بين أضواء الخشبة وصدى التصفيق، يواصل المسرح الإماراتي نسج حكاياته المعاصرة، محتفظاً بجذوره الفكرية ومتقدماً بخطى واثقة نحو جمهور متفاعل وواعٍ. وفي هذا المشهد الإبداعي النابض، يبرز دور المهرجانات كجسر يربط بين صخب الحياة اليومية وعمق التجربة المسرحية، حيث يتحول المسرح إلى فضاء شامل يجمع بين الفكري والترفيهي، بين التأمل والمرح، ليصبح أداة تنموية واجتماعية تصنع شخصية الإنسان وتغذي فكره ووجدانه.
وبين رؤى فنانين مسرحيين متمرسين وشباب مبدع، تتشكل اليوم مرحلة نضج استثنائية، يواكبها استخدام ذكي للتقنية وابتكار أشكال جديدة للتفاعل، لتؤكد الخشبة الإماراتية أنها لم تعد مجرد منصة للعرض، بل لغة إنسانية مشتركة، تنطق بالهوية المحلية وتتواصل مع العالم بأسره.
دور محوري
وفي سياق حديثه حول تطور وعي الجمهور وعلاقته بخشبة المسرح، أكد الفنان المسرحي عمر غباش، لـ«البيان»، أن المهرجانات المسرحية في الإمارات أدت دوراً محورياً في جسر الهوة بين الجمهور والأعمال المسرحية ذات الصبغة الفكرية، موضحاً أنها نجحت بشكل ملموس في تقريب المفاهيم الذهنية المعقدة للمتلقي العادي.
وأشار غباش إلى رؤيته الخاصة للمسرح، حيث أوضح أن العمل المسرحي لا ينبغي أن يُختزل في بعده الفكري أو الفلسفي المحض، بل يجب أن يكون كياناً شاملاً يجمع بين الفكر والترفيه، مشدداً على أهمية الأبعاد الأخرى للمسرح، واصفاً إياه بـ«الأداة التنموية والاجتماعية» التي تسهم بشكل مباشر في بناء شخصية الإنسان وتنميتها من مختلف الجوانب النفسية والاجتماعية والذهنية.
ولفت الفنان عمر غباش الانتباه إلى ضرورة وجود توازن في العروض المسرحية، بحيث لا تطغى الفلسفة على الجوانب الترفيهية والتنموية، مؤكداً أن التركيز في المرحلة المقبلة يجب أن ينصب على تعزيز هذا المزيج المتكامل الذي يخدم الجمهور وينمي قدراته الإنسانية بأبعادها كافة.
وأكد المخرج المسرحي الإماراتي مرتضى جمعة أن المهرجانات المسرحية السنوية في الدولة قد نجحت بالفعل في ترسيخ حضور لافت للمسرح ضمن الحراك الثقافي المحلي. ومع ذلك، أوضح أن طموح الوصول إلى علاقة مستدامة مع الجمهور لا يزال في طور التحقق الكامل، حيث يلاحظ أن التفاعل الجماهيري يظل مرتبطاً بالمواسم المهرجانية وينحسر بمجرد انتهائها.
وأكد ضرورة صياغة محتوى فني يكون أكثر قرباً من قضايا الناس اليومية وملامسة لواقعهم.
وشدد على أهمية توزيع العروض المسرحية على مدار العام بدلاً من حصرها في إطارات زمنية محدودة، لافتاً في الوقت نفسه إلى ضرورة تحديث الاستراتيجيات التسويقية واعتماد أدوات حديثة في هذا الصدد تخاطب الجمهور بلغته.
وفي قراءة تحليلية لواقع الخشبة المسرحية المحلي، أكد الفنان المسرحي الإماراتي خلفان الدرمكي أن المسرح في دولة الإمارات يمر بمرحلة نضج استثنائية، يبحث فيها عن هويته الخاصة ضمن الخريطة العربية والعالمية، مشيراً إلى أن هذه المرحلة لم تغيّر من شكل العرض فقط، بل أعادت صياغة جسور التواصل مع الجمهور بأساليب غير مسبوقة.
ورأى الدرمكي أن المسرح لم يعد مجرد منصة للمشاهدة السلبية، بل أصبح فضاءً للتفاعل الحي؛ إذ بدأت تظهر عروض تخرج عن القوالب التقليدية، مثل «المسرح التفاعلي» و«المسرح الدائري»، موضحاً أن هذا التحول في الآليات الإبداعية يهدف إلى إشراك المتلقي وجعله جزءاً من الحالة الفنية.
كما أشار إلى أن طموح المسرحيين يمتد لاستخدام التكنولوجيا لتحسين هذا التفاعل، عبر رؤى مستقبلية تشمل دمج الذكاء الاصطناعي لتحليل ردود فعل الجمهور بشكل مباشر، ما يسهم في تطوير الأداء وتعميق صلة الوصل بين الممثل والمشاهد.
وفيما يخص وصول المسرح إلى الناس، لفت الدرمكي إلى آفاق واعدة تتمثل في إنتاج عروض «هجينة» تمزج بين الأداء الحي والبث الرقمي، وهو ما من شأنه أن يوسع قاعدة الجمهور محلياً وعالمياً.
وشدد على أن التطور لم يقتصر على الأدوات التقنية كالإضاءة الرقمية والواقع المعزز فحسب، بل شمل جوهر الرسالة الموجهة للجمهور؛ حيث انتقل المسرح إلى معالجة قضايا اجتماعية حديثة تلامس واقع الشباب مثل الهوية والتغيرات الثقافية، وتبنّي أساليب رمزية وعمق فكري يحترم ذكاء المشاهد ويبتعد عن المباشرة والخطابية، وطرح قضايا إنسانية عالمية تجعل الجمهور يشعر بأن المسرح الإماراتي يتحدث لغة إنسانية مشتركة.
واختتم الدرمكي حديثه بالتأكيد أن استمرار هذه العلاقة المتطورة مع الجمهور مرهون بالاستخدام الذكي للتقنية كوسيلة لا غاية؛ لضمان عدم فقدان الهوية الثقافية المحلية وسط الانبهار بالتكنولوجيا.
من جانبه، أكد الكاتب المسرحي أحمد الماجد أن المسرح الإماراتي يتمتع حالياً بقاعدة جماهيرية جيدة وواعدة، مشيراً إلى أن الجمهور المحلي يمتلك ذائقة فنية خاصة تميل نحو الأعمال القريبة من واقعه اليومي.
وأوضح الماجد أن التحدي الذي يواجه صناع المسرح يكمن في طبيعة تفضيلات الجمهور الذي ينجذب غالباً إلى الأعمال التي تعتمد على «الإفيهات والقفشات» الكوميدية، مبتعداً عما يصفه النقاد بـ«الأعمال الذهنية» المعقدة التي قد لا يجد فيها المشاهد العادي المتعة المباشرة أو القدرة على التفاعل الذهني المستمر.
وأشار الكاتب المسرحي العراقي إلى أن «الوصفة السحرية» لضمان استمرارية الجمهور وجذبه للمهرجانات والفعاليات المسرحية تكمن في القدرة على «إمساك العصا من المنتصف»؛ وذلك عبر تقديم قضايا مجتمعية مهمة وعميقة، ولكن في قالب كوميدي ترفيهي يصل إلى قلوب الناس وعقولهم دون تكلف. وشدد الماجد، في ختام حديثه، على أن العمل الذي ينجح في الجمع بين القيمة الفكرية والأسلوب الساخر، هو العمل الذي سيخلق لنفسه جمهوراً حاشداً يتبعه أينما عُرض، مؤكداً أن المسرح الإماراتي يمتلك كل المقومات لتحقيق هذه المعادلة الصعبة.
