهو ما يراه طريقا مسدودا لا تفضي نهايته إلى غلبة، بل إلى نزيف دائم في القوة والموارد والفرص.

    قاليباف تأثر بالمحاضرات

     

    ويستعرض قاليباف 3 أنماط تاريخية في السياسة الخارجية الإيرانية: نمط عدم الانحياز الذي يتوهم أن الحياد يصون المصالح، ونمط التكيف الراضي الذي يجعل السياسة الإيرانية تابعة لسياسة القوى الكبرى، والنمط الصراعي الذي يرى المواجهة حتما لا مفر منه. ويرفض قاليباف الأنماط الثلاثة جميعا ويقترح بديلا رابعا يعبر عنه بـ”الدبلوماسية الدينامية”؛ أي المشاركة النشطة في تشكيل النظام الإقليمي بلا إفراط في الرومانسية الثورية ولا استسلام للتكيف الانهزامي. ومن ثم يطرح قاليباف أفقا آخر للعلاقة بالولايات المتحدة في صراعها مع إيران، بحيث تنتقل طبيعة العلاقة معها من الصراع إلى التنافس وفقا لما وصفه بوضع الربح المشترك.

    “تتمحور أفكار قاليباف الأكاديمية حول خمسة محاور رئيسية تشكل في مجملها رؤية متكاملة لما يجب أن يكون عليه موقع إيران في النظام الإقليمي والدولي”

    وتتمحور أفكار قاليباف الأكاديمية حول 5 محاور رئيسية تشكل في مجملها رؤية متكاملة لما يجب أن يكون عليه موقع إيران في النظام الإقليمي والدولي. أولها محور “الممر الحساس وسيادة الطاقة”، ومفاده أن إيران الممر البري الوحيد الواصل بين بحر قزوين ومضيق هرمز. وبحر قزوين بحر حبيس تتقاسمه دول آسيا الوسطى، وتشير تقديرات عديدة إلى أنه يحتضن احتياطات ضخمة من الغاز والنفط، وأقصر طريق لتصدير هذه الاحتياطيات إلى العالم يمر عبر إيران، مما يعني أنها تتحكم -جزئيا على الأقل- في وعائي الطاقة الأحفورية الأضخم على مستوى العالم: الخليج وبحر قزوين. ليست تلك مجرد حقيقة جغرافية في نظر قاليباف، بل هي ورقة تفاوض إستراتيجية ينبغي توظيفها بذكاء.

    المحور الثاني يرى إيران “قلب العالم متعدد الأقطاب”، فإيران تقع في قلب مثلث القوى الصاعدة، روسيا والصين والهند. وانطلاقا من فهم مآلات هذا الموقع يفسر قاليباف سبب الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وسبب مناورات تلك القوى الثلاث في الملف الإيراني، وسبب أن إيران لا يمكنها أن تكون طرفا سلبيا في هذا الصراع الكوني. وعلى أساس هذا التقدير كانت إيران طيلة الحرب الحالية حقل اختبار لأنظمة الدفاع الجوي الصينية وأنظمة الاستطلاع بالأقمار الاصطناعية الروسية، وفتحت قناة تفاوض عبر باكستان في الوقت ذاته.

    تصميم خاص خريطة إيرانأفكار قاليباف الأكاديمية تتمحور حول 5 محاور رئيسية تشكل في مجملها رؤية متكاملة لما يجب أن يكون عليه موقع إيران في النظام الإقليمي والدولي (الجزيرة)

    أما ثالث المحاور فهو “الاحتواء المزدوج وورقة العراق”. ويرى قاليباف، ويشاركه في ذلك وزير الخارجية الإيراني الراحل أمير عبد اللهيان الذي كانت أطروحته للماجستير حول هذا الموضوع تحديدا، أن الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق استهدف في جوهره تطبيق سياسة “احتواء مزدوج” لإيران من شرقها وغربها، في تشابه مع سياسة احتواء الاتحاد السوفياتي التي صاغها الدبلوماسي الأمريكي جورج كنان في مطلع الحرب الباردة.

    “يرى قاليباف أن طهران ينبغي أن تتعامل مع العراق كوحدة جغرافية وأن تشكل إستراتيجية متكاملة معه، وأن تشرك فيها فاعلين آخرين مثل تركيا ودول الخليج”

    ولمواجهة ذلك ينبغي على إيران أن تتعامل مع العراق كوحدة جغرافية وأن تشكل إستراتيجية متكاملة معه، وأن تشرك فيها فاعلين آخرين مثل تركيا ودول الخليج تتقاطع مصالحهم مع المصالح الإيرانية، مما يعطل أي محاولة لإقامة طوق محكم من الغرب الإيراني. ولهذا أيضا كان العراق الساحة الثانية لمسرح العمليات في لحظة اندلاع الحرب الحالية.

    بعد ذلك يأتي المحور الرابع وهو “الوصول البري وأهمية سوريا ولبنان”. ويكمن التحدي الأكبر لإيران وفق هذا المحور في تحقيق وصول بري مستدام بين الخليج والبحر المتوسط، وهو ما يجعل سوريا ولبنان ملفين حيويين غير قابلين للمساومة في السياسة الإقليمية الإيرانية.

    وقد ازداد هذا الملف إلحاحا بعد سقوط نظام بشار الأسد وخروج سوريا من دائرة التحالف الإيراني، مما يجعل التوصل إلى صيغة تفاهم مع نظام الحكم الجديد في دمشق أحد أبرز أهداف السياسة الخارجية الإيرانية في المستقبل القريب. ولم تكن إيران في سوريا لأسباب عقدية أو طائفية فحسب في نظر قاليباف، بل لأن الجغرافيا فرضت عليها ذلك، وإن لجأت فعليا إلى سياسات طائفية لدعم النظام السوري طيلة 14 عاما.

    “تتشكل جغرافيا إيران من حواضر يحيط بها نطاق واسع من الجبال والمرتفعات، مما يتيح إمكانات دفاعية طبيعية هائلة”

    المحور الأخير هو “التحصينات الطبيعية والعمق الدفاعي”، إذ تتميز جغرافيا إيران بحواضر مدن يحيط بها نطاق واسع من الجبال والمرتفعات، مما يتيح إمكانات ممتازة لمنظومات الدفاع الصاروخي وتحصينات التشكيلات العسكرية، فضلا عن صحاري شاسعة تجعل أي حملة غزو بري مستمرة أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا. وقاليباف الذي خاض حروبا في الجبال الكردية ورأى كيف تحسم التضاريس نتائج المعارك يعرف بعمق هذا الدرس لا يناله الدارس غير المجرب.

    مجمل تأليف قاليباف الأكاديمي يدور حول هذه الفكرة، من أطروحته للماجستير عن تأثير الجغرافيا السياسية على الإدارة المحلية للمحافظات الإيرانية، مرورا برسالة الدكتوراه عن تأثيرها على التوازن بين المركزية واللامركزية في الحكم الإيراني، إلى جانب دراسات منشورة حول تأثير الجغرافيا السياسية على الصراع الأمريكي الإيراني، وصولا إلى كتابه الصادر عام 2023 بعنوان “منطق تحليل الجغرافيا السياسية”. كل ذلك يمثل تراكما فكريا متسقا لا يتبدل مع الرياح السياسية ولا يتلون بحسب المقتضيات.

    ويمكن اعتبار تلك الدراسة الصادرة بنهاية إدارة بوش مفتاحا لفهم كل ما جاء بعدها. وقد مضى عليها الآن قرابة 17 عاما، ولعل قاليباف عبر قناة التفاوض الحالية مع الإدارة الأمريكية يتكلم اليوم وفق الرؤية نفسها، لا تجاوبا مع مجريات الحرب اليومية فحسب، فهو يسعى للتحول من الصراع إلى التنافس، والوصول إلى معادلة وسط تجمع بين الثوابت الإيرانية ومحاولات واشنطن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

    قاليباف المقاول

    “أي شخص رأى خرمشهر بعد الحرب (مع العراق) يعلم حجم الدمار الذي حل بها. لقد كانت إعادة البناء واجبا علينا”

    بواسطة (قاليباف – شارحا أسباب تبوئه قيادة مقر خاتم الأنبياء عام 1994)

    بعد أن أسدل الستار على الحرب الإيرانية العراقية، برز تحديان كبيران أمام إيران: إعادة الإعمار، وتوظيف العائدين من الجبهات. استجابة ذلك، أطلق مؤسس الجمهورية آية الله الخميني ما أسماه “جهاد البناء”، وأسست في إطاره عدة مؤسسات ضمن ما سمي بتكتل البناء، كان من أبرزها شركة خاتم الأنبياء للإنشاءات التابعة لمقر خاتم الأنبياء. وأسندت إدارة تلك الشركة إلى قاليباف عام 1988 وهو لم يتجاوز 27 عاما.

    وفي السنة التالية، حين تولى المرشد الراحل علي خامنئي مقاليد الحكم، أصدر تعديلا دستوريا يقضي بتوظيف القدرات الهندسية للجيش والحرس الثوري معا في مجهود إعادة الإعمار. وبذلك أصبحت خاتم الأنبياء مؤسسة جامعة للقدرات الهندسية لثلاثة تشكيلات عسكرية: الجيش والحرس الثوري والباسيج. وتجدر الإشارة إلى أن مقر خاتم الأنبياء لم يكن في البداية المقر الأعلى للقيادة العسكرية في إيران، بل كان أحد مقرات القيادة المتعددة، ثم تطور تدريجيا ليصبح مقر هيئة الأركان المشتركة بين التشكيلات العسكرية، قبل أن يتحول إلى مقر القيادة العليا للحرب. وهذه الرحلة التدريجية صعودا في الجانب العسكري لم تكن لتتحقق بمعزل عن التوسع الموازي في الجانب الهندسي والاقتصادي الذي وضع قاليباف نواته الأولى على مدار التسعينيات.

    “بعد 10 سنوات من إدارة قاليباف لخاتم الأنبياء، تحولت الشركة من كيان محدود ضمن مؤسسات متشعبة إلى إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف”

    بعد 10 سنوات من إدارته لشركة مقر خاتم الأنبياء، تحولت الشركة من كيان محدود ضمن مؤسسات متشعبة إلى إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف تمثل عصبا رئيسيا لإيران في شتى المجالات، وتضم اليوم ما قد يتجاوز ألف شركة فرعية. ومن يرى حجم ما أنجز على هذا الصعيد في تلك السنوات العشر يدرك أن قاليباف امتلك رؤية للشركة منذ تولى زمام الأمور فيها. ولعل أبرز 3 شركات تكشف طبيعة هذه الإمبراطورية وعمق صلتها بالرؤية الجيوسياسية التي سبق أن رسمها قاليباف هي شركات “هارا” و”صادرا” و”سيباساد”.

    A handout image grab taken from footage broadcast on the of Iran's News Network (IRINN) made available by the Fars news agency on 15 October 2015 shows missile launchers in an underground tunnel at an unknown location in Iran. Media reports that Iran has images of hidden tunnels in medium-range missiles shown for the first time. The Iranian Revolutionary Guards have nationwide hundreds of such bases, said the head of the aviation department, Amir Ali Hajizadeh. EPA/IRNN FROM FARS NEWS AGENCY / HANDOUTمنصات إطلاق صواريخ في نفق تحت الأرض في موقع غير معروف في إيران (وكالة الأنباء الأوروبية)

    تتخصص شركة هارا في حفر الأنفاق، وهي المسؤولة عن أحد أبرز الإنجازات العسكرية الإيرانية وأكثرها أثرا في موازين الصراعات المعاصرة، إذ أنجزت إنشاء “مدن الصواريخ” الإيرانية في أعماق الجبال، ومقرات ومستودعات الأسلحة الإستراتيجية من صواريخ باليستية ومسيرات في أنفاق محصنة، مستفيدة من السلاسل الجبلية الإيرانية التي درس قاليباف قيمتها الدفاعية أكاديميا وعاشها ميدانيا. والأهم من ذلك كله أنها أشرفت على إنشاء تحصينات المواقع النووية الإيرانية التي يدعي الإيرانيون أنها صمدت في وجه القنابل الخارقة للتحصينات خلال حرب يونيو/حزيران 2025، في حين يؤكد الرئيس الأمريكي أن القنابل الأمريكية دمرتها. والحقيقة في هذه النقطة ستظل رهينة الزمن والأرشيف المفرج عنه.

    “تتخصص شركة هارا في حفر الأنفاق، وهي المسؤولة عن إنشاء مدن الصواريخ أحد أبرز الإنجازات العسكرية الإيرانية وأكثرها تأثيرا”

    أما شركة صادرا فهي شركة متخصصة في الإنشاءات البحرية وأنابيب النفط، ولم تنضم رسميا إلى خاتم الأنبياء إلا في فترة رئاسة أحمدي نجاد عام 2006، لكنها كانت تعمل بالتنسيق مع خاتم الأنبياء منذ تأسيسها. وعبر ذلك التعاون ترجمت أطروحات قاليباف حول الجغرافيا السياسية للطاقة إلى واقع ملموس؛ إذ أنيط بها تنفيذ خط أنابيب الغاز الحيوي الذي ينقل إنتاج حقل بارس الجنوبي، ذلك الحقل الذي كان هدفا رئيسيا للقصف الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة. كما أنجزت البنية التحتية في مدينة بندر عباس المطلة على مضيق هرمز، وامتد دورها لاحقا إلى ربط فنزويلا وإيران في منظومة طاقة عبر مقايضة الغاز الإيراني بالنفط الفنزويلي ضمن ما بات يعرف بـ”أسطول الظل” الإيراني، قبل أن توقفه الإدارة الأمريكية الحالية.

    والشركة الثالثة البارزة في شبكة خاتم الأنبياء هي شركة سيباساد، المسؤولة عن إنشاء خطوط المترو والسكك الحديدية في محيط العاصمة طهران، وهي التي أنجزت مترو طهران الذي غدا لاحقا أحد الإنجازات التي استند إليها قاليباف في سياق مختلف تماما، حين تحول من الخدمة العسكرية إلى موقع عمدة العاصمة، مسوقا نفسه على أنه صاحب رؤية عمرانية وليس مجرد جنرال متقاعد، أو “أردوغان إيران” كما سوق لنفسه آنذاك، ملمحا إلى أوجه شبه بينه وبين أردوغان، الذي كان عمدة إسطنبول في التسعينيات وساهم في تطوير المدينة قبل أن يصعد إلى رأس السلطة في تركيا.

     

    وبسبب تلك المرحلة تحديدا، ظهرت مقارنة أخرى بين قاليباف والرئيس الأمريكي ترمب من منصة استخبارية اقتصادية بريطانية قريبة من الدوائر اليمينية الأمريكية والإسرائيلية، تشير إلى أن كليهما بنى إمبراطورية انطلاقا من الخرسانة والحديد والإنشاءات، أي أنه بمثابة مقاول مثل ترمب، مما يجعلهما قادرين على التفاهم والتفاوض مع بعضهما البعض. وثمة وجاهة في تلك المقارنة لأول وهلة، لكنها تفتقر إلى الدقة عند الفحص؛ لأن قاليباف لم يبن لنفسه ثروة شخصية كما فعل ترمب، بل كان ينفذ تصوراته عن الجغرافيا السياسية عبر موقعه الهندسي والاقتصادي. والفارق بين المقاول الطامح للثروة والمقاول الساعي لتجسيد رؤية إستراتيجية فارق جوهري لا يمكن طمسه بالتشابه الظاهري.

    “ثمة وجاهة في المقارنة بين قاليباف وترمب؛ غير أن قاليباف لم يكن يبني لنفسه ثروة شخصية كما فعل ترمب، بل كان ينفذ تصوراته عن الجغرافيا السياسية عبر موقعه الهندسي والاقتصادي”

    ورغم ذلك، لم تخل سيرة قاليباف من شبهات وقضايا الفساد، إذ شهدت تلك الفترة قضايا مثيرة للجدل على رأسها قضية “ياس القابضة”، الشركة التي أسسها صندوق تعاون الحرس الثوري بعد عام 2010، وكان الغرض المعلن منها تمويل نشاطات الحرس في سوريا والعراق إبان الحرب ضد تنظيم الدولة بين عامي 2013-2017، وتوفير ملاذات آمنة للحرس الثوري وتنفيذ أعمال ذات طابع أمني. واكتشفت لاحقا مخالفات مالية جسيمة يدعى أن قاليباف تورط فيها يختص بمناقصات الشركة مع بلدية طهران، وتضمنت اتهامات بالاختلاس وغسيل الأموال وتسعيرات مشبوهة في شراء الأراضي.

    In this picture taken on Dec. 28, 2006, the commander of the Iranian Revolutionary Guard's Quds Force Brig. Gen. Ghassem Soleimani, right, talks with Tehran's mayor Mohammad Bagher Qalibaf, during a ceremony, in Tehran, Iran. (AP Photo/ISNA, Mehdi Ghasemi)قاسم سليماني (يمين) يتحدث مع رئيس بلدية طهران آنذاك محمد باقر قاليباف عام 2006 (أسوشيتد برس)

    وقد أشعل فتيل القضية صحفي إيراني نشر تسجيلا صوتيا مدته 40 دقيقة، دار فيه حديث بين القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري ومدير المؤسسة التعاونية للحرس ذو القدر نيا. ويقول جعفري في التسجيل مخاطبا ذو القدر نيا أن قاسم سليماني كان غاضبا جدا من قاليباف ومستاء منه أيضا، وأنه التقى خامنئي شارحا شكواه وطالبا تدخله الشخصي. وكلف هذا التسجيل جعفري منصبه، إذ أقيل من قيادة الحرس وأحيل إلى رئاسة مركز ثقافي، رغم بقائه في دوائر التأثير. وقيل إن مدير شركة ياس القابضة محمد قائمي كان من أوصل التسجيل إلى الصحفي اعتراضا على حجم الفساد الذي شهده، قبل أن يحتجز لاحقا دون إعلان سبب رسمي.

    أما قاليباف فخرج من القضية دون أن يمس بأذى، وحكم على نائبه عيسى شريفي بالسجن 20 عاما، فيما صفيت الشركة عام 2018. وتكشف آليات الحصانة داخل النظام الإيراني كيف أفلت قاليباف من المساءلة. ففي سياق التسجيل المسرب رد ذو القدر نيا على جعفري قائلا إن حسين طائب، مدير مخابرات الحرس الثوري في ذلك الحين والمقرب من مجتبى خامنئي، كان يدعم قاليباف وانزعج من تأثير القضية عليه. وحسين طائب شخصية محورية في النظام الإيراني، وأقيل لاحقا من مخابرات الحرس بسبب الاختراق الأمني الإسرائيلي، لكنه لم يبعد بل عاد إلى مؤسسة المرشد كبيرا لمستشاري خامنئي. وشقيقه مهدي طائب يعمل حاليا مديرا لمركز عمار الثقافي، وهو من المؤسسات التي كان مجتبى خامنئي يشرف عليها قبل وصوله إلى موقع المرشد.

    “تشير شخصيات معارضة مثل مهدي كروبي، زعيم الحركة الخضراء، إلى أن مجتبى خامنئي دعم قاليباف في كل مرة ترشح فيها للرئاسة الإيرانية، وإن لم تكلل تلك المحاولات بالنجاح”

    وتشير المعارضة الإيرانية بين الحين والآخر، ومن صفوفها شخصيات مثل مهدي كروبي، زعيم الحركة الخضراء، إلى أن مجتبى خامنئي دعم قاليباف في كل مرة ترشح فيها للرئاسة الإيرانية وإن لم تكلل تلك المحاولات بالنجاح. وفي الانتخابات الأخيرة التي أسفرت عن فوز بزشكيان، كان أحد عوامل خسارة الكتلة المحافظة تفتت أصواتها بين سعيد جليلي وقاليباف. وعلى ما يبدو فضل قاليباف الاستمرار في السباق رغم تفاوضه مع جليلي على الانسحاب، مدعوما في إصراره ذلك من مجتبى.

    وتتحدث تقارير غربية عدة، من بينها تقرير نيويورك تايمز نقلا عن مسؤولين إيرانيين لم يسموا، عن أن قاليباف من موقع رئاسته للبرلمان بذل جهدا محوريا لتأمين الأغلبية الكافية في مجلس خبراء القيادة لانتخاب مجتبى خامنئي مرشدا جديدا لإيران، إلى جانب أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري الحالي وحسين طائب وجعفري. وفي المقابل كان علي لاريجاني أمين مجلس الأمن القومي والرئيس بزشكيان يسعيان لترجيح كفة شخصية أخرى كي تخلف علي خامنئي بعد رحيله في مستهل الحرب.

    مجتبى خامنئي (وسط) خلال حضوره تجمعا في طهران في 2 مارس/آذار 2016 (الفرنسية)قاليباف بأعين أمريكية

    “الولايات المتحدة لن تفرض إرادتها في الشرق الأوسط بعد الحرب”

    بواسطة (محمد باقر قاليباف)

    في برقية مسربة عبر ويكيليكس عام 2008، لعلها أول وثيقة استخبارية أمريكية تشير إلى قاليباف باهتمام، ظهرت معلومات عن لقاء ضابط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) “سي آي إيه” بالمعارض الإيراني علي رضا نوري زاده المقيم في لندن ومؤسس النسخة الفارسية من راديو صوت أمريكا. وكان محور اللقاء اختبار عمق المعلومات التي يمتلكها نوري زاده، وكان هذا الأخير يطلب تمويلا لإنشاء ما وصفه بـ”بنك معلومات عن إيران لصالح أمريكا”. وقدم نوري زاده تحليلا مفصلا عن مجتبى خامنئي وفرص توليه مقعد المرشد خلفا لوالده، مستندا إلى مصادر وصفها بأنها من داخل مؤسسة المرشد.

    وضمن هذا التحليل أشار نوري زاده إلى أن مجتبى خامنئي حافظ على علاقة وثيقة جدا مع عمدة طهران آنذاك باقر قاليباف، وأنه كان “العمود الفقري” لحملاته الانتخابية المتكررة مستشارا وداعما ماليا وسياسيا رفيع المستوى. كما أشار التحليل إلى أن مصادر ارتباط وتأثير مجتبى الرئيسية داخل الحرس الثوري في تلك الفترة كانت متمحورة حول محمد باقر ذو القدر، الذي عينه لاحقا أمينا عاما لمجلس الأمن القومي بعد اغتيال علي لاريجاني، وقائد الحرس الثوري محمد علي جعفري. وقيمة تلك المعلومات ليست في ذاتها، بل في أنها ترسم مبكرا صورة رجل تربطه شبكة دعم تمتد إلى قلب النظام، وأن تلك الشبكة مبنية على صلات شخصية وعائلية وأيديولوجية متداخلة لا على ولاءات طارئة.

    وفي برقية تالية عام 2009، في خضم الانتخابات الإيرانية العاصفة التي أعقبتها احتجاجات الحركة الخضراء وهزت النظام الإيراني، نقل المندوب الأمريكي معلومة أشد إثارة بكثير، وهي أن حسين موسويان، العضو السابق في مجلس الأمن القومي الإيراني وفريق التفاوض النووي والمستشار المقرب من رفسنجاني، كان قد اتصل بنوري زاده وزاره في لندن مطلع أبريل/نيسان من تلك السنة، وسأله بشكل مباشر إن كانت الإدارة الأمريكية ستنظر بعين القبول إلى ترشح قاليباف للرئاسة. وأجاب المندوب الأمريكي بالصيغة الدبلوماسية المعتادة: واشنطن لا تتدخل في انتخابات الدول الأخرى.

    “في برقية لويكيليكس عام 2009، تظهر محاولة مسؤول إيراني آنذاك جس نبض الولايات المتحدة حول ترشح قاليباف للرئاسة”

    بيد أن المندوب الأمريكي اتفق مع تحليل نوري زاده في الوقت ذاته على أن انسحاب قاليباف الشكلي من الانتخابات لم يكن يعكس ضعفا، بل كان مناورة محسوبة لاكتساب زخم شعبي في الكتلة المحافظة وإتاحة الفرصة لداعميه من المؤسسة للإعلان عن دعمهم في اللحظة المناسبة. وقد اتهم موسويان نفسه في قضية شهيرة بالتجسس على إيران في الفترة التي تصادم الحرس الثوري فيها مع فريق التفاوض النووي بقيادة روحاني وجواد ظريف، بدعوى تورطه في قنوات خلفية، وصدر بحقه حكم مخفف بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ، وتمت تبرئته من تهمة التجسس لاحقا.

    لم يكن المقصود من تلك الرسالة عبر القناة الخلفية طلب دعم أمريكي لترشح قاليباف بالطبع؛ بل كان الهدف الحقيقي فتح القناة ذاتها، وإيصال رسالة مفادها أنه شخص قادر على التفاهم مع واشنطن، انطلاقا من المعادلة التي كان يصوغها في دراساته الأكاديمية المزامنة لتلك الفترة.

    نسخة من صحيفة إيرانية بعنوان “مستقبل الاتفاق” تحمل صورة عباس عراقجي (يمين) والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف عام 2025 (الأوروبية)

    وثمة وثيقة مسربة ثالثة من ويكيليكس، تالية لتلك البرقيتين، تشير إلى أن قاليباف حاول فتح قناة خلفية مستقلة للتفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني عبر اليابان، وذلك حين كان عمدة لطهران في العام ذاته 2008. والتفصيلة التي لا ينبغي إغفالها هي أن وزير الخارجية الإيراني الحالي عباس عراقجي كان برفقته في تلك الزيارة لطوكيو. فتح الرجلان معا إذن قناة تفاوض سرية مع واشنطن قبل 17 عاما من الحرب الراهنة، ويجلسان معا اليوم على طاولة التفاوض في أخطر لحظات المواجهة مع واشنطن، ولا يبدو أنها مصادفة، بل استثمار طويل الأمد أينع في الوقت المناسب.

    “في عام 2008، حاول قاليباف فتح قناة خلفية مستقلة للتفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني عبر اليابان، صحبة وزير الخارجية الحالي عباس عراقجي”

    تجدر الإشارة إلى أن قاليباف بقي طوال سنوات الحصار والعقوبات من الشخصيات القليلة في رأس السلطة الإيرانية المستثناة فعليا من قوائم العقوبات الأمريكية والدولية، وإن وضع على قوائم الشخصيات المرشحة للعقوبات، وهو أمر بالغ الدلالة، إذ إن كل المؤسسات التي أدارها أو ارتبطت به كانت في طليعة المؤسسات المدرجة على تلك القوائم. ويعلق قاليباف على ذلك قائلا إن استثناءه من العقوبات لن يجعله يختلف عن موقف نظامه ومطالبه الوطنية، لكن التعليق ذاته يكشف أنه يدرك معنى هذا الاستثناء في لغة العلاقات الدولية.

    ويوصف قاليباف في تقييمات الاستخبارات الأمريكية الأحدث، كما تنقلها مصادر متعددة، بأنه ذكي وبراغماتي وقابل للتفاوض، وليس أيديولوجيا صارما، وأنه خيار مفضل على قادة آخرين في نظر واشنطن. وتنقل تلك المصادر أن الإدارة الأمريكية ضغطت على إسرائيل لاستثناء قاليباف وعراقجي من قوائم الاغتيالات، وأن ترمب قال للإسرائيليين: لا تمسوهما.

    US President Donald Trump participates in a swearing-in ceremony for the Assistant to the President, Senior Advisor and Special Envoy Steve Witkoff (R) in the Oval Office of the White House in Washington, DC, on May 6, 2025. (Photo by Jim WATSON / AFP)ترمب أشار إلى قاليباف بوصفه شخصية رفيعة في النظام الإيراني وقريب من المرشد يتفاوض معها كل من ويتكوف وكوشنر لإنهاء الحرب (الفرنسية)

    في المقابل، يرى بعض المحللين الأمريكيين مثل مايكل روبين، أن قاليباف ليس براغماتيا بالمعنى الدقيق، بل انتهازي يرى في التعامل مع “ترمب” خلال الحرب وقيادة مفاوضات ناجحة فرصة لتعزيز أسهمه، والوصول إلى رئاسة ظلت تفلت منه في كل محاولة. ولعله يطمح إلى أن يقال يوما ما إنه الرجل الذي أنهى الحرب لصالح إيران، ليحيي بذلك مسيرة اعترضتها ملفات الفساد ومحاولات الترشح الفاشلة. وهذا التقدير فيه وجاهة من حيث المصلحة الشخصية، لكنه يخطئ حين يختزل الرجل في طموحاته الذاتية ويغفل أنه يحمل منذ 20 عاما تصورات منهجية ومتسقة لتحويل ممكنات الجغرافيا السياسية الإيرانية إلى سياسة خارجية حية وفاعلة.

    في كل محطات حياته المختلفة، من الميدان العسكري إلى إمبراطورية الإنشاءات، إلى مفاوضات الحرب الراهنة، كان قاليباف يسعى إلى إنفاذ تلك الرؤية. والرجل الذي يحفر الأنفاق ليحمي صواريخ بلاده، ويدرس الجغرافيا السياسية ليفهم لماذا يحفرها، ثم يجلس على طاولة التفاوض ليحول تلك الأنفاق مع مضيق هرمز وحقول الغاز، إلى أوراق قوة يمكن المقايضة بها، ليس انتهازيا بحتا يبحث عن فرصة عابرة، بل هو رجل يطبق منهجا بناه عقدا بعد عقد، ورسمه على الورق قبل أن يرسمه على الأرض، وإن لم تخل مسيرته من تمرير مصالحه الشخصية من ثنايا مشروعه السياسي.

    في وقت كتابة هذه السطور، كانت الهدنة الهشة بين أمريكا وإيران دخلت حيز التنفيذ ولا يمكن لأحد التكهن بما ستفضي إليه الغرف المغلقة، رغم أن قاليباف كان من أوائل من انتقدوا “الخروق” الأمريكية والإسرائيلية للهدنة قائلا إنها تجعل التفاوض عبثيا وبلا قيمة. من المبكر أن نفسر هذه التصريحات حاليا أو حتى أن نتكهن بموقف قاليباف خلال المفاوضات، لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الرجل الجالس على الكرسي الإيراني فيها ليس وليد الأزمة، بل هو ابن جغرافيا ومعارك ومشاريع، شخصية وجماعية، وأن ما ينفذه اليوم يصدق ما كتبه منذ 17 عاما، وما عاشه قبل أن يكتبه، مقاتلا ثم أكاديميا ثم مقاولا، وربما رئيسا في وقت ليس ببعيد.