
رأي خاص لـ “بصراحة”: في لحظات الانكسار الكبرى، حين تتحوّل البلاد إلى مساحة مفتوحة للقلق والخوف، يصبح كل تفصيل موضع مساءلة… حتى الغناء.
هل يحقّ للفنان أن يقف على المسرح فيما بلده ينزف؟ أم أن الصمت يصبح، في تلك اللحظة، الشكل الأصدق للتضامن؟
في البدايات، يبدو الجواب بسيطًا، بل شبه بديهي.
يصمت الفنان. ينسحب من الضوء. يختار أن يكون واحدًا من جمهوره، لا أمامه. فقبل أن يكون نجمًا، هو إنسان. وقبل أن يكون صوتًا يُطرب، هو قلبٌ يتألم. يشعر أن الغناء، في ذروة الألم، قد يبدو نشازًا في حضرة الفقد.
لكن الحروب، للأسف، لا تُقاس بالبدايات… بل بمدى قدرتها على الاستمرار.
ومع امتداد الزمن، يتبدّل السؤال، أو بالأحرى، ينكشف عمقه الحقيقي:
هل يُطلب من الحياة أن تتوقّف؟ وهل يُطلب من الناس أن يجمّدوا أدوارهم إلى أجلٍ غير مسمّى؟
الفنان، في نهاية الأمر، ليس كائنًا معلّقًا خارج الواقع. هو عامل في مهنته، تمامًا كأي مهندس، أو طبيب، أو موظف.
المهندس، حين تضرب بلده كارثة، قد يتوقّف أيامًا، ربما أسابيع… لكنه يعود. ليس لأن الوجع انتهى، بل لأن الحياة تفرض إيقاعها. لأن لديه موقعًا يجب أن يحافظ عليه، وعائلة تنتظر، والتزامات لا تؤجَّل.
حتى الحزن الشخصي، في أقسى تجلياته، لا يمنح الإنسان ترف التوقّف الطويل. من يفقد عزيزًا، يُعطى مهلة قصيرة ليلملم نفسه، ثم يُطلب منه العودة. قاسية هي الحياة، نعم… لكنها لا تعرف الانتظار.
فكيف بالفنان؟
ذلك الذي لا يحمل مسؤولية نفسه فقط، بل شبكة كاملة من البشر: فرقة موسيقية، تقنيون، إداريون، عائلات تعيش من هذا العمل. كيف يُطلب منه أن يطفئ مصدر رزقهم جميعًا إلى أجلٍ مفتوح؟
ثم هناك ما لا يُرى: العقود. الالتزامات القانونية. البنود الجزائية التي قد تحوّل قرار الإلغاء إلى خسارة فادحة.
قد يستطيع الفنان أن يعتذر عن حفلة، أو اثنتين، أو حتى ثلاث… لكن ماذا بعد؟ إلى متى يمكنه أن يدفع ثمن التوقّف، ماديًا ومعنويًا؟
هنا، يصبح اللوم سهلًا… لكنه غير عادل.
لأن السؤال الحقيقي ليس: لماذا عاد الفنان إلى الغناء؟
بل: كيف يمكن لإنسان أن يعلّق حياته بالكامل، بينما العالم من حوله، رغم كل شيء، يستمر؟
والأهم، أن الوطنية لا تختصر بالصمت.
الصمت موقف، نعم… لكنه ليس الموقف الوحيد.
قد تكون الوطنية، أحيانًا، في رفع الصوت لا في خفضه. في تحويل المسرح إلى مساحة تذكير، لا مساحة نسيان. في أن يحمل الفنان وجع بلده معه إلى كل مدينة، إلى كل جمهور، إلى كل منصة، ويقول: هنا بلدٌ يتألّم… فلا تنسوه.
بل ربما، في زمن الانهيارات، يصبح الاستمرار بحد ذاته فعل مقاومة.
أن تعمل، أن تنتج، أن ترفض السقوط الكامل… هذه ليست خيانة للوجع، بل طريقة أخرى لمواجهته.
الفنان الذي يغنّي بعد الحرب، لا يعني بالضرورة أنه نسي.
قد يعني فقط أنه قرر أن يعيش رغمًا عنها. أن يحمي من حوله من الانهيار. أن يمدّ خيطًا رفيعًا بين الألم والأمل.
بين الصمت والغناء، لا توجد إجابة واحدة صحيحة.
لكن المؤكد أن الحكم السريع، في زمن معقّد، غالبًا ما يكون أبسط من الحقيقة… وأقسى منها.
ولا يجب أن ننسى أن بعض الفنانين اختاروا طريقًا مختلفًا في زمن الأزمات.
لم يصمتوا، لكنهم غيّروا ما يغنّونه… فاتجهوا إلى الأغاني الوطنية والتضامنية التي تعبّر عن وجع الناس وقضيتهم.
هذا أيضًا فن، لكنه فنّ يحمل رسالة.
فنّ لا يهرب من الواقع، بل يواجهه… ويحوّل الصوت إلى موقف.
