شكّل رحيل الروائي والمسرحي نيكولاي غوغول عام 1852 منعطفاً في حياة الأديب الروسي سيرغي أكساغوف، إذ لم يكن غوغول عنده مجرد كاتب كبير، بل صديقاً مقرّباً ورفيق تجربة طويلة. من هنا جاءت فكرة تدوين كتاب “أيامي مع غوغول” (ترجمة رولا عادل، دار العين، القاهرة، 2026)، بوصفه محاولة لاستعادة تلك العلاقة وتوثيقها، بدافع إدراك أكساغوف لقيمة هذه الشهادة في تاريخ الأدب الروسي. لقد أراد أن يدوّن ما سمّاه “التاريخ السري” لغوغول (1809 – 1852)، أي تلك التفاصيل الدقيقة التي لا تظهر في الكتب الرسمية ولا في الدراسات النقدية.

بدأ أكساغوف العمل على هذه المذكرات عام 1854، أي بعد عامين من وفاة صاحب “المعطف”، حين هدأت صدمة الفقد وتحولت إلى رغبة في الفهم والتأمل. في البداية، اتخذ المشروع شكل ملاحظات متفرقة ومسودات أولية، سرعان ما تطورت إلى عمل متكامل يجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الأدبي. ومع ذلك، كان أكساغوف حذراً من نشره فوراً، نظراً إلى وجود شخصيات معاصرة ورد ذكرها في الكتاب، فضلاً عن القيود الرقابية التي كانت تحدّ من حرية التعبير في ذلك الزمن. لذلك، صرّح بأن كتابه موجّه أساساً إلى الأجيال اللاحقة وإلى مؤرّخي الأدب، باعتباره مادة أولية يمكن البناء عليها.

تتميّز هذه المذكرات بنبرة شخصية واضحة، إذ لا يدّعي أكساغوف الموضوعية المطلقة، مقدّماً رؤيته الخاصة، بكل ما تحمله من انحيازات وعواطف. غير أن هذا الطابع الذاتي لا ينتقص من قيمة العمل، فهو لا يسعى إلى تمجيد غوغول بقدر ما يحاول فهمه، بوصفه إنساناً مثقلاً بصراعات داخلية لا تهدأ. 

تكشف المذكرات عن علاقة لم تكن مستقرة على الدوام بين الرجلين، إذ شهدت فترات من القرب الشديد وأخرى من الفتور والابتعاد. ويعزو أكساغوف ذلك إلى طبيعة غوغول النفسية، التي اتسمت بالحساسية المفرطة والقلق الدائم، فضلاً عن ميله إلى العزلة والتأمل. ومع ذلك، ظل أكساغوف يرى فيه تجربة أدبية ثرية، استطاعت أن تُحدث تحولاً نوعياً في الأدب الروسي، وأن تعبّر بعمق عن واقع المجتمع وتناقضاته.

يحاول فهم صراعات غوغول الداخلية من كثب لا تمجيده

ومن خلال عدد من المواقف التي يرويها، يقدّم أكساغوف صورة لغوغول في حياته اليومية، بعيداً عن هالة “الكاتب العظيم”. نراه شخصاً ساخراً، قادراً على إضحاك من حوله، وفي الوقت ذاته عميق التفكير، متردداً، ومشغولاً بأسئلة وجودية كبرى. هذه الازدواجية بين الخفّة والعمق، هي ما يجعل شخصية غوغول أكثر إنسانية وقرباً، ويمنح القارئ فرصة لفهم أعماله من زاوية مختلفة.

لا تنفصل هذه الشهادة عن السياق الثقافي والفكري الذي كُتبت فيه، حيث يشير أكساغوف إلى الصراع بين التيارات السلافية التي تدعو إلى التمسك بالهوية الروسية، والتيارات الغربية التي تنادي بالانفتاح والتحديث. وقد وجد غوغول نفسه في قلب هذا الصراع، من دون أن ينتمي بشكل كامل إلى أي من الطرفين، ما زاد من تعقيد موقعه وأضفى على تجربته طابعاً إشكالياً.

تُظهر المذكرات أيضاً كيف كان أكساغوف يراقب غوغول في مرحلة تدهور حالته النفسية والجسدية في سنواته الأخيرة، حين أخذ يميل إلى نوع من التقشف المفرط، وهو ما انعكس على كتاباته ومراسلاته. يصف أكساغوف تلك الفترة باعتبارها لحظة انكسار داخلي لدى غوغول، إذ بدا وكأنه يحاول إعادة صياغة حياته كلها وفق معايير أخلاقية صارمة، بعيداً عن الروح الساخرة والحرّة التي طبعت أعماله المبكرة. في هذا السياق، لا يقدّم أكساغوف غوغول بوصفه عبقرياً معزولاً عن محيطه، بل نتاجاً مباشر لصراعات فكرية واجتماعية أوسع كانت روسيا تعيشها في القرن التاسع عشر. فالأدب، في نظره، لم يكن مجرد انعكاس جمالي للواقع، بل ساحة مواجهة بين رؤيتين للعالم: رؤية محافظة ترى في الأدب امتداداً للقيم الدينية والاجتماعية، وأخرى نقدية تسعى إلى تفكيك هذه البنية وكشف تناقضاتها. غوغول، في هذا التوصيف، يقف في منطقة وسطى ملتبسة، لا هو بالمنتمي الكامل إلى مشروع التحديث، ولا هو بالمنغلق تماماً على التقليد.

ويكتسب كتاب أكساغوف أهميته أيضاً من كونه شهادة شاهد عيان على تشكّل الوعي الأدبي الروسي الحديث. فهو يحاول تتبع لحظة ولادة النصوص الكبرى داخل سياقها، وكيف كانت العلاقات الشخصية بين الكتّاب تؤثر في مسارات الإبداع. ومن هنا، يصبح الكتاب وثيقة عن شبكة واسعة من العلاقات التي جمعت بين أسماء مثل بوشكين، وتورغينيف حيث تتقاطع الصداقة مع المنافسة، والإعجاب مع النقد.

أما سيرغي أكساغوف نفسه، فيمكن النظر إليه بوصفه أحد أبرز كتّاب النثر الذاتي في روسيا القرن التاسع عشر، وأحد الأسماء التي ساهمت في نقل الأدب من فضاء النبرة الخطابية إلى فضاء الملاحظة الدقيقة للحياة اليومية. وُلد عام 1791 في عائلة نبيلة، وتلقى تعليمه في كازان قبل أن يدخل الخدمة الحكومية في بطرسبورغ، ثم ينتقل لاحقاً إلى موسكو حيث انخرط في الحياة الأدبية والثقافية. عُرف باهتمامه بالطبيعة والصيد والحياة الريفية، وهو ما انعكس في أعماله مثل “ملاحظات عن الصيد”، حيث امتزج الوصف الدقيق للطبيعة مع حس سردي يميل إلى التأمل الهادئ في تفاصيل الحياة الروسية.