يفاجئ الكاتب والمخرج والممثّل السوري مهند توفيق قطيش الوسط الثقافي السوري بكتابه الجديد “الدجاج السياسي – ثلاث سنوات في سجن صيدنايا” (محترف أوكسجين للنشر2026)”، فهو يروي فيه تفاصيل تجربة أليمة عاشها الفنان خلال فترة اعتقاله، ويقدِّم صورة موجعة لأوجه التشابه بين المسلخ البشري في سجن صيدنايا، وسائر البلاد، وأقبيتها وسراديبها. ولعلها  صورة  او  صور التقطها فنّان معارض غرَّد خارج السرب، فحُوكِم بتهمة “الخيانة”، تحت بند “وهن عزيمة الأمة”، فاعتُقِل لثلاثِ سنوات وستّة وعشرين يوماً من الموت، وعشرين عاماً من الصمت القسري حتى سقوط “حكم الأسد” الذي سخَّر دولة بأكملها كي تنالَ مِن هيبة مواطن!

يبدأ مهند قطيش كتابه بإهداء طويل ومؤلم وحقيقي، يختمه بعبارة يخاطب بها القارئ: “لستُ جاسوساً! كنتُ فقط سوريّاً أراد أن يعيش بكرامة”، ليفتح السؤال واسعاً عن عدد السوريين الذين لم يرتكبوا جرماً سوى أنهم أرادوا العيش بكرامة. هكذا إذاً كسر مهند قطيش صمتاً طويلاً، نافياً شائعة التجسس التي روّجها ضدّه النظام البائد، وبطانته من أصدقاء وأعداء، راوياً عبر أربعة عشر فصلاً حكايته كمعتقل بين الأفرع الأمنية، وسجيناً تعرّض لأبشع أنواع التعذيب والتجويع ومحاولات تشويه السمعة، ناقلاً تجربته وتجربة سجناء سياسيين مثل عبد العزيز الخير والفارس عدنان قصار وآخرين ممن عاشوا المعاناة وقسوة السجن ذاتها.

4c473893-84d1-4718-bbc9-2004546c6f91.jpg

كتاب السجن (دار أوكسيجين)

ويحمل الغلاف كلمة كتبها الصحافي السوري يحيى الأوس تضيء أكثر هذه التجربة القاسية، فهو يقول ان السجين -أيُّ سجينٍ-  يحمل في داخله رغبةً عارمة في الكتابة عن تجربة السجن، ليس لاستجلاب التعاطف، بل رغبةً في نزع الرهبة عن هذا المكان القاسي المسمّى “معتقلاً”، وربما الاقتصاص من الضعف وقلّة الحيلة اللّذين تسيّدا تجربته.

في “الدجاج السياسي” يكتب الفنان مهند قطيش كما لو أنه يقف على خشبة مسرح مظلمة، فهو يحوّل الخوف إلى نثر استثنائي، والعزلة إلى عاطفة خلابة؛ فإذا بالجدران القاسية تمسي متكأً للأفكار، بينما تحمل الأصوات القادمة من الزنازين البعيدة حكاياتها وعوالمها ومصائرها. فما يكتبه مهند هنا ليس سيرة ذاتية لمعتقل أنهكته الشائعات والأقاويل فقط، بل محاولة لاستعادة الوقائع والوجوه في عنابر سجن صيدنايا الرهيب، وفي غرف التعذيب وأقبية الموت.

ليس لـ “الدجاج السياسي” أن ينتهي في ما قصَّهُ مهند رغم تبدّل “القنّ”، لكنه ينجح بلا أدنى شك في حثِّه على الطيران، علَّه يحمل جسده قليلاً في الهواء البارد، فيرى المكان الذي وُلِد فيه من الأعلى، فقد لا يكون محتَّماً موت الدجاج في مكان مولده.

ويختم يحيى الأوس: “شكراً مهند، لأن شهادتك هذه أزاحت بعضاً من العتمة عن سنوات سجننا الطويلة.

images (1).jpg

الممثل السوري مهند قطيش (دار أوكسيجين)

يتناول كتاب “الدجاج السياسي” أيضاً بالأسماء ما تعرّض له الكاتب  من خيانات في الوسط الفني، من أشخاص اعتبرهم أصدقاء حياة وزملاء مهنة، في حين لم تصمد إلا قلة قليلة أمام امتحان النزاهة، معتبراً المواقف المخجلة والجبانة من البعض أقسى من تجربة السجن وأشد وطأة، لأن الأذى طالَ عائلته وأقرباءَه.

يكتب مهند قطيش: “سجونُ “الديك الحاكم” الجديدة لا تُزَجُّ بها لأنَّكَ أخطأتَ، بل لأنَّكَ فكَّرت، تُعتقَلُ كي تعيشَ مدفوناً مع أفكارك التقدُّميّة، تتحوَّل من مواطن حيّ إلى رَقم، ومِن رَقم إلى هيكل عظميّ له عينان تراقبان صياح “الديك” كلّ صباح، والنُّزَلاء مِن مثقّفين وسياسيّين، ارتكبوا معصية الرأي الآخر، فأُدِينوا بسبب النقيق على “ديك ممحون” اغتصب الوطن، وحوّله إلى قنٍّ كبيرٍ، جميع مَن فيه -مِن وجهة نظره- دجاج، فالرأي الأوّل له، وما علينا إلّا التقاط العلف مِن الأرض بصمتٍ، نُدجَّن على قياس عرفه الطويل، لنتحوَّلَ تحت رعاية سجّانيه إلى “الدجاج السياسيّ” منتوف الريش، يعيش تحت سطوة ديك نرجسيّ.”

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضم الكتاب ملحقاً يتضمن صورا لصندوق رسائل وبعض اللوحات والأعمال الفنية الخشبية التي أنجزها مهند قطيش في السجن، وعنها كتب: “إلى جانب القراءة، قرَّرتُ أن أتحوَّل إلى فنٍّ آخر، بعيدٍ عن الصناعات اليدويَّة المعتادة في الورشة، اخترتُ أن أَصنَعَ اللَّوحات الفنِّيَّة بَدَلَ رسمِها…”.

يروي كتاب “الدجاج السياسي، ثلاث سنوات في سجن صيدنايا” يروي عبر 240 صفحة جانباً من البشاعة التي عاشها السوريون داخل السجون، وعلاقة قضيته بعائلته، بأجهزة الأمن، بالوسط الفني، وبالشارع السوري، واضعاً الحقيقة أمام الجميع، بلا مواربة أو مداراة، وكل ذلك بحسٍّ لا يخلو من السخرية، فهو يروي تجربته الأليمة في سجن صيدنايا مثبتاً عجزها عن أن تُجرِّده من أدوات الفنان البهيجة وسرده المضيء، رفقة قدرته على الغناء والسخرية ومقاربة الحاضر وربما المستقبل… وهو في قعر الجحيم.

مهند توفيق قطيش كاتب ومخرج وممثّل سوري. تخرّج في المعهد العالي للفنون المسرحية – دمشق، ودرس السينما في أكاديمية نيويورك للفيلم. قدم العديد من الأعمال في المسرح والسينما والتلفزيون. أخرج فيلمَين هما “في مطعم صغير” (2019)، و”الأحدب” (2020). وفي الدراما التلفزيونية أخرج مسلسل “وطن حاف” (2013)، و”هواجس عابرة” (2017)، وعُرف بأدواره التمثيلية في أفلام سينمائية منها: “صعود المطر” (1995)، و”المتبقي” (1997)، و”روداج” (2007). مثّل في العديد من المسلسلات التلفزيونية، منها: “أخوة التراب” (1994)، “الزير سالم” (1997)، “الطير” (1999)، “أبناء القهر” (2002)، “الخربة” (2011)، وسلسلة “بقعة ضوء”. وألّف للتلفزيون مسلسلَيْن هما: “السفير” و”الخلايا النائمة”.