يمنح زياد الرحباني حضنًا دافئًا وحنونًا لكل لبناني بمسرحياته، خاصة اليوم، في هذه الحرب، ومن خلال عرضي “فيلم أميركي طويل” (1980) و”بالنسبة لبكرا شو؟” (1978) في سينما “متروبوليس”.
يعطيهم شعورًا صادقًا وعميقًا بأنهم ليسوا لوحدهم وأنهم غير متروكين، وهناك، في مكان ما، شخص كزياد، كان قد فكر فيهم، بأوجاعهم، بجروحهم، بانكسارات قلوبهم، وأرواحهم المرهقة.
زياد يلمس الوجع ويضمد الجراح بذكاء لامع وضحكة تأتي من حزن عميق وجراح لا تزال تنزف.
كيف يعني أن يقبل زكريا (زياد الرحباني) أن تعمل زوجته ثريا (نبيلة زيتوني) ما تعمل، لتأمين حياة عادية، ولا حتى كريمة، في العاصمة بيروت، لأولاده. “عم جرب بيتنا نقعد فيه مش نهرب منه” تقول ثريا، كما هو حال اللبنانيون مع بيوتهم ووطنهم.
يدوس على كرامته بقبوله بعمل زوجته “البراني”، وبتحمّل إهانات الزبائن السكارى ومعاملة أرباب عمله الاستغلالية. يقول لنجيب (رفيق نجم): “الفقر بفزع يا نجيب”.
فعلًا وما “يفزّع” أكثر التهجير والفقر. تنظر إلى الخيم “المفلوشة” في البيال والزيتونة في واجهة بيروت البحرية. ترى المهجّرين قصرًا يجلسون في العراء أمام الحطب الذي أشعلوه. كيف ينامون؟ كيف يغتسلون؟ كيف يتّقون المطر ورياح الشتاء والبرد؟
“قَطعِة شارع” تبعدهم عن حياة أخرى، بمياه ساخنة وبيوت “مرتبة” وكهرباء لا تنقطع، وأبواب موصدة لا تخترقها رقة إنسانية ولا تعاطف وطني.
لم يعرف زياد وقتها، عندما ذُكر في افتتاحية “فيلم أميركي طويل” ملاحظة الانتباه لهدير الطائرات المدنية (بما أن المصح النفسي يقع في الضاحية الجنوبية)، أن المشاهدين اليوم في صالة متروبوليس، يسمعون “زنة” ال MK التي تخرق جدرانها، مضيفة بُعدًا آخر لموسيقاه. علمًا أن رشيد (زياد الرحباني) يعاني من تلك الزنة التي لا يعرف مصدرها لكنه “تعايش” معها بالتي هي أحسن.
إن حدثت غارة سيسمعها المشاهدون بالتأكيد. لكن إلى أين الهروب؟ كيف ينجون؟ وما هو المكان الأكثر أمانًا؟ كانت مربعات أفيخاي أدرعي الحمراء “محصورة” في ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان، إلى أن “انفلشت” على وسع الضاحية وأحيائها. وامتدت إلى بيروت حتى أصبحت تحت النار، ماذا بعد؟ إلى أين المفر؟ يأتي جواب بسؤال هزلي: “البحر أمامكم”؟ (عنوان فيلم (2021) للمخرج إيلي داغر).
السينما التي أعادت فتح صالاتها بأفلام تحاكي حرب لبنان القائمة، التي إن تعبّر عن شيء، فهو التعاطف وأنها ترى وتشعر وتدرك مشاعر الشعب، أو أقله، جزءًا منه، وتعكسهم باختيارها للأفلام التي أدرجتها في برمجتها (مسرحيتي زياد و”هل تحبني؟” (2025) للمخرجة لانا ضاهر).
رغم أن توقيت متروبوليس لعرض فيلمي المسرحيتين لم يكن مقصودًا، لكنه أتى مناسبًا تمامًا مع الحرب الإسرائيلية على الوطن. كانت الجمعية قد طلبت من شركة “أم ميديا” من تموز 2025، بعد وفاة زياد، فيلمي المسرحيتين. لم تكن رحلة سهلة لهم لأن الشركة لم تعد موجودة وكان يجب ملاحقة الشركاء والأرشيف وتجميعه ومراجعته. يقول بديع مسعد، أحد أعضاء فريق البرمجة في متروبوليس، أن من يعرف مسرحيات زياد من خلال السمع سيلاحظ نقصًا في بعض المقاطع أو أن الفيلمين يتجاوزان بعض اللقطات. يعود ذلك لنقص مقاطع الفيديو التي قامت شقيقة زياد، ليال الرحباني، بتصويرها. كما يستذكر بديع مسعد أن زياد ذكر في أحد مقابلاته أنهم قاموا بتصويرها لمراجعة أداء الممثلين وتصحيحها.
بفرح تقول نسرين وهبة، أحد أعضاء فريق البرمجة في متروبوليس، أنهم لم ينشروا برمجة السينما بعد إقفالها قصرًا لمدة أسبوعين بسبب الحرب، إلا بعد وصول الفيلمين إلى صالة العرض. وأعلنت السينما برمجتها الجديدة حيث أنهم كانوا يهدفون لتقديم عروض تحاكي واقع اللبنانيين وتختلف عما تقدمه باقي دور السينما.
نفذت بطاقات العرض في العروض الأولى لفيلمي زياد. الجمهور ضمّ كل الفئات العمرية إجمالًا، وأجيالًا لم “يجايلوا” زياد. يعلّق كلًّا من وهبة ومسعد أن بعض الجمهور، بالإضافة إلى الضحكات، كانوا يصفقون ويغنون في صالة العرض.
متروبوليس، كما كانت على عهدها وما زالت، تؤمن بفعل المقاومة الثقافية وأهمية استمراريتها خاصة في هذا الوقت الذي تجد أنه “يتطلب التفكير وإعادة النظر أكثر من أي وقتٍ مضى”. لذا تقدّم أفلامًا تعيد إحياء ذاكرة جمهورها لأحداث تتكرر و”البحث عن فسحة أمل رغم كل شيء”.
يدور لبنان في حلقة مفرغة في تكرار السيناريو الذي يخوضه والذي توقعه زياد منذ 45 سنة. فـ”الفيلم الأميركي الطويل” الذي ما زال يعيشه لبنان لم ينته بعد ولا يبدو واضحًا متى ينتهي.
ما يحزّ في القلوب هو قلة التعاطف الإنساني بين اللبنانيين أنفسهم. فالإيجارات التي يطلبها السماسرة، المالكون، والشركات العقارية، خيالية نظرًا للحرب القائمة. “شي متل الكذب” كما يدعي مسيو “أنطوان” (الراحل بطرس فرح) أمام رشيد، ويتحايل بأسباب ركيكة تبرير عدم قدرته على تقديم الزودة لزكريا وثريا. يبرر السماسرة والشركات العقارية عدم قدرتهم على مراعاة ظروف الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي بأسباب هزيلة أيضًا، كعدم موافقة المالكين على مدة الايجار أو عدم توافق طلب المستأجر مع شروطهم، كدفع الإيجار شهريًا دون دفعات سلف ل3 و6 أشهر. فكيف يتأمل اللبناني، الذي ترك بيته قصرًا ويعيش في خيمة تطل على البحر من أمامه، بأن “بكرا أحلى”؟ أو يجد أمانًا في وطن لم يعد يشعر أنه مواطن فيه وأن الدولة تخلّت عنه.
تتعامل الدولة اللبنانية مع الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان و”اللبنانيين واللبنانيات” الساكنين فيهما كأنهم أغراب، أو كأن تلك المناطق غير لبنانية وليست ضمن حدود وطن الأرز العتيد.
كما كان يبرر زكريا لنجيب عمل ثريا “البراني” له: “ما حدا عارف انو أنا جوزا”، ردّ عليه نجيب:” ما حدا عارف مزبوط، بس إنت عارف”.
هل تعلم الدولة اللبنانية أن ضاحية بيروت الجنوبية أرض لبنانية؟ والجنوب كذلك؟ يبدو أن حالتها عكس حالة زكريا، فالكل يدري ذلك، لكن الدولة لا تدل تصرفاتها وكيفية معالجتها للحرب القائمة على أن هذه الأراضي لبنانية ولا أن ساكنيها مواطنون لبنانيو الجذور والهوية والانتماء.
فبالنسبة لبكرا شو؟ متى ينتهي هذا الفيلم الأميركي الإسرائيلي الطويل؟ والأهم، من سيفوز بأوسكاراته؟
لم تعلم الراحلة ليال الرحباني (1960 – 1988) أن بتسجيلها لإبداعات زياد، ستمنح اللبناني بعد كل هذا الوقت ومرور الزمن، إحياءً لذاكرة بصرية شخصية وجماعية عن واقعه الذي لا يتغير. المادة الفيلمية للمسرحيتين جوهرة إبداعية، فكرية، ثقافية، إنسانية، وصمود أمام الدمار الشامل للأرواح والفكر والهوية والبيوت والقرى وشجر الزيتون والتراب الذي يسلبونه الحياة ونعمة منحها. أسقطت الراحلة ليال بكاميرتها عيونًا ورؤية على ما حفظه اللبنانيون، سمعيًا، من مسرحيات زياد. يشاهدونه ممثلًا محترفًا مع طاقم الممثلين معه بأدوارٍ يكونونها ولا يؤدّونها. المادة الفيلمية بنسختها ال 8 ملم المرممة ولقطاتها المهتزة أحيانًا وغير الواضحة أحيانًا أخرى، تشكل وثيقة ثقافية فنية “ناجية” (من الثمانينات) لا تقدّر بثمن، وسط كل هذا الدمار والانهيار والخسارات التي لا تنتهي.
