من الأحداث السينمائية المهمة على شاشة التلفزة هذه الأيام، إعادة عرض الفيلم الإيطالي “الرز المر” الذي غاب عن الشاشات طويلاً، حتى وإن لم يغب ذكره حيناً بين الأفلام/العلامات في تاريخ الفن السابع الإيطالي، أو في تلك الشرائط التي همها أن تتحدث عن نجوم السينما وتاريخهم المنقضي منذ عقود، أو وهذا الأكثر تداولاً، بوصفه أحد الأفلام المؤسسة لما سيسمى لاحقاً “الواقعية الجديدة” التي يقول تاريخها الرسمي إنها بدأت مع أفلام روبرتو روسليني لما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما يحتج آخرون بأنها بدأت مع فيتوريو دي سيكا وتشيزار زافاتيني وفيلمهما الأيقوني “سائق الدراجة”.

والحقيقة أن كل هذه الشرائط متزامنة، أي ظهرت في حقبة واحدة، وكلها كانت عبارة عن انتفاضة سينمائية ضد أفلام التلفونات البيضاء وسينما النظام الفاشي، ولكن كذلك ضد النمط الهوليوودي السينمائي الذي عاد إلى أوروبا مظفراً مع الجيوش الأميركية في ذلك الحين، حقبة واحدة وغايات متشابهة.

ولكن يبقى “الرز المر” الفيلم الأكثر إثارة للحيرة حتى اليوم، ومن ثم الأكثر انتظاراً للتصنيف النهائي القاطع، حتى ولو سلمنا بأن ثمة اليوم من يهتم بمثل هذا الأمر والنقد ينحدر كما السينما نفسها في كل مكان في العالم.

فهل نستنتج أن تصنيف “الرز المر” بات مستحيلاً، وما علينا سوى الاكتفاء بانتهاز مناسبات عرضه للاستمتاع به وإبداء بعض التحسر على زمن الأفلام الأكثر جدية والنجوم الأكثر بريقاً والأحلام التي باتت من مخلفات الماضي؟

silvana mangano.png

سيلفانا مانغانو في مشهد من الفيلم (موقع الفيلم)

“نساء الشعب لسن قبيحات”

الحقيقة أن هذا الفيلم الذي حققه جوزيبي دي سانتيس عام 1945 أي ما إن خرجت بلاده الإيطالية من الحرب والفاشية، يجمع تلك الأبعاد الثلاثة معاً، فهو يقدم موضوعاً جدياً، ويضع موضوعه وصورته الجميلة وموسيقاه وأغانيه البديعة، كالعادة في تلك الأزمنة، لخدمة نجمة رائعة ستؤكد من بعده جدارتها القصوى، لكنه في الوقت نفسه سيكون واحداً من تلك الأفلام التي تدغدغ أحلام المتفرجين في أسمى معانيها: أحلام تدور من حول جمال فتيات الشعب العاملات وعلى رأسهن، تلك النجمة التي كان “الرز المر” أول انطلاقتها وخطوتها الأولى على طريق خلق نجمة على النمط الهوليوودي.

ونتحدث هنا عن سيلفانا مانغانو التي يؤكد كل ما في الفيلم أنه إنما صنع من أجلها أولاً وأخيراً، والحقيقة أن كل الذين يتذكرون الفيلم يكادون يجمعون على أنهم يتذكرون منه في المقام الأول إطلالة تلك الفاتنة بثياب العمل في حصاد الرز في حقول البو الشمالية وسط جمع من صويحباتها وقد غمر الماء الذي يملأ الفيلم ثيابهن وسيقانهن. لا شك أن تلكم هي حال ذلك النوع الحقيقي من العاملات في زراعة الرز، ولم يفتئت الفيلم على الحقيقة ليضخمها أو يجملها. ومع ذلك يبدو الأمر كما لو أن ثمة في الأمر لعبة ما، لعبة تجعل فتيات الشعب العاملات بسراويلهن القصيرة وصدورهن المنتفخة وابتساماتهن الواعدة، على غير الصورة البائسة التي نسبها عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو يوماً في كتابه “بؤس العالم” لبنات الشعب، قائلاً إن من المحزن أن يجعل المجتمع فتيات الشعب قبيحات. يومها ردت عليه كاتبات كثيرات مؤكدات له أن “فتيات الشعب لسن أبداً قبيحات أيها العالم الجليل”، ولقد فاتهن يومها على أية حال أن ينصحنه بمشاهدة “الرز المر” لعله يغير رأيه!

poster.jpg

بوستر “الرز المر” (موقع الفيلم)

حكاية بوليسية وكوميديا غنائية

لكن سيلفانا مانغانو ومهما كان افتتاننا بها لم تكن كل ما في “الرز المر”، ففي الفيلم أيضاً حكاية وحبكة وفيه موضوع اجتماعي وصورة لنضالات عمالية حقيقية في مناطق الشمال الأوروبية تكاد تناقض الصورة المعهودة عن “ثراء الشمال” و”فقر الجنوب” في ذلك البلد.

ومع هذا يمكن أن نؤكد أن توضيح ذلك الأمر لن يكن هدف مخرج الفيلم، بل إنه سيقول بنفسه لاحقاً إنه لم يكن ليخطر له في بال أنه يحقق فيلماً نضالياً أو طبقياً، بل إن ما استهواه هنا، إلى جانب إمكان اكتشاف نجمة جديدة إنما كان الحكاية التي استقاها من أحداث حقيقية لن تكون ذات أهمية كبرى على أية حال: حكاية وصيفة في فندق تسرق عقداً تفترض أنه غالي الثمن بالتواطؤ مع عشقها لينضما وقد هرباً إلى مجموعة من عاملات ينقلن بالقطار إلى حيث يشتغلن في زراعة الرز في مناطق مغمورة بالماء، بيد أن واحدة من العاملات وهي سيلفانا بالتحديد تسرق العقد، فيقرر عشيق السارقة الأولى إغواءها كبديل عن حبيبته، لكنه وسيلفانا سرعان ما يكتشفان أن العقد مزيف فيضع خطة أخرى تقضي بإغراق الحقل بالماء لخلق فوضى عامة تمكنه مع سيلفانا من التسلل لسرقة الأموال التي يفترض أنها ستوزع على العاملات بعد انتهاء العمل، لكن الشرطة سرعان ما تكتشف الخطة وتدخل قابضة على اللص بينما تنتحر سيلفانا خوفاً ويأساً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما وراء الحكاية

واضح أن ما لدينا هنا حكاية ميلودرامية تكاد تكون بوليسية مليئة بتبسيطية تكاد من ناحيتها تكون ساذجة، غير أن المهم في هذا الفيلم ليس هنا، وهو أمر أشرنا إليه منذ أول هذا الكلام. المهم هو أن المخرج، الذي هو أيضاً كاتب السيناريو شراكة مع أربعة من معاونيه، اشتغل على تلك الأحداث الميلودرامية وغير المقنعة بما فيه الكفاية، في تقلباتها وتتابعها على أية حال، من منطلق كون فيلمه أقرب إلى أن يكون وثائقياً ومجرد خلفية لمناخ صوره بأجمل وأقوى ما يكون، ولا سيما من خلال تفرس الكاميرا طوال الفيلم تقريباً في جمال سيلفانا مانغانو، وبالتحديد بناءً على رغبة المنتجين الذين كانوا قد آلوا على أنفسهم إطلاقها بقوة.

ومن هنا كثرت في الفيلم الأغنيات الشعبية ومشاهد الرقص، بل حتى تلك اللقطات التي ومن خلال “محاولتها” رصد معاناة العاملات في العمل الشاق الذي يقمن به في تلك المناطق المغمورة بالمياه، أبدعت في التقاط حسنهن ومكامن الإغراء التي قد تبدو اليوم شديدة العادية بل لعبة أطفال في زمن أفلتت فيه الصورة السينمائية من عقالها، لكنها كانت تعني كثيراً في تلك الأزمنة المبكرة.

وعلى هذا الصعيد يمكننا القول إن المهمة لم تكن مستحيلة وبل تحقق للسينما الإيطالية فيلماً لن ينسى بسهولة، بل فيلم تمكن من خلال ما يقال عن “خلطة” مبدعة بين الأنواع، أن يخلق تلك الحيرة التي رافقت سمعة الفيلم وإحاطته بسحر غريب وغموض متقن، لا يمكن اليوم أن يجرؤ على نكرانهما حتى الذين استصغروا شأن الفيلم ورفضوا حسبانه ضمن الأفلام المؤسسة للسينما الإيطالية الواقعية الجديدة. علماً أن صناع الفيلم لم يتبنوا أبداً هذا الانتماء بل أعلنوا دائماً أنهم أرادوا من فيلمهم أن يحب ويبقى في الذاكرة إلى الأبد، وهو أمر تحقق لهم، من دون عناء.