لم تكن تجربة الكاتبة والروائية السورية كوليت خوري، التي رحلت الجمعة، بعيدة عن سياقها السوري، رغم طليعية ما كتبته في محيطها الثقافي، وغرابته عند المجتمع الشرقي، إذ يمكن اعتبارها جزءاً من حمولة حراك النخب وهي تحاول هضم تأثير الانتداب الفرنسي (1920-1946) ومقاومته، وكذلك صناعة الدولة بعد الاستقلال. ففي فضاء كهذا تظهر الأصوات المختلفة، وهي تحاكي الآداب الغربية ولا سيما الفرنسي منها، وتستفيد من اتساع مساحة التعبير الفردي داخله. لا يمكن فهم تجربة صاحبة رواية “ومرّ صيف” (1975) المختلفة بمعزل عن هذا السياق، لكن في الوقت نفسه لا تُختزل كتاباتها في كونها مجرد “نتاج مرحلة”، لأنها تُقدّم مشروعاً أدبياً حمل ملامح واضحة تكرّرت عبر الروايات والنصوص المختلفة.
وُلدت الأديبة الراحلة عام 1935 لعائلة دمشقية معروفة بمساهماتها في الحياة السياسية السورية، فجدّها هو فارس الخوري أحد الأسماء البارزة في تاريخ سورية، ووالدها سهيل الخوري حقوقي ووزير، أما خالها حبيب كحالة فهو كاتب صحافي. وفي هذا الفضاء ولدت تجربتها في مسار يبنى على التعلّم عبر اللغات الأُخرى كالفرنسية والإنكليزية، إذ كتبت في البداية بالفرنسية وأصدرت ديوانها الأول “عشرون عاماً” بهذه اللغة، في العام 1957. لكن حضورها الأدبي الواسع بدأ مع رواية “أيام معه”، التي صدرت في نهاية الخمسينيات، وأثارت اهتماماً نقدياً وإعلامياً لافتاً، تبعاً لحكايتها التي تتحدث عن علاقة عاطفية بين امرأة وشاعر، تتجاوز قصة الحبّ التقليدية، لتصبح تجربة وعي داخلي تخوضه الشخصية النسائية في الرواية، حين تحاول فهم موقعها داخلها في إطار تشكيل مفهوم الحرية الفردية لديها.
تلاشت طليعيتها مع التزامها بالخطاب الرسمي لنظام الأسد
هذه الفكرة العميقة ستُعاد لاحقاً في أعمالها، ولا سيما في جانب التوتر بين الحاجة العاطفية والرغبة في الاستقلال. حين تبتعد الشخصية عن موقع الضحية أو المنتصر، ما دامت تعيش حالة بحث غير محسومة. هذه المعالجة جعلت الرواية تُقرأ بوصفها خروجاً عن النمط السائد آنذاك في تقديم المرأة داخل السرد العربي، بعد أن كانت تقدم -غالباً- محصورة في أدوار اجتماعية ثابتة. ترسّخت هذه الرواية في المدونة الثقافية السورية لأجيال، خاصة حين ارتبطت الرواية في القراءة الثقافية اللاحقة بالحديث عن علاقة عاطفية جرت بين الكاتبة والشاعر نزار قباني، الأمر الذي منحها بُعداً يجعلها ضمن السيرة الذاتية في بعض التأويلات.
النصّ في الرواية لا يُبنى على الإحالة المباشرة على الواقع، بل على تحويل التجربة الشخصية إلى مادة سردية قابلة للتعميم، وهو ما يجعل العلاقة بين الواقع والنص علاقة محتملة لا حاسمة. غير أن خوري وفي مرحلة زمنية متقدمة لم تنف علاقتها بقباني، فقالت “كنت أعيش مع نزار قصة حب، ومشروع زواج خططنا له قبل أن أكتب هذه الرواية بعامين، وقد انتهت هذه القصة”. أما عن كون الرجل في الرواية هو قباني فقد قالت: “إن الشخصية خليط من عديدين، زياد في أيام معه هو تشكيلة رجال من نزار وزوجي وآخرين، حوالي أربعة رجال”.
هذا الاقتران بين الحياة الشخصية والرواية الأولى، رسَّخ حضور أدب كوليت خوري ضمن صيغة الكشف عما يجري، ليس فقط وراء جدران البيوت، وإنما خلف السواتر التي تبنيها المرأة حول نفسها في المجتمع الشرقي، وذلك في لحظات غاية في الفرادة، ففي رواية “ليلة واحدة” (1961) يتم اختزال الزمن الروائي في ليلة واحدة تعيشها امرأة متزوجة في علاقة عاطفية خارج إطار زواجها. التركيز على الحدث يتراجع هنا أثره النفسي والزواج يُقدَّم فضاءً بارداً، غير متوازن عاطفياً، مقابل لحظة قصيرة من الانفتاح العاطفي تُحدث صدمة داخلية لدى الشخصية.
أما رواية “كيان” (1968) فتطرح سؤالاً عن هوية المرأة، داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والعاطفية. الهدف يتجاوز سرد التجارب بحدّ ذاتها، إلى استخدام العلاقة العاطفية وسيطاً لاختبار فكرة “الكيان” أو الوجود الفردي. وفي رواية “أيام مع الأيام” (1978) تصبح بنية السرد أقرب إلى التتابع الزمني، من خلال مرور الشخصية النسائية بمراحل مختلفة من حياتها. فلا يوجد خطّ درامي واحد صارم، بل أقرب إلى فسيفساء زمنية تتابع تغيّر الموقف الداخلي للشخصية عبر الزمن.
قدّمت أعمالها تصورات عديدة لاستقلالية المرأة وحرّيتها
وإلى جانب الرواية، التي رسّختها في المشهدين السوري والعربي، كتبت كوليت خوري نصوصاً قصصية، وجرت محاولات لم تنجح لتقديم أعمالها سينمائياً. إلا أن إلحاح المرحلة التي كانت تعيشها سورية مع حكم البعثيين، والتي كانت تحوم حول الأيديولوجيا القومية والاشتراكية المفصّلة على مقاس الحزب، فرض عليها وعلى غيرها من أصحاب التوجهات الليبرالية التعامل مع الواقع كما هو، والتعايش معه، وفي تصريح لها عام 1972 في مجلة “المعرفة” التي تصدرها وزارة الثقافة، عبرت عن رؤيتها للواقع: “وجودي في هذا الوطن قتال. أنا مؤمنة بآرائي ومبادئي، حاولت شرحها في كتاباتي. وتحملت من أجلها ما تحملت. فمنذ كتابي الأول طالبت بتحرر المرأة الاقتصادي الذي يؤدي إلى التحرر المعنوي. أنا أريد أن تعمل المرأة وأن تكسب عيشها، ثم يصبح من السهل أن تتحرر معنوياً. كان هذا في كتاباتي الأولى، حيث لم أعالج إلا موضوع المرأة. أما الآن فأنا أريد أن يتحرر الإنسان في وطني، لم تعد المشكلة مشكلة المرأة وحدها. المشكلة أكبر. إنها مشكلة كيان الإنسان العربي في داخل الوطن وخارجه”.
اقتراب الكاتبة الراحلة من الخطاب الرسمي السائد في عهد حافظ الأسد، لم ينعكس إيجابياً على أدبها، بل يمكن ملاحظة تلاشي طليعيته، مع وجود أسماء نسائية أخرى، لم تقترب كثيراً من السلطة، وحافظت على النفور منها، غير أن المشكلة الأكبر لم تأت من خلال النص، بل من خلال العلاقة مع رموز الحكم الذي خلق بين السوريين أنفسهم فجوات كبرى، وهكذا عُرفت خوري من خلال علاقاتها مع أسماء بارزة في بنية السلطة، فهي واحدة من أهم الكتاب الذين دأبوا على المشاركة في الصحافة الرسمية، كما عملت مستشارة لوزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس الذي عرف عنه الاهتمام بالأدب والثقافة والمساهمة بالكتابة والتأليف. وانتُخِبت لمجلس الشعب لدورتين متتاليتين، وفي العام 2006 عينها بشار الأسد مستشارة أدبية، ولم يصدر عنها أي موقف يفصلها عن النظام خلال الثورة السورية، كما جرى منحها جائزة الدولة التقديرية من قبل وزارة الثقافة في العام 2024 قبيل سقوط النظام.
محصلة قراءة المحطات الكبرى في حياة كوليت خوري، تأخذ القارئ نحو الإشكالية التي يعيشها المبدع في علاقته مع موضوعاته، وانعكاس حياته الشخصية في أدبه، وصولاً إلى علاقته مع السلطة مروراً بقضايا الجمهور الماسة، فإذا ما نجح في بناء التوازن بين كل هذه المواقف لربما ينجو ويبقى في مرتبة سامية، لكن الواقع الذي عاشته سورية وكانت كوليت شاهدة عليه، ظهر شائكاً إلى درجة تجعل النفاذ منه دون أثر أمراً مستحيلاً، وكانت كوليت مثالاً عما جرى. إنها نموذج للمثقف الذي افتتح عصر التمرد الفردي، لكنه ارتهن في ختامه لثبات السلطة، تاركاً خلفه إرثاً يمزج بين ريادة النص وإشكاليات الموقف.
