عمل للفنانة هيدي عزت (صفحة غاليري مشربية على فيسبوك)
منذ انطلاقه عام 2016، لم يكن معرض “أشيائي المفضّلة” الذي يستضيفه غاليري مشربية في القاهرة أكثر من تجربة محدودة ضمت ثلاثة أسماء لفنانات شابات. غير أن هذا الإطار الضيق سرعان ما اتسع، من حيث عدد المشارِكات، والرهان نفسه. فـ”أشيائي المفضّلة” تحول إلى تقليد سنوي يشتبك مع رغبة مديرة الغاليري ستيفانيا أنغارانو لخلق مساحة مستدامة للفنانات الشابات.
اليوم يحتفل الغاليري بالعام الحادي عشر على تقديمه، بعرض أعمال لخمس وعشرين فنانة، معظمهنّ يشاركن للمرة الأولى. المعرض، الذي يتواصل حتى نهاية إبريل/ نيسان الجاري، يبدو كخريطة أولية لتجارب بصرية متباينة، تتوزع بين الرسم والتصوير، والتركيبات، والوسائط المختلطة، كما يضمّ أعمالاً تقترب من الحكي الشخصي أو السيرة الذاتية، من دون أن تقع في فخ المباشرة.
اللافت في المعرض، هو غياب الثيمة الجامعة بالمعنى التقليدي، فالعنوان نفسه، “أشيائي المفضلة”، يبدو أقرب إلى مدخل مفتوح، يسمح لكل فنانة بأن تعرّف الشيء المفضل وفق تجربتها الخاصة. قد يكون هذا الشيء جسداً، أو ذاكرة، أو تفصيلاً يومياً عابراً، أو حتى فكرة مجردة. هذا التنوع البصري يخلق نوعاً من الحوار غير المباشر بين الأعمال، حيث تتجاور التجارب من دون أن تتشابه.
أعمال 25 فنانة تتوزع بين الرسم والتصوير والوسائط المختلفة
تشتغل بعض الأعمال على استعادة اليومي بوصفه مادة جمالية، حيث تتحول الأشياء الصغيرة المهملة في سياق الحياة العادية، إلى عناصر دلالية داخل العمل الفني. يمكن التوقف، هنا، عند تجربة الفنانة فاطمة أبو دومة، التي تميل إلى التقاط تفاصيل منزلية عابرة، وإعادة صياغتها في تكوينات هادئة، تُحمّل الأشياء العادية بطبقات من المعنى. التفاصيل الصغيرة تتحول في أعمالها إلى حوامل لزمن شخصي، وإشارات إلى حالات من العزلة أو الألفة. في سياق قريب تشتغل الفنانة حبيبة الجزار على مفردات الحياة اليومية، لكن عبر معالجة أكثر حيوية وانفتاحاً. عناصرها تبدو كأنها التُقطت على عجَل، لكنها في الواقع محكومة بإيقاع بصري مدروس. ما تهتم به ليس المشهد، بقدر ما هو الإحساس العابر المرتبط به، ذلك الذي يمر سريعاً في الحياة اليومية، قبل أن يختفي من دون أثر، لتعيد اللوحة تثبيته مؤقتاً.
في هذه الأعمال، لا يعود الشيء المفضل مرادفاً للقيمة الجمالية التقليدية، لكنه يصبح ما يخص الفنانة وحدها، ما يتصل بتجربتها المباشرة، وما يشكل جزءاً من علاقتها بالعالم. وهو ما يمنح هذه الأعمال طابعاً حميمياً، من دون أن تقع في فخ الحكي الذاتي المباشر. في هذا السياق، يمكن التوقف عند تجربة الفنانة فريدة مهدي، التي تقدم في مشاركتها الثانية ضمن المعرض الجزء الثاني من مشروعها الفوتوغرافي “إحسان”. تتجه مهدي هنا نحو مساحة أكثر حميمية، حيث يصبح المنزل، بوصفه الأثر الأخير الباقي من الماضي، مسرحاً للذاكرة. تعتمد السلسلة على بورتريهات ذاتية تجمعها بجدتها، في صور ذات طابع توثيقي، لكنها تعيد تركيب العلاقة بين الجسد والمكان. تنجح مهدي هنا في تحويل الفوتوغرافيا إلى وسيط لاستعادة ما يتبقى من الذاكرة، وإعادة صياغته داخل صورة معاصرة.
في المقابل، تذهب أعمال أخرى نحو مناطق أكثر تجريدية، حيث يتراجع التمثيل لصالح اللغة البصرية الخالصة. هنا يبرز الاشتغال على اللون بوصفه بنية أساسية للعمل، كما في أعمال الفنانتين هناء جواد وآية الزواوي. في هذه الأعمال نرى مساحات لونية متداخلة، تتشكل عبر طبقات، تخلق نوعاً من العمق غير السردي، حيث لا يحيل العمل إلى موضوع محدد، لكنه يفتح المجال أمام إحساس داخلي تصعب ترجمته إلى كلمات. وثمة أعمال أخرى تميل إلى اختزال الشكل إلى خطوط وإشارات أقرب إلى الكتابة البصرية. هذا الاقتصاد في العناصر يخلق كثافة من نوع آخر، حيث يصبح كل خط أثراً لحركة أو فكرة، وكل فراغ مساحة للتأويل.
وبين هذين المسارين، استعادة اليومي والانحياز إلى التجريد، تتحرك بقية الأعمال في مناطق وسطى، تجمع بين الاثنين بدرجات متفاوتة. يظهر الجسد في بعض الأعمال مساحةً للتجريب وإعادة التشكيل، بينما تحضر عناصر معمارية أو إشارات إلى الفضاء المديني في أعمال أخرى، بوصفها خلفياتٍ أو بنى حاكمة للتكوين. ما يمنح المعرض تماسكه، رغم هذا التنوع، هو هذا الخيط غير المرئي الذي يربط بين الأعمال، وهو فكرة الاختيار الشخصي. كل فنانة تقدم ما تراه جديراً بأن يكون مفضلاً، بالمعنى الذي يتصل بتجربتها الفردية.
