في السنوات الأخيرة، لم تعد مسلسلات الرعب التقليدية تحظى بنفس الجاذبية التي كانت تتمتع بها سابقا، فمع تكرار الأنماط نفسها، أصابت حالة من التشبع الجمهور، الذي لم يعد يكتفي بالخوف السريع بقدر ما يبحث عن تجربة أكثر تعقيدا، ولهذا السبب -ضمن أسباب أخرى نتعرف عليها هنا- برز مسلسل “فروم” (From) بين أقرانه من مسلسلات الرعب.

انطلق “فروم” لأول مرة عام 2022، وينتمي إلى الرعب والغموض مع عناصر من الخيال العلمي، ومن بطولة هارولد بيرينو وكاتالينا ساندينو مورينو وإيون بيلي، وهو من تطوير جون غريفين، مع مشاركة في الإنتاج لعدد من صناع مسلسل “لوست” (Lost) الشهير، وعُرض منه حتى الآن 3 مواسم، ومن المنتظر عرض الموسم الرابع خلال أيام.

عالم مغلق وقواعد للبقاء

لا يركز مسلسل “فروم” على فكرة النجاة من الأخطار الخارجية فقط، بل يقدم على مدار حلقاته اختبارات مستمرة لقدرة أبطاله على التعايش عندما تنهار كل القواعد المعروفة للحياة.

تدور أحداث المسلسل داخل بلدة غامضة تحاصر كل من يدخلها، فكل مخرج منها يقود إلى طريق العودة إليها بطريقة غامضة، ويجد السكان أنفسهم مجبرين على ابتكار نظام حياة بديل، عبر مجموعة من القواعد الصارمة لضمان النجاة، وقيادة تحاول فرض نوع من النظام وسط الفوضى المستمرة، ويصبح الالتزام بهذه القواعد مسألة حياة أو موت، خصوصا مع تهديد الكائنات التي تظهر ليلا وتهاجم كل من يتهاون ويخرج للعلن.

هذا النظام، على صرامته، يظل هشا بطبيعة الحال، فمع وصول وافدين جدد باستمرار، تتجدد الفوضى، ويظهر التوتر بين نماذج الحياة المختلفة داخل البلدة، بين من يفضل الانضباط الصارم، ومن يميل إلى العيش بحرية نسبية.

الرعب كمدخل للأسئلة الوجودية

ومع تصاعد الأحداث من موسم لآخر، نجد أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين البشر والخطر الخارجي، بل امتد إلى الداخل، فنشاهد انقسامات بين الشخصيات، وقرارات أخلاقية معقدة، ومحاولات فردية لفهم ما يحدث بالخارج، حتى وإن كان الثمن تهديد تماسك المجتمع.

فيتحول المسلسل تدريجيا، على مر المواسم والحلقات، من قصة أشخاص عالقين إلى دراسة للصورة التي يعيد البشر عبرها تشكيل علاقاتهم وسلطاتهم تحت الضغط، والمواقف والتحالفات التي يضطرون إليها مع كل أزمة جديدة.

واحدة من أهم مزايا مسلسل “فروم”، والتي عززت من شعبيته، قدرته على توظيف عناصر الرعب كمدخل لطرح أسئلة عميقة تتجاوز حدود المخاطر التي تتعرض لها الشخصيات؛ فالمسلسل لا يعوّل فقط على التهديدات التي تمثلها الكائنات، بل يبني حالة مستمرة من القلق المرتبط بالمجهول نفسه، والشعور بأن العالم لا يخضع لقوانين مفهومة لعقلنا البشري، وبالتالي فإن كل محاولة لتفسير ما يحدث تفتح بابا لمزيد من الغموض.

فالرعب في المسلسل ليس مجرد خوف من كائن قاتل، بل من فكرة فقدان السيطرة التي يعيشها الأبطال، وتآكل الإحساس بالأمان، أو القدرة على التنبؤ بالغد، وهي الأشياء التي اعتمدت عليها الحضارة البشرية منذ بدايتها.

في هذا الإطار، تبدو البلدة أكثر من كونها موقعا للأحداث، بل نموذجا مصغرا لعالمنا المضطرب؛ فقد لا توجد كائنات شريرة خارج منازلنا، لكن هناك الحروب والإبادات والأزمات الاقتصادية، التي تجعل الغد مجهولا ومخيفا.

الغموض كأداة للنجاح

رغم أن مسلسلات الغموض عادة ما تعتمد على كشف الأسرار كجزء أساسي من جاذبيتها، فإن “فروم” يقدم نموذجا مختلفا للنجاح قائما على تأجيل الإجابات. هذه الاستراتيجية تبقي المشاهد في حالة ترقب، كما تدفعه ليصبح جزءا من التجربة نفسها، عبر محاولة تفسير ما يحدث وصياغة فرضيات خاصة به، ومن هنا نشأت حول المسلسل ثقافة نشطة من النظريات، حيث تتحول كل تفصيلة صغيرة، مثل مشهد عابر أو حوار غامض، إلى مادة للنقاش والتحليل.

انتقلت هذه النقاشات إلى مساحات رقمية واسعة، من أشهرها موقع “ريديت” (Reddit)، حيث يتشارك المتفرجون تأويلاتهم، ما يمنح المسلسل حياة إضافية خارج الحلقات. ومع كل موسم جديد، يوسّع المسلسل دائرة الأسئلة، فيعيد تنشيط هذا التفاعل ويمنحه زخما متجددا.

يُضاف هذا العامل إلى أسباب نجاح المسلسل، أي قدرته على خلق تجربة جماعية، يشعر فيها المشاهد أنه لا يكتفي بالمتابعة، بل يشارك في فك شيفرة عالم معقد. فالمشاهد، حتى في لحظات شعوره بأن الإجابات بعيدة أو مؤجلة، يظل متعلقا باللغز ذاته، مدفوعا برغبة ملحّة في الفهم، وكأن كل حلقة تحمل وعدا ضمنيا بأن الصورة ستتضح قريبا. وينبع هذا التعلق من الأحداث.

في المقابل، يظل هذا الأمل مصحوبا بقلق دائم من ألا تأتي الإجابات بالوضوح أو الإشباع المتوقع، وهو ما يخلق توترا خاصا داخل تجربة المشاهدة نفسها. لكن، هذا التوتر هو ما يمنح المسلسل جزءا كبيرا من جاذبيته، إذ يحافظ على توازن دقيق بين الإشباع والتأجيل.

إرث “لوست” الذي يلاحق “فروم”

ترتبط تجربة مسلسل “فروم” مباشرة بإرث مسلسل “لوست”، سواء من حيث البناء السردي القائم على الغموض، أو على مستوى الصناعة نفسها؛ إذ يشارك في إنتاج “فروم” عدد من الأسماء التي كانت جزءا من نجاح “لوست”، وعلى رأسهم المنتج المنفذ والمخرج جاك بيندر، الذي أخرج عددا من حلقات العملين، إلى جانب الكاتب جيف بينكنر، وهو ما يضع المسلسلين داخل نفس المدرسة التي تعتمد على فكرة “اللغز الممتد” كركيزة أساسية للسرد.

هذه الصلة لا تبدو مجرد تفصيلة إنتاجية، بل مفتاحا لفهم طبيعة التوقعات المحيطة بـ”فروم”، خاصة أن “لوست” من أوائل المسلسلات التي بنت نجاحها على خلق شبكة معقدة من الأسئلة والتأويلات، وجعلت الجمهور شريكا في محاولة فك شيفرتها.

غير أن هذه التجربة، رغم تأثيرها الكبير، انتهت بانقسام واضح في استقبالها، إذ رأى قطاع من المتفرجين أن النهاية لم ترتقِ إلى حجم الغموض الذي بُني عبر المواسم، ولم تقدم إجابات كافية ترضي الفضول الذي صنعه العمل على مدار السنوات، والذي غذّاه المتفرجون أنفسهم بشبكة التحليلات والنظريات التي احتلت وقتها المنتديات على الإنترنت وقنوات يوتيوب.

ولا يقتصر الربط بين العملين على مستوى الصناعة، بل يمتد إلى الوجوه أيضا، إذ يتصدر البطولة هارولد بيرينو، أحد أبرز نجوم “لوست”، وهو ما يعزز هذا الإحساس بالامتداد بين التجربتين.

ومع الإعلان عن تجديد المسلسل لموسم خامس وأخير، حتى قبل عرض الموسم الجديد، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيختار بها صُنّاعه إنهاء هذا العالم المعقد؛ هل ينجح في تقديم إجابات توازي حجم الأسئلة التي طرحها، أم يترك جزءا من غموضه مفتوحا كجزء من هويته؟

في كل الأحوال، يبدو أن “فروم” وصل إلى مرحلته الحاسمة، إذ لم يعد المطلوب فقط الحفاظ على جاذبيته، بل إثبات قدرته على الوصول إلى نهاية تليق برحلة طويلة من الترقب.