الشارع فى مدينة (مالمو)، جنوب السويد، لا يخلو بين الحين والآخر من كلمات عربية، مهما تعددت اللهجات، هناك مذاق تشعر به فى الملامح والأزياء، محلات الكشرى والفول و(الفلافل) بالإضافة إلى الأكل اليمنى والشامى والتونسى وغيرها، تؤكد لك أنك لم تبتعد كثيرا عن الوطن، بعض المطاعم تستخدم حروفا عربية، لكسر حاجز (الأبجدية).

لم تكن إذن مصادفة أن يختار المخرج محمد القبلاوى، الفلسطينى الجذور، العربى الهوى، السويدى الهوية، تلك المدينة لتصبح إطلالة سنوية على السينما العربية تستطيع من خلالها أن تقرأ أين كنا وكيف أصبحنا، انطلقت الدورة الأولى فى مثل هذه الأيام عام ٢٠١١.

منذ الشرارة الأولى حدد رئيس المهرجان، هو والهيئة المنظمة، توجهه ودستوره الدائم، فهو يقدم سنويا أفضل ما حملته الشاشات العربية. استطاع قبلاوى أن يحصل على القسط الأكبر منها. هذا المهرجان من الممكن أن تعتبره (ترمومتر) السينما العربية، التى صارت برغم ما تتلقاه من ضربات مباغتة، إلا أنها لا يمكن سوى أن تنهض وتبهرك بفيلم.

أعجبتنى ضربة البداية الفيلم العراقى (كعكة الرئيس) وله اسم آخر متداول (مملكة القصب)، أميل أكثر للاسم الأول، يتناول الفيلم الأيام الأخيرة من حياة صدام حسين، من خلال عيون الأطفال فى المدرسة، يتسابقون برغم الرعب للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، ووسط المعاناة يدبرون بأموالهم القليلة (كعكة) لعيد الميلاد، تنفيذا لأوامر الأساتذة فى المدرسة، ومن يقع عليه الاختيار يشعر بالفخر والاعتزاز بين زملائه، ويمزج المخرج حسن هادى لقطات توثيقية تقدم عيد الميلاد الأخير لصدام ممزوجا بمعاناة العراق، عيون الأطفال قالت كل شىء، الشريط يهمس فى كل تفاصيله بالخوف بل والرعب، بينما لسانهم يهتف (بالروح والدم) وفى نفس اللحظة يتبنى المخرج روح السخرية، لتفضح كل تلك المشاعر الزائفة، وتنتهى الأحداث والطلبة داخل الفصل الدراسى تحت الدكة بينما القنابل تنهال على المدرسة، ويمارسان لعبة الأطفال، النظر فى العيون دون أن تغلق العين، هكذا سخروا أيضا من القنابل الأمريكية.

حصل الفيلم على جائزة الجمهور فى قسم (أسبوعى المخرجين) بمهرجان (كان) الأخير، وأيضا على جائزة (الكاميرا دور) الذهبية للعمل الأول، وأهم من كل ذلك وضع السينما العراقية على طريق العالمية.

الغريب أن أغلب المهرجانات العربية الكبرى لم تعرض هذا الشريط الاستثنائى. رغم أنه وصل للقائمة القصيرة بين أفضل فيلم دولى فى مسابقة (الأوسكار)، إلا أن القبلاوى منحه المكانة العربية التى يستحقها، يقص به شريط الافتتاح لاهم تظاهرة ترصد حال السينما العربية.

تعددت الأفلام فى المسابقة الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة. يحرص رئيس المهرجان على أن يقدم رسالة تتبنى الموقف السياسى، دون صخب، بإحساس فطرى، وهكذا شاهدنا زجاجات المياه مكتوبا عليها فلسطين.

الاختيارات للأفلام ولجان التحكيم يراعى فيها التوازن العربى، بينما نتائج لجان التحكيم لا تخضع أبدا لهذا التوازن الذى أراه مسيطرا على بعض المهرجانات العربية. يقال همسا أو يتم تبادل إشارات ما، على طريقة (اللبيب بالإشارة يفهم).. ولأننى كنت عضوا فى لجنة التحكيم أكثر من مرة فى (مالمو)، كما أننى أحضر سنويا فعاليات المهرجان منذ ٢٠١٤، أقول إن القبلاوى ألغى تماما تلك الحسبة السياسية، لا صوت يعلو على صوت الفن، هذا لا يعنى بالمناسبة أن ننحى السياسة جانبا، نتائج المهرجان يجب أن يظل لها منطقها الفنى.

(مالمو) برغم أنه لا يملك إمكانيات مادية ضخمة، إلا أنك تلمح اسمه سنويا داعما فى إنتاج أهم ما تقدمه السينما الغربية من أفلام تحصل على جوائز عالمية، وتشارك فى أهم وأكبر المهرجانات الدولية، هذا يعنى أن المهرجان فى كل اختياراته لا صوت يعلو فيه على صوت الفن.

السينما العربية ستجدها أيضا فى العديد من المدن السويدية، ناهيك عن عروض فى عدد من المدارس والجامعات.. من (مالمو)!!