نجح الميدان في فرض إيقاعه على المسار السياسي الدبلوماسي، وفعل فعله الضغط الأميركي والتصعيد الإسرائيلي غير المسبوق الذي حدث خلال الأربعاء الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، ووصلت تداعياته إلى محيط مقر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في عين التينة.
وأعلنت الدولة اللبنانية استعدادها للتفاوض بعد تنسيق جرى بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة نواف سلام، إذ جدد عون الموقف علناً خلال جلسة مجلس الوزراء أمس الخميس.
في المقابل، تجاوبت تل أبيب وأعلن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو قبوله بالتفاوض “تحت النار” بجدول أعمال يقتصر على سلاح “حزب الله”.
وفي حين أعلنت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية أن الجولة الأولى من المفاوضات ستعقد في وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء المقبل، أوضح مصدر دبلوماسي في واشنطن أن الموعد النهائي سيحسم في اجتماع تمهيدي عبر الهاتف، يعقد مساء اليوم الجمعة في تمام التاسعة بتوقيت بيروت. يضم هذا الاجتماع سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ومدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية مايك نيدهام.
وكشفت المصادر عينها أن الاجتماع الحضوري الذي سيعقد داخل وزارة الخارجية الأميركية مطلع الأسبوع قد يترأسه وزير الخارجية ماركو روبيو بحضور السفراء الثلاثة حصراً، نافية ما تردد عن احتمال مشاركة السفير السابق سيمون كرم. ومن المقرر أن يكون هذا الاجتماع تحضيرياً بامتياز، يطلق فيه روبيو رسمياً المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، لتنطلق بعده الاجتماعات الجوهرية التي قد تُعقد في قبرص، وإن ظل تمثيل الوفدين فيها غير محدد المعالم أو غير معلن بعد.
في حين رحّبنا بالاتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وكثّفنا جهودنا للتوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، تواصل إسرائيل توسيع اعتداءاتها التي طالت أحياء سكنية مكتظّة، وراح ضحيتها مدنيون عزّل، في مختلف أنحاء لبنان، ولا سيّما في العاصمة بيروت، غير آبهة بكل المساعي…
— Nawaf Salam نواف سلام (@nawafsalam) April 8, 2026
غموض في القصر الجمهوري وسؤال معلق حول شروط التفاوض
على رغم هذه التطورات، لم تصدر عن القصر الجمهوري أي تأكيدات رسمية، وإن كانت دوائره لم تستبعد حصول المفاوضات.
وفي ظل غياب البيان الرسمي، أشار مصدر مقرب من الرئيس عون إلى أن المفاوضات ستكون مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وإلى أن الوفد المفاوض لن يخضع للتوزيع الطائفي. وهو ما يقرأ على نطاق واسع بوصفه مخرجاً لتفادي إحراج تسمية عضو شيعي في الوفد، في ظل صمت رئيس البرلمان نبيه بري، فسر بوصفه قبولاً ضمنياً بالمسار التفاوضي، بيد أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يزال معلقاً، وهو هل سيبقى لبنان على موقفه المشترط بأن يسبق التفاوض وقف لإطلاق النار، على غرار الصيغة المعتمدة في مفاوضات إسلام آباد؟ أم أن العنوان سيعاد تأطيره ليصبح “نذهب إلى المفاوضات من أجل الحصول على وقف إطلاق النار؟”، وهو ما يبدو أكثر انسجاماً مع ما أعلنه نتنياهو من قبوله التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية، مكتفياً بتخفيف حدتها لا بوقفها الكامل. ويبقى هذا التمييز الدقيق بين الموقفين محور التجاذب الأبرز خلال المرحلة المقبلة.
كيف وصل الأمر إلى طاولة المفاوضات؟
كشف مصدر دبلوماسي في واشنطن عن أن تحريك ملف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في هذا التوقيت، بعدما لاقت مبادرة الرئيس عون التي أطلقها منذ بداية الحرب لا مبالاة أميركية ورفضاً إسرائيلياً، فرضته مساعي إيران لضم ملف لبنان إلى طاولة مفاوضات إسلام آباد، وهو ما استند إليه عون ورئيس الحكومة سلام لنقل تخوفهما إلى الجانب الأميركي بأن يُبرم أي اتفاق على حساب لبنان وفي غيابه، وشددا على أن الدولة تعد الجهة الوحيدة التي يمكن أن تفاوض باسم لبنان. وأمام هذا الواقع تحركت الإدارة الأميركية لقطع الطريق على أي محاولة إيرانية لاستعادة الإمساك بالملف اللبناني.
وجاءت الإشارة الأولى من وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أعلن شخصياً تسلمه متابعة مسار التفاوض بين البلدين، مكلفاً السفير عيسى الإشراف على الاجتماعات اللاحقة. ونجحت أميركا في إقناع نتنياهو بالقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، على أساس تهدئة الجبهة اللبنانية مع الإبقاء على “حق إسرائيل في التحرك” في حال نفذ “حزب الله” أي اعتداء. وأكد المصدر أن ما يقوله نتنياهو في الإعلام غير الرسائل التي تبلغتها الإدارة الأميركية. وكشفت مصادر مقربة من القصر الجمهوري في بعبدا أن التعليمات أعطيت للسفيرة اللبنانية لدى واشنطن بأن وقف إطلاق النار يمثل الأولوية القصوى، وأن ثمة حرصاً دبلوماسياً على تثبيت رواية واضحة مفادها أن المطالبة بشمول لبنان في أي اتفاق صدرت من بيروت لا من طهران. أما في الجانب الإجرائي، فاتفق على أن يخصص الاجتماع التحضيري الأول لتحديد جدول أعمال الجولات اللاحقة، وأن يقدم كل طرف ورقة بنقاطه الخاصة. وتفيد المصادر بأن الوفد اللبناني سيسعى إلى إعادة إحياء اتفاق وقف العمليات العدائية الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 والمضي في تنفيذه.
لا شيء مضمون على طاولة المفاوضات
غير أن التفاؤل في شأن إمكانية التفاوض من موقع القوة تعترضه عقبات جوهرية لا يمكن تجاهلها. فبينما أكد نتنياهو أن نزع سلاح “حزب الله” شرط مسبق لأي تقدم على أي مسار آخر، لا تزال الدولة اللبنانية تحمل وزر تجربتها الصعبة في عدم تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصر السلاح، بيد أن انعقاد الاجتماع الأول، إن تحقق، سيكسر في حد ذاته حاجزاً نفسياً وسياسياً قائماً منذ آخر مفاوضات مباشرة بين البلدين خلال عام 1983. والأهم من ذلك أن نتيجته الأولى ستتمثل في تكريس فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني وإسقاط منطق “وحدة الساحات”، وهو ما يفسر التسرع في شن حملات تخوين الحكومة اللبنانية ورئيسها من قبل أنصار “حزب الله” أمام السرايا الحكومية، فيما أطلق نواب الحزب مواقف رافضة صريحة لأي تفاوض مستقل عن مسار مفاوضات إسلام آباد بين وأميركا وإيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا الإطار أكد سفير لبناني سابق لدى واشنطن، فضل عدم كشف هويته، أن المفاوضات المباشرة ستُعقد، ورأى أن انعقادها على الأراضي الأميركية تحديداً يمنحها جدية استثنائية، لأنه يعكس حجم الرعاية الأميركية وعمق الانخراط الأميركي في هذا الملف. وحدد السفير بوضوح بيت القصيد في هذه المفاوضات، ألا وهو “حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية”، معتبراً أن كل ما سواه من مطالب يظل رهيناً بالإجابة عن هذا السؤال الجوهري.
وعلى صعيد ما يمكن للبنان تقديمه، يرى السفير أن “الرصيد التفاوضي اللبناني يتمثل في سلسلة القرارات الجريئة التي أصدرتها الحكومة بين الخامس من أغسطس (آب) 2025 وجلستها الأخيرة في التاسع من أبريل (نيسان) الجاري، والتي شملت حصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ’حزب الله’، وصولاً إلى إعلان بيروت منطقة خالية من السلاح”، لكنه يشير إلى أن “السؤال الذي سيطرحه الراعي الأميركي والطرف الإسرائيلي بإلحاح هو أين التنفيذ الفعلي لهذه القرارات؟”.
ويدعو السفير إلى التريث قبل إصدار أي حكم على مآلات هذه المفاوضات، ويرى أن نتائجها مرتبطة ارتباطاً عضوياً بما ستسفر عنه مفاوضات إسلام آباد، فإن نجحت، ووفت إيران بشرط التخلي عن أذرعها الإقليمية، فإنها ستكون آنذاك في موقع من يبلغ “حزب الله” بأن المرحلة انتهت، وعندها قد يصبح حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية أمراً ممكناً، أما إن أخفقت المفاوضات الإيرانية الأميركية فستبقى الأمور في مراوحتها.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عرض مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل الأوضاع الامنية في البلاد عموماً وفي الجنوب خصوصاً، إضافة إلى الاجراءات التي يتخذها الجيش في بيروت والمناطق اللبنانية كافة لحفظ الأمن والاستقرار لاسيما في مراكز إيواء النازحين والتشدد في تطبيق التدابير الأمنية. pic.twitter.com/6Yd6qf3m11
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) April 8, 2026
لبنان يذهب إلى التفاوض لإيقاف النزف لا للانتصار
يقرأ الكاتب السياسي حنا صالح المشهد بواقعية مجردة، مستحضراً موازين القوى التي تتحكم في أي عملية تفاوضية. ويذكر بأن “حزب الله” أوصل لبنان إلى “هزيمة مدوية. مناطق واسعة طالها التجريف والهدم، وأكثر من مليون ومئة ألف نازح وخسائر اقتصادية فلكية، فضلاً عن خسائر بشرية يستحيل تعويضها”.
في ضوء هذا الواقع، يجزم صالح بأن “لبنان لا يذهب إلى طاولة المفاوضات طالباً انتصاراً، بل ساعياً إلى هدف أكثر تواضعاً وأشد واقعية، بأن تتوقف الهزيمة عند حدودها الراهنة ولا تتراكم الخسائر”.
ويرى أن “الرصيد الذي بين يدي الدولة اللبنانية يقتصر على القرارات الجريئة التي اتخذتها الحكومة، بمعزل عن التلكؤ في تنفيذها”، مستدركاً بأن “الأحداث الأخيرة كشفت عن أن ما قيل عن الجنوب وجنوب الليطاني لم يكن دقيقاً ولا صادقاً، مما أفضى إلى عزل لبنان عن محيطه العربي بعدما خسر صدقيته”.
ويثمن صالح عالياً قرار جعل بيروت منطقة منزوعة السلاح، معتبراً إياه “نقطة انطلاق حقيقية لاستعادة قرار الدولة”. ويوضح أن بيروت تحتضن نحو 400 ألف نازح، وتضم مع سكانها ما يقارب 40 في المئة من إجمال سكان لبنان، مما يجعل الأمن فيها مرادفاً لاستعادة الدولة المخطوفة. و”حين تستعيد السلطة مكانتها وعاصمتها”، يرى صالح أن “ذلك قد يفتح الباب أمامها لإسماع صوتها لدى الدول الشقيقة والصديقة القادرة على دعمها في المفاوضات”.
أما على صعيد الأفق التفاوضي، فيقر صالح بأن “العودة الكاملة إلى اتفاق الهدنة قد لا تكون في المتناول”، لكنه يستبعد استبعاداً تاماً أن يكون الباب موصداً أمام نسخة معدلة منه. ويستحضر أهمية أن “يتذكر المفاوض اللبناني دائماً أنه يجلس أمام طرف إسرائيلي بالغ الخبرة والمراس في فنون التفاوض، وأن التجارب مع مصر والأردن وما أعقب اتفاق أوسلو تقدم دروساً ينبغي استحضارها في كل لحظة من لحظات هذه المفاوضات الدقيقة والمصيرية”.
