غيّب الموت الروائية والشاعرة والقاصة السورية كوليت خوري، إحدى الأصوات النسوية المبكرة التي فتحت في الرواية العربية نافذةً صريحة على الحبّ كتجربة إنسانية كاملة، لا كزينة لغوية ولا كفضيحة أخلاقية.

سيرتها تقف عند تقاطعٍ لافت بين بيت السياسة وبيت الأدب: فهي ابنة الوزير سهيل خوري وحفيدة المفكر والسياسي فارس بك الخوري، وعاشت زمناً طويلاً في قلب دمشق الثقافي، وشاركت في الحياة العامة نائبة مستقلة في مجلس الشعب في التسعينيات، ثم ارتبط اسمها لاحقاً بمنصب مستشارة في القصر الجمهوري.

الجرأة وحرية المرأة
كاتبة تركت أثراً مبكراً في تشكل خطاب المرأة داخل السرد العربي؛ إذا أردنا كلمةً واحدة تفتح باب عالمها، فربما كانت: الجرأة. ليست جرأة الصدمة لذاتها، بل جرأة أن تُكتب التجربة النسوية من الداخل، بكامل تناقضاتها، في زمنٍ كان يفضّل أن تبقى المرأة موضوعاً في نص الرجل، لا ذاتاً تروي وتختار.

 

الكاتبة السورية كوليت خوري. (فايسبوك)

الكاتبة السورية كوليت خوري. (فايسبوك)

 

درست خوري الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت ثم تابعت تحصيلها العالي في جامعة القديس يوسف ببيروت، ثم في جامعة دمشق، ونالت الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها. وعند بداياتها في الكتابة والنشر بين لبنان وسوريا، اختارت أن توقّع أعمالها باسم “كوليت سهيل”، وقد حظيت منذ خطواتها الأولى بدعم والدها وجدّها اللذين شجّعا انخراطها في المسارين الأدبي والاجتماعي.

لم تبلغ مكانتها الرفيعة في تاريخ الرواية النسوية العربية من خلال موضوع الحب وحده، بل من مكانها في موجة خمسينيات القرن العشرين التي شهدت بروز أصوات جديدة في الرواية النسوية، كتبت أعمالاً شكّلت محطات في تطور كتابة النساء لعلاقتهن بأنفسهن وبالرجال وبالبيئة السياسية والاجتماعية.

 

كوليت خوري في صباها. (فايسبوك)

كوليت خوري في صباها. (فايسبوك)

 

ولا يمكن الحديث عن الراحلة من دون ذكر رواية “أيام معه” (1959) التي تُعتبر الأشهر بين أعمالها، والتي يُقال إنّها فصل من سيرتها الذاتية وتجربتها العاطفية مع الشاعر الراحل نزار قباني، وقد تعرّضت للهجوم لدى صدورها إذ غرقت شريحة من القرّاء في النميمة بدل قراءة جوهرها الذي يتغنّى بانتصار الحب والحرية والفن، في حادث تكشف كيف يُعاقَب النص النسوي حين يقترب من الجسد والاختيار.

بين الأدب والصحافة
لم تكتفِ خوري بالرواية، بل تنقّلت بين الصحافة والعمل الثقافي، فكتبت المقالة، وقدّمت برامج تلفزيونية، وأسهمت في تشكيل خطاب ثقافي عام، يتجاوز حدود الأدب إلى النقاش المجتمعي الأوسع. وفي مقالاتها، كما في رواياتها، ظلّ السؤال نفسه يتكرّر: كيف يمكن للمرأة أن تكون ذاتاً كاملة في مجتمع يحدّد لها أدوارها سلفاً؟

تميّزت أعمال خوري بلغة بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بقلق داخلي، وتوتر نفسي يعكس صراع الشخصيات مع القيود الاجتماعية. لم تلجأ إلى الزخرفة البلاغية بقدر ما ركّزت على الاعتراف؛ ومهّدت الطريق لأجيال لاحقة من الكاتبات. ومن أبرز مؤلفاتها “ليلة واحدة” (1961)، “ومرّ صيف” (1975)، “أيام مع الأيام” (1978)، وديوان “رعشة” (1960).