د. عبدالعظيم حنفي*
قد يشكل عام 2026 محطة مفصلية في تطور النظام التجاري العالمي، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق. وتؤدي سلاسل التوريد دوراً محورياً في تحديد توازنات القوة الاقتصادية. ترى دراسات اقتصادية أن التجارة الدولية تعد العمود الفقري للاقتصاد العالمي، الذي يؤثر في دول العالم والمتغيرات الاقتصادية في كل دولة. وتذكرنا تلك الدراسات بأن أنماط التجارة الدولية شهدت تطورات واضحة عبر العقود المختلفة، فمع النصف الثاني من عقد التسعينات من القرن العشرين شهد الاقتصاد العالمي شكلاً جديداً من التجارة الدولية هو سلاسل القيمة العالمية Chains Global Value (GVCs)، الذي تقوده الشركات متعددة الجنسيات وتدعمه المنظمات الدولية، ويتضمن تجزئة لمراحل المنتج مع مشاركة شركات متعددة في مناطق جغرافية مختلفة. وقد تباينت آراء الاقتصاديين بشأن تفسير هذا النمط الجديد من التجارة الدولية، الذي يستند على تجارة القيمة المضافة. فيرى البعض أن نظريات التجارة الدولية هي القادرة وحدها على تفسير أنماط التجارة الدولية الحالية، وأن سلاسل القيمة العالمية لا تعد نظرية مستقلة مفسرة لتلك الأنماط. بينما يرى آخرون أن تلك السلاسل تعد نظرية مستقلة، فهي القادرة وحدها على تفسير أنماط التجارة الدولية الحالية.
وكانت أبرز تطورات السياسة التجارية عام 2025 لم تكن تعريفات الرئيس دونالد ترامب الجمركية، بل رفض الحكومات الأجنبية الرد بالمثل. فعلى الرغم من أن هذا الامتناع يُعدّ الأمثل اقتصادياً، إلا أن السياسيين عادةً ما يتبنون سياسة الرد بالمثل لأسباب سياسية واستراتيجية. لذا، عندما حذت الصين وكندا فقط حذو ترامب في نهجه الحمائي، كان الهدوء النسبي نتيجةً غير معتادة، وإن كان مُرحّباً به. لكن هذا لا يعني أن الحكومات والشركات وحتى العديد من الأفراد ظلوا مكتوفي الأيدي، بل «ردوا» بطريقة أكثر ذكاء: من خلال تقليل اعتمادهم المستقبلي على الولايات المتحدة، التي تبنّت سياسات حمائية متزايدة منذ عام 2016 على الأقل – وهي حمائية، ويا للمفارقة، قد تُفيد الدولة التي كان من المفترض أن تُقيّدها التعريفات. وتتوقع مجموعة بوسطن الاستشارية استمرار هذا الاتجاه في السنوات المقبلة، حيث ستنخفض حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية من 12% في عام 2024 إلى 9% بحلول عام 2034 بسبب «السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب».
ويزيد العديد من الدول الأخرى تجارتها فيما بينها، بينما تقلل تجارتها نسبياً مع الولايات المتحدة. في عام 2025، ارتفعت الصادرات الهندية إلى الصين والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على الرغم من تأثير التعريفات الأمريكية المرتفعة سلباً في المبيعات في أمريكا. وحققت البرازيل وتشيلي والأرجنتين وبيرو أرقاماً قياسية في الصادرات، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى زيادة التجارة مع الصين وبقية دول العالم، وليس مع الولايات المتحدة. صحيح أن دول «الآسيان» لا تزال تُصدّر كميات كبيرة إلى أمريكا، لكن غالباً كجزء من سلسلة توريد آسيوية تعتمد على المدخلات والاستثمارات الصينية. واليوم، تقود التجارة بين الدول النامية، خاصة في شرق آسيا وإفريقيا، نمو التجارة العالمية، بينما تعاني أمريكا الشمالية وأوروبا من الركود.
ولا تزال الولايات المتحدة اقتصاداً ضخماً، بالطبع، ولم تحذُ جميع الأسواق حذو الصين. لا تزال كندا والمكسيك تعتمدان على الاقتصاد الأمريكي، وهما مندمجتان بشكل كبير في سلاسل التوريد في أمريكا الشمالية. ولا يزال الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يُتاجران بكميات كبيرة من السلع والخدمات مع الولايات المتحدة، وبمستويات أعلى مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. مع ذلك، حتى هذه الأسواق تشهد بعض التحولات الطفيفة: فمثلا,مبيعات النفط الكندية إلى الصين تشهد ازدهاراً ملحوظاً (وتتجه لاحقاً نحو الهند)، بينما يقضي السياح الكنديون عطلاتهم في أماكن أخرى في إطار انخفاض أوسع نطاقاً في السفر الدولي إلى الولايات المتحدة. وقد استأنفت الشركات الألمانية استثماراتها في الصين، وأوقفت التوسع في فروعها الأمريكية، ويعود ذلك جزئياً على الأقل إلى سياسات ترامب التجارية.
وقد وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارة حرة منفصلة خلال الاثني عشر شهراً الماضية مع السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور) والهند، ما أدى إلى إلغاء نحو 90% من الرسوم الجمركية الثنائية، وتغطية ما يقرب من ملياري نسمة وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وحسّنت الصين اتفاقيتها مع دول الآسيان.
إن تراجع حصة الولايات المتحدة في التجــارة العالميـــة وتوفر أسواق بديلـــة أمام المصدّرين الأجانب جعـــلا عـــبء الرســـوم الجمركيـــة يقـــع أساساً على الشركات والمستهلكين الأمريكيين، لا على الخارج.
ويجب عدم إغفال وجود مخاطر رئيسية تعترض مرونة سلاسل الإمداد على سبيل المثال:
التصعيد المفاجئ في النزاعات التجارية. ارتفاع تكاليف المدخلات. تقلبات الأسواق الناتجة عن عدم اليقين الجيوسياسي. وقامت بعض الدول الرائدة الراشدة مثل دولة الامارات العربية المتحدة باعتماد استراتيجيات استثمارية مرنة تقوم على: تنويع الأصول. إدارة المخاطر الجيوسياسية. المتابعة المستمرة للتطورات في السياسات التجارية للدول الكبرى. سلاسل القيمة العالمية تحقق منافع عديدة لدولة الإمارات وللدول المشاركة أهمها:1) زيادة واستقرار معدل النمو الاقتصادي.2) تحسين الكفاءة الاقتصادية.3) تطوير الشركات من خلال الاستفادة من التطورات التكنولوجية في الإنتاج وتنمية قدراتها الذاتية لمقابلة المعايير العالمية.4) تطوير تجارة القيمة المضافة من خلال مشاركة شركات في دول مختلفة في مراحل مختلفة.
* أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية
