في واقعة صادمة للمجتمع، دارت تفاصيلها في منزل عائلة بمحافظة المنوفية، ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، متتبعة تفاصيلها وأحداثها البشعة، وهي – حسب الاعترافات والتحقيقات المبدئية – حمل طفلتين في عمر الـ12 والـ14 عاما إثر علاقة واعتداء آثم من عمهما، تساءل البعض عن نظرة الشرع لمسألة زنى المحارم، وعن عقوبة مرتكب تلك الفاحشة، وما مصير ثمرتها، وهل يجوز إجهاض الجنين قبل ولادته ولمن يكون نسبه…
رأي الشرع حول تلك الواقعة وغيرها يرصده مصراوي في التقرير التالي:

حكم إثبات النسب من الزنا

تقول أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية ان الفقهاء اتفقوا على أن ولد الزنا يثبت نسبه من أمه التي ولدته؛ وذلك لأن الأمومة علاقة طَبَعِيَّة، بخلاف الأبوة فهي علاقة شرعية، فلا تثبت أبوة الزاني لمن تَخَلَّق مِن ماء زناه، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» متفق عليه؛ فيفهم منه أن الولد ينسب للزوج الذي ولد على فراشه، وبذلك يـثبت وصف الأبوة له شرعًا.
وعليه – تقول أمانة الفتوى، عبر بوابة الدار الرسمية: فلا يجوز نسبة ولد الزنا إلى أبيه، بخلاف نسبته إلى الأم، ولا بالإقرار بأنه ولده من الزنا؛ لأن ماء الزنا هدر، والنسبة للأب إنما هي نسبة شرعية، لا تتحقق إلا بموجب الطرق الشرعية لإثبات النسبة.

كيفية التعامل مع الأطفال غير الشرعيين

أما عن كيفية التعامل مع الأطفال غير الشرعيين، فيقول الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق، إن الشرع الشريف يَتَشوَّف إلى ثبوت النسب بأقرب طريق مهما أمكن ذلك، بشترط قيام الزوجية الصحيحة أو الفاسدة أو وطء الشبهة.

أما عند عدم وجود الفراش الصحيح؛ بأن يكون الولد ثمرة زنًا (سواء باغتصاب أم بغيره) – يقول علام في نص فتواه عبر بوابة الدار الرسمية – فلا يثبت بذلك نسبٌ؛ فماء الزنا هدَرٌ، وفي هذه الحالة يثبت النسب إلى الأم فقط، وعليها إسكانه وحضانته ونفقته وكل أوجه الرعاية التي تستلزمها تربيته، وفي الميراث يحصل التوارث بينه وبين أمه وأقاربها فقط؛ لأنه ولدها يقينًا ومنسوب إليها، وهو مَحْرَمٌ لها ولسائر محارمها.

وأضاف علام: أما في حال عدم ثبوت النسب بالوالدين أو بالأم فإن الدولة تتحمل تبعات هذا الطفل اللقيط في مؤسساتها؛ لأن الطفل بريءٌ لا يَدَ له في مجيئه إلى الحياة على هذه الصورة غير الشرعية، وله من الحُرْمة ما لسائر بني آدم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]، هذا فيما يتعلق بكيفية تسجيل الأطفال غير الشرعيين، ومنهج دار الإفتاء تجاه هذه المشكلة.

عباس شومان: إعدام زناة المحارم

وكان الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر، طالب بإعدام زناة المحارم إسوة وقياسا على المغتصبين، وذلك للحد من الظاهرة.
وأوضح- في بحث نشر مصراوي تفاصيله بوقت سابق- أن زنى المحارم هو الأقبح على الإطلاق بين جرائم الزنى، وقد اختلفت كلمة الفقهاء حول عقوبة فاعله، حيث يرى جمهورهم أن الفاعل يعاقب بالعقوبات المقررة لجريمة الزنى، وهي رجم المحصن وجلد غير المحصن، في حين يرى بعض الفقهاء، ومنهم ابن حزم الظاهري، والحنابلة في رواية، أن زنى المحارم يختلف في عقوبته عن الزنى بين غير المحارم؛ حيث يجعلون عقوبة زنى المحارم قتل الطرفين من دون نظر إلى إحصان الفاعل من عدمه، وقتل الفاعل عندئذ يكون كقتل غيره من مرتكبي الجرائم المهدرة للدم وليس بالرجم.

وبرر شومان أن تغليظ عقوبة زنى المحارم، لأنه المعلوم أن الفعل كلما زاد قبحه العقلى ناسبه زيادة العقوبة عن مماثله الأدنى قبحًا، وهذا هو سبب التفريق بين عقوبة المحصن وغير المحصن في الزنى بين غير المحارم، ولفت شومان إلى أن المشرعين القانونيين أحسنوا حين جعلوا الإعدام عقوبة المغتصب من دون نظر إلى الإحصان، لما في الغصب على الزنى من زيادة قبح.

ويقول أمين عام هيئة كبار العلماء: “أرى أنه من المناسب جدًّا تعديل التشريع لتكون عقوبة زنى المحارم كعقوبة المغتصب، وهى إعدام فاعله سواء كان ذلك برضا الطرف الآخر أو غصبًا، أو كان فى ظل عقد أو من دونه، ولا سيما أن تشديد عقوبة الاغتصاب، من وجهة نظرى، كان له تأثيره البالغ فى الردع؛ حيث إن جرائم الاغتصاب أقل كثيرًا، وما ذاك إلا لقوة الجزاء الرادع عن الفعل فى حال الاغتصاب”.

“القتل”.. هكذا فعل علي بن أبي طالب

هكذا علق الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، على حالات زنى المحارم في حلقة سابقة من برنامج “أحلى حياة” المذاع على قناة “إل تي سي” الفضائية، لافتا إلى رواية عن حالة شاذة للغاية حدثت من الذين أسلموا حديثًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس علي بن أبي طالب يمتشق سيفه فسألوه إلى أين يذهب فقال: “رجل واقع محرمة فأمرني أن أخط وسطه بالسيف”.
وأشار كريمة إلى أن هذه صورة استثنائية في حد الزنى، فالجلد يكون للبكر والرجم يكون للمحصن، إلا في حالة زناه بمحرمه، “فهو يقتل لأنه تعدى كافة الحدود، فتعدى حد الله في تحريم الزنى، وتعدى حد المحرم، فأصبح أخس من الحيوان”.

اقرأ أيضاً:

هل يجوز قضاء أكثر من صلاة فائتة مع كل فرض حاضر؟.. أمين الفتوى يجيب

هل تُنفذ وصية الأب بمنع ابنه من حضور غسله أو جنازته؟.. أمين الفتوى يرد