في تماسك مجتمعي وتلاحم بين مختلف شرائحه يوثق الفنانون والكُتّاب في الإمارات المرحلة الحالية، وما شهدته من أحداث وتحديات وتوترات إقليمية، وما تخللها من اعتداءات إيرانية إرهابية سافرة، عبر مزيج من المبادرات الوطنية، والأعمال الفنية، والمنصات الأدبية، التي تهدف إلى ترسيخ الهوية الوطنية، وتعريف الجيل الجديد بقوة الوطن وتكاتف أفراد مجتمعه.

ويستلهم الفنانون والكتّاب نشاطهم الإبداعي في هذا المجال من عزيمة الوطن وقيادته الحكيمة في الإمساك بزمام الأمور، والحرص على ضمان تكاتف كل الجهات المختصة والمعنية بكفاءة لا نظير لها في التصدي لأشكال العدوان الغاشم على أراضيه، لأجل تمكين استتباب الأمن، والمحافظة على سير الحياة بشكلها الطبيعي والمعتاد.

«حبس الشعور»

ويلفت الفنان مطر بن لاحج، صاحب الأعمال التي ترتبط بالوطن والهوية الوطنية، إلى أسلوبه الخاص وتقنية «حبس الشعور»، في التعامل مع المواضيع الإبداعية، ويتحدث عن طريقته التي تعامل فيها مع الأحداث التي مرت بها المنطقة، فقال: «بالنسبة لي فأنا أحب أن أحبس شعوري في إطار، الأمر يشبه عملية «حبس الضوء»، التي يقوم عليها عمل الكاميرا، لذا فإنني أحب أن أحبس الفكرة الأجمل والأقوى، وهي تتعلق بحماة الوطن».

وأضاف: «مشاعرنا جميعاً نحو حماة الوطن وتضحياتهم لا يمكن اختزالها في مفردات تصف جياشتها، إذ لا أجمل من أن يخلد الواحد منا إلى فراشه مطمئن البال وينام قرير العين، لأنه يدرك أن هناك أعيناً ساهرة على أمن الوطن وأهله، ففي التضحيات التي يبذلها حماة الوطن تتجلى أسمى صور الإيثار».

وتابع بن لاحج، الذي يشير إلى أنه كونه فناناً يميل إلى التعبير عن مشاعره بالرسم والنحت: «حماة الوطن هؤلاء الذين يؤكدون لنا كل يوم أنهم موجودون لأجلنا، وأجل بلادنا، هم اللقطة التي أريد أن أحبسها وأخلدها في إطار، فأنا أعكف حالياً على إنجاز عمل فني يتعلق بهذه الحالة التي تمثل لي حالة شعورية نبيلة، تستحق الإنجاز».

«معنى للحياة وسط الضجيج»

من جهته، قال الإعلامي والكاتب ظاعن شاهين: «كوني أديباً كنت أعيش هذه المرحلة بكل تفاصيلها، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، لكنني لم أتعامل معها بوصفها حدثاً عابراً، بل كونها حدثاً مفتوحاً على أسئلة الحاضر، وزمن تتسلل فيه الحكايات، بكل تناقضاتها، إلى تفاصيل الحياة اليومية، عشت هذه السرديات كوني إنساناً أولاً، ثم كتبتها حكاية ورواية وشعراً، وككاتب لا أحاول أن ألتقط ما لا يقال مباشرة، بل ما يتخفى خلف الأخبار والعناوين».

وأضاف: «وأرى أن امتدادات الحروب لا تبقى في حدود ما تبثه نشرات الأخبار، بل تتغلغل إلى داخل الإنسان: إلى لغته، إلى صمته وصخبه، إلى طريقته في النظر إلى الغد، حتى التفاصيل الصغيرة، التي كانت تبدو عادية في السابق، تكتسب معنى آخر، ففنجان القهوة، والمكالمة العابرة، ولحظات الانتظار، كلها تصبح محملة بإحساس خفي بالترقب».

وتابع: «أكتب وأنا أعيش حالة مركبة من الترقب، بين واقع تمضي فيه الدولة بثقة نحو المستقبل، ضمن رؤية واضحة واستقرار ملموس، وبين إحساس إنساني يظل يقظاً لما يدور في محيطه الإقليمي والعالمي، هذا التداخل بين الطمأنينة والقلق لا أراه تناقضاً، بل مساحة خصبة للكتابة، لأنه يكشف هشاشة الإنسان وقوته في آنٍ معاً».

واستطرد شاهين: «في زمن الحروب لا نُطالَب فقط بتوثيق الوقائع كما حدثت، بل برصد أثرها العميق على الإنسان: كيف يتغير إيقاع الحياة دون أن نشعر، وكيف يصبح التأمل أكثر حضوراً، وكيف يتمسك الناس بتفاصيلهم اليومية البسيطة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، أو ربما شكلاً من أشكال الإيمان بالاستمرار.

إن ما يعنيني كوني كاتباً ليس الحدث بحد ذاته، بل ما يتركه في الداخل، في اللغة حين تصبح أكثر حذراً أو أكثر صدقاً، في العلاقات حين تزداد هشاشة أو عمقاً، وفي الأحلام حين تتراجع قليلاً لتفسح المجال للواقع، ثم تعود لتصر على البقاء.

ولأجل الأجيال القادمة أرى أن مسؤوليتنا لا تقتصر على تدوين الوقائع والأحداث، بل أن نبين لهم كيف عشنا تلك اللحظات بكل تناقضاتها؛ وأن ننقل لهم ليس فقط صورة المرحلة، بل نبضها الإنساني: كونه إنساناً يواجه التوتر واللايقين، لكنه لا يتخلى عن حلمه، ولا عن قدرته على المضي قدماً، ولا عن إيمانه بأن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُعاش، بهذا المعنى، ما أكتبه ليس عن الحرب بقدر ما هو عن الإنسان، حين يحاول أن يحافظ على إنسانيته في زمنٍ مضطرب، وأن يجد لنفسه معنى، ولو كان صغيراً، وسط كل هذا الضجيج».

وأوضح الدكتور طارق المنهالي، نائب رئيس جمعية الموسيقيين الإماراتيين، أن في لحظات التحول لا يكتفي التاريخ بتسجيل الحدث بل يوثق صوته، وهنا يأتي دور الفن والموسيقى بوصفهما ذاكرة حية تحفظ الشعور بكل التفاصيل.

وقال: «ما شهدته دولة الإمارات من اعتداءات سافرة لا يقرأ فقط سياسياً، بل يُحس ويتجلى زاهياً في عمق الهوية الوطنية الشامخة في التصدي للعدوان، ومن هذا المنطلق أصبح الفنان شاهداً وصانعاً للذاكرة، يحول اللحظة إلى لحن، والموقف إلى أغنية، والعزيمة والصمود إلى إيقاعٍ يُورَث للأجيال».

وأضاف المنهالي: «من هنا يمكن وصف المدرسة (الجيوموسيقية) رابطاً بين الموسيقى وجغرافيا المكان، تمنح هذا التوثيق بُعده الحقيقي، إذ لا تنقل الصوت فقط، بل تنقل روح الأرض وقيمه ومبادئه، وحين يعزف من الإمارات لحن ويغنى في الإخلاص لها شعراً، فإنه يحمل معه رسالتها الحضارية إلى العالم».

وتابع: «تجسد ذلك في مشاركتي مع المقيمين على أرض الدولة من خلال أعمال مثل «بلد الإنجازات» و«كلنا نفدي ترابك»، حيث أكدنا أن من يعيش على هذه الأرض يشاركنا الانتماء والولاء، وأن الهوية الإماراتية ليست حدوداً جغرافية فحسب، بل شعوراً يُعاش ويُعبَر عنه بالفن.

نحن لا نحدث الأجيال القادمة عن حدث عابر، بل نعرفهم على موقف حازم أن الإمارات ثابتة في قيمها، وأن الفن فيها حاضر في الصفوف الأولى، يعزف الكرامة ويغني السيادة».