فاز يواكيم ترير بجائزة أوسكار لأفضل فيلم دولي لعام 2026 عن فيلمه “قيمة عاطفية”، وهو تأريخ عائلي يتميّز بعمق عاطفي وسردي مذهل. يحاول مخرج سينمائي في السبعينيات من عمره (ستيلان سكارسغارد) بصعوبة إعادة التواصل مع ابنتيه البالغتين (الممثلتان الرائعتان ريناته رينسفي وإنغا إبسدوتر ليلياس) من خلال فيلم على وشك تصويره، يستعين فيه بممثلة أميركية شابّة (إيل فانينغ). 

 

التتويج الأوسكاري كلّل مشواراً حافلاً للفيلم منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان كانّ السينمائي منتصف العام الماضي، حيث فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم. عند حديثه عن عمله، يشدّد السينمائي النرويجي على الصفات الاستثنائية للأشخاص الذين يعمل معهم: “في كل مرة أبدأ فيها فيلماً جديداً، أشعر بالتوتّر. يملؤني الشك حول النتيجة؛ أشعر وكأنني أحمق. لكن لحسن الحظ، لديّ إسكيل فوغت، شريكي في الكتابة ورفيقي الرائع. هذا فيلمنا السادس معاً”.

 

إذا كان هناك شيء واحد يتضح من حديث يواكيم ترير، فهو أن صناعة الأفلام جهد جماعي. في المقابلات، نادراً ما يُجيب على سؤال دون الإشارة إلى الأشخاص الذين يتعاون معهم أو الذين يشعر بالامتنان لهم. مثل هذه الإجابة على سؤال ما إذا كان نجاح فيلمه السابق قد أعاقه في إنجاز “قيمة عاطفية”: “قبل أن نبدأ مرحلة الكتابة، نقضي بضعة أشهر كلّ يوم في غرفة، منفصلين عن كافة التوقّعات الخارجية. نتأمّل في وضعنا الحالي في الحياة ونسعى لخلق شيء ذي معنى، شيء أستطيع التعايش معه خلال العامين القادمين، بينما أُنهي الفيلم”.

 

ومن المفارقات، أن ما حقّق له الشهرة العالمية قبل أربع سنوات لم يكن فيلمه “أعلى من القنابل” (2015)، الناطق بالإنكليزية والدائرة أحداثه في أميركا ويضمّ طاقم تمثيل دولي، بل فيلم “أسوأ شخص في العالم” (2021)، الدراما النرويجية التي تتناول جيل الألفية، والذي رُشِّح لجائزتي أوسكار. وهذا هو المسار الذي يواصله في “قيمة عاطفية”، حيث يسعى مخرج سينمائي تراجعت مسيرته المهنية إلى المصالحة مع بنتيه اللتين انفصلتا عنه منذ زمن بعيد. وذلك من خلال لغة الفنّ، بالطبع، التي يتقنها ببراعة تفوق لغة الحبّ.

 

يواصل ترير من خلال هذا الفيلم تعاونه الناجح مع الممثلة ريناته راينسفى: “أردتُ أن أُقدّم عملاً يجمع بين شقيقتين – هكذا بدأت الفكرة – وأردتُ أن تُجسّد ريناته دور الأخت الكبرى في هذا الفيلم. شخصية، على عكس دورها السابق، ناجحة للغاية وقد وجدت مكانتها المهنية، لكنها غير متأكّدة من موقعها في العالم. ريناتى ممثلة استثنائية. فهي تتمتّع بروح دعابة وجاذبية لا تُقاوم، ولديها أيضاً القدرة على التخلّي عن كلّ مظاهر الغرور والانطلاق إلى عوالم تُخاطر فيها، وتُعبّر عن مشاعرها، وتُطلق العنان لنفسها. هذا هو الفنّ”.

 

ويضيف المخرج: “لكن دعنا نتحدث أيضاً عن إنغا، ]إبدسدوتر ليلياس[ التي تؤدّي دور الأخت الصغرى. أليست رائعة؟ كانت لحظتي الكبيرة، التي لطالما حلمت بها، في العرض الأول للفيلم في “كانّ”. كان الجميع يصفّقون للفيلم، وكانت الكاميرا تصوّر الممثلين وطاقم العمل، ولحظة ظهور إنغا على الشاشة – التي لم يكن أحد يعرفها قبل الفيلم – انفجر التصفيق”.

 

الحديث عن الوجوه الجديدة يفضي إلى تأمّل في حال السينما: “الجميع يبحث دائماً عن المواهب الجديدة الرائعة. لكن عليك البحث في مكان آخر. انظر مثلاً إلى فيلم “هيّا هيّا” لمايك ميلز [2021]، وهو فيلم عن خال وابن أخته يسافران عبر أميركا. يصعب تسويق مثل هذه الأفلام لأنها لا تروي قصّة ملحمية أو تتميّز بأسلوب جديد كلياً. بالمناسبة، أنا معجب أيضاً بأفلام أخرى؛ مثل فيلم “منطقة الاهتمام” لجوناثان غلايزر [2023]. أُعجب به بالقدر نفسه. لكن هناك شيء ما في المخرجين الذين ينظرون إلى الأمور من منظورٍ إنساني ويحاولون إيجاد الدراما في تفاصيل الحياة اليومية، وهذا ما يُلهمني حقاٍ في الوقت الحالي”.

 

“المدن” التقت المخرج النرويجي قبل فوزه بجائزة أوسكار فكان الحوار التالي.

يدور الفيلم في منزل عائلي في أوسلو، شاهد على مرور الزمن وتاريخ عائلي يمتد لأجيال عديدة. كيف خطرت لك هذه الفكرة؟

أعتقد أنها خطرت عندما باعت عائلتي منزلاً في أوسلو، يشبه إلى حدٍّ كبير المنزل الذي ظهر في الفيلم. بناه جدّي الأكبر، وصمدت هذه الدار عبر القرن العشرين. ورغم أنها كانت منزل جدّي وجدّتي عندما كنت صغيراً، وسكنت فيها والدتي لفترة، إلا أنها بالنسبة لي كانت بيت طفولتي. كانت بمثابة شاهدٍ دائم على مرور الزمن وتاريخ عائلتي. راودتني فكرة أن المنزل يمنحنا منظوراً أوسع؛ فهو يذكّرنا بمدى سرعة مرور كلّ شيء. وبما أن هذا الفيلم يدور حول المصالحة والتسامح، فقد بدا لي مثيراً للاهتمام فكرة مرور الوقت بهذه السرعة؛ ألا يستحق الأمر في هذا السياق أن نسامح ونتصالح؟

 

شخصية غوستاف، وهو مخرج سينمائي، حريص جداً على تصوير أحد المشاهد الرئيسية في فيلمه بلقطة واحدة. ويصرّ على أهمية تزامن الزمان والمكان… هل هذا شيء يعجبك أيضاً في السينما؟

نعم، ولكن بصفتي أحد أبناء جيل إكس، أشعر أنني الوريث ما بعد الحداثي لأنواع مختلفة من السينما. نشأتُ وأنا أشاهد أفلام أندريه تاركوفسكي، وأُحبّ ذلك الإحساس بالحاضر الذي تتيحه هذه المصادفة. لقد وظّفتُها في أفلامي: مشهد نهاية فيلم “أوسلو، 31 أغسطس” عبارة عن لقطة واحدة متواصلة لتسع دقائق تقريباً. أُحبّ هذا الأسلوب حقاً، لكنني أيضاً متأثرٌ بآلان رينيه وأسلوبه الإخراجي الأكثر حريّة؛ كذلك فكرة استكشاف ذاتية الشخصيات عبر المونتاج، على غرار سينما سيرجي آيزنشتاين، تثير إعجابي بشدة. أنا في الواقع موجود في مكان ما بين هذين النهجين. غوستاف ليس أنا، لكن كان من الممتع جداً بالنسبة إلي تصوير مشاهد فيلمه، لأنه متمسكٌ باللقطة الواحدة، وبالإمكانية الرومانسية للانغماس في واقع الصورة.

وهل أسلوبه في إدارة الممثلة في فيلمه، التي تجسّدها إيل فانينغ، يشبه أسلوبك في العمل مع الممثلين في أفلامك؟

أعتقد أنه من الضروري مشاركة الكثير مع الممثلين. أحياناً تكون محادثاتي معهم شخصية للغاية وحميمية. وهذا يتيح لنا الخوض في قضايا عميقة ومعقدة، مما يُثري الدور. بالطبع، لا يوجد ممثل يماثل الشخصية التي يؤديها، لكن على كلّ ممثل أن يجد حقيقة الشخصية في داخله، وأعتقد أنني أشارك غوستاف رأيه بأن على كلّ شخص، بطريقة أو بأخرى، أن يجد حقيقته الخاصة. لكن، على عكسه، أؤمن بمسؤوليتي في تقديم إجابات وعرض وجهة نظري، والمشاركة في حوارات أعمق.

 

لماذا تُصوّر هذه الشخصية باستخدام الكثير من الظلال؟

نعم، رغم كونه ربّ الأسرة/الرمز البطريركي، قوياً ومرحاً في آنٍ، إلا أنه يحمل في داخله جرحاً عميقاً وتعقيداً، مرتبطاً بطفولته. صحيح أنه يريد التحدّث عن الظلال في عمله لأنها ربما تعكس حياته الداخلية. في الواقع، ستيلان [سكارسغارد]، على عكس غوستاف، شخص منفتح وكريم للغاية، وهذا التناقض يُضفي على الشخصية أبعاداً متعددة. لكن الفيلم يخاطب أيضاً، من خلال هذه الشخصية، جيلاً من الرجال غالباً ما يفتقرون إلى القدرة على التعبير عن مشاعرهم. إنها مشكلة كبيرة. أشعر أنني محظوظ لأنني نشأت في عالم التزلج [مارس المخرج التزلّج بكثرة في شبابه، حتى أنه شارك في بطولة وطنية – المحرّر]، حيث تعلّمنا أن نكون أقوياء، وألا نبكي، وما إلى ذلك، لكنني مع ذلك شعرت أن لي الحق في أن أكون عاطفياً، وأن أعبّر عن مشاعري. إذا لم ننفذ إلى مشاعرنا، نفقد القدرة على التواصل مع أنفسنا، وبالتالي مع الآخرين.

 

في محاولةٍ لإعادة التواصل مع بناته، يستخدم غوستاف أفلامه.

أعتقد أنه لا يعرف طريقةً أخرى. من المفارقات أن العديد من الفنانين يختلفون اختلافاً كبيراً في حياتهم الواقعية عمّا يُظهرونه في أعمالهم. أحاول فعل العكس، أن أبقى وفياً لفضولي الشخصي، لمشاعري، في فنّي. من الصعب فعل ذلك عند صناعة الأفلام، لكنني أتمتّع بامتياز العمل ضمن نموذج التمويل الأوروبي، حيث أملك حقّ القرار النهائي، وحيث أستطيع أن أشرح لمنتجيّ ومستثمريّ، بالتفصيل، ما أريد فعله، وحيث يحترمون ذلك ويسمحون لي بالعمل مع فريقي. إنه أمرٌ لا يُقدّر بثمن، لأن العديد من صانعي الأفلام مُجبرون على العمل في سريّة. قد يبدو هذا الكلام مبتذلاً بعض الشيء، لكن حريّة التعبير هي أيضاً حرية عدم الاضطرار إلى فعل ما هو متوقّع أو تجاري.

 

تناولَ فيلمك السابق، من بين أمور أخرى، مسألة إنجاب الأطفال من عدمه. في هذا الفيلم، تستكشف ما نتركه لأبنائنا، وما ننقله إليهم، وكيف. ولماذا؟

نعم، ما الذي يُورَّث، دون وعي، بصمت، وأحياناً بألمٍ، داخل الأسرة؟ أعتقد أن الفنّ قادر على إضفاء معنى على كلّ هذا؛ فهو يملك القدرة على المواساة والتسامح حيث تعجز اللغة أحياناً لأنها تدفعنا نحو المواجهة والجدال. لقد أصبح العالم عدوانياً ومُتصارعاً، بينما ما نحتاجه أن نصغي لبعضنا، وأن ننظر إلى بعضنا، وأن نكون لطفاء ومتواضعين. خطرت لي مسألة التوريث هذه أثناء كتابة الفيلم؛ إنه موضوع يشغلني كثيراً، خاصةً الآن بعد أن أصبح لديّ طفلان. أتساءل كيف أفعل ذلك. ما الصدمات القديمة التي يمكنني حمايتهم منها؟ ولكن أيضاً، ما الذي أدين به للماضي؟ كانت الحرب العالمية الثانية، في النرويج كما في بقية أوروبا، فترة عصيبة. في عائلتي، تأثرت بشدة بمشاركة جدّي في المقاومة. أتذكّر أنه عندما كنت طفلاً، تألّم كثيراً مما مرّ به، وقد ترك ذلك أثراً عميقاً في نفسي. اليوم، أنظر إلى أطفالي: هل هم أول جيل لن يضطر لمواجهة صدمات القرن العشرين بشكل مباشر؟ هذا ما أجده منعكساً في هذا الفيلم.

هناك مشهد قصير أعجبني كثيراً، يُري فيه غوستاف حفيده المفتون بعض الحيل البسيطة بكاميرا هاتفه.

أحبّ هذا المشهد أيضاً؛ فهو يُوحي بالأمل. جميع الأطفال بطبيعتهم يرغبون في الإبداع، وهذا سيتوقّف يوماً ما. لكن بعضهم سيستمرّ في الغناء والرقص والتصوير. علينا أن ننمّي هذه الموهبة في الأطفال.

 

وأنت، كيف تنقل حبّك للسينما إلى أطفالك؟

مؤخراً، عرضتُ على ابنتي ذات الأربع سنوات فيلم جاك تاتي “عمّي”. كان الأمر مضحكاً لأنها ضحكت في البداية. ثم، بعد فترة، ولأن الفيلم من إنتاج عام 1958، وربما تكون قصّته موجّهة للأطفال الأكبر سناً، قالت: “إنه مملّ بعض الشيء”. فقلت لها: “اصبري، سيعود ممتعاً بعد قليل”. وبعد خمس دقائق، عادت تضحك. وفي النهاية، سألتها إن كانت قد استمتعت به. فأجابت: “نعم، وخاصّة الكلاب [استعان جاك تاتي بحوالي عشرة كلاب من ملجأ الحيوانات للفيلم – المحرّر]!”. كما أنها تحبّ فيلم “الأزمنة الحديثة” لتشابلن وفيلم “جاري توتورو” لميازاكي. أعتقد أن الأهمّ أن نُعرّف الأطفال على تنوّع الأشياء في العالم.

 

من عرّفك على السينما في طفولتك؟

عائلتي. لديّ شرف كبير أن أنتمي لعائلة من صانعي الأفلام. كان جدّي مخرجاً [إريك لوشين، جدّ يواكيم ترير، أخرج فيلم “الصيد” الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان عام 1960]، وعمل والداي أيضاً في مجال السينما [كان والده مهندس صوت، ووالدته مخرجة أفلام وثائقية]. لذا فقد عرّفاني على الكثير من الأفلام. أتذكّر تحديداً فيلم “طرزان” مع جوني وايسملر. عندما كنتُ في الثامنة من عمري، اصطحبني والداي لمشاهدة فيلم “إي تي” ثلاث مرات في دور العرض عند عرضه [عام 1982]، وكنت أتوق لمشاهدته مرة أخرى. لقد كان رائعاً.

 

ما أول صورة خطرت ببالك عندما بدأت العمل على هذا الفيلم؟

من المثير للاهتمام أننا عندما نقول “أول صورة”، نتوقع صورة ثابتة، كصورة فوتوغرافية. لكن بالنسبة لي، الأمر ليس ثابتاً أبداً؛ بل أقرب إلى شيء ثلاثي الأبعاد، شيء متحرك. ديناميكية، لحظة، إيماءة، أو شعور، سأواصل العمل عليه أثناء التصوير ثم في المونتاج. أما من الناحية العاطفية، فأعتقد أن ذلك المشهد يأتي في نهاية الفيلم. إنه تلك النظرة المتبادلة بين الأبّ وابنته.