شاهدت الحلقة الأخيرة من برنامج (معكم منى الشاذلى) استضافت، ابن الموسيقار الكبير محمد محمد عبد الوهاب، وابنته عفت، وعددا من الأحفاد، أعادنى البرنامج إلى واقعة استثنائية ونادرة، وغير قابلة أيضا للتكرار.
فى عام ١٩٨٩ كان العالم العربى كله يتحدث عن معجزة كونية، عودة الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب للغناء بعد توقفه مرحلة زمنية شارفت على نحو ٣٠ عاما، اعتزل عبد الوهاب الغناء فى الحفلات (لايف) عام ١٩٥٤ بعد حفل أقامه (سلاح الفرسان) بعد أن غنى رائعة مأمون الشناوى (كل ده كان ليه)، بين الحين والآخر كان يسجل بصوته أغنيات للإذاعة مثل (أصبح عندى الآن بندقية)، أو يمنح الإذاعة تسجيلًا لإحدى أغنياته على العود مثل (ست الحبايب)، وأصبح يكتفى فقط بتحفيظ الألحان للمطربين.
رحل عبد الحليم ٣٠ مارس ١٩٧٧ قبل أن يسجل بصوته اغنية (من غير ليه) كلمات مرسى جميل عزيز وتلحين محمد عبد الوهاب.
كان مجدى العمروسى المستشار القانونى لشركة (صوت الفن) والذى أصبح مشاركا فى رأس المال بنحو ٢٠٪ تعود فى كل ذكرى للعندليب أن يقدم للجمهور أغنية نادرة لحليم، مثل تلك التى كان يقدمها فى حفلات خاصة للأمراء والأثرياء، بينما وهو يراجع بعض تسجيلاته القديمة، اكتشف تلك البروفة على العود، تجمع بين عبد الحليم وعبد الوهاب، كان عبد الوهاب يحفظ عبد الحليم اللحن، حليم يكتفى بالاستماع، وعبد الوهاب ممسكا بالعود يكرر الكوبليه مثنى وثلاث ورباع.
التقط العمروسى الخيط لماذا لا يقدمه للجمهور كاكتشاف؟، ثم طور الفكرة لماذا لا يتم مزج الفرقة الموسيقية (الماسية) بقيادة احمد فؤاد حسن مع صوت عبد الوهاب، ثم أضاف لمحة أخرى، ما الذى يمنع من التفكير فى كذبة (بيضاء)، لو قلنا ان هذا هو صوت عبد الوهاب عام١٩٧٧، ربما لم نحقق المفاجأة، لو أعلنا أنه صوت عبد الوهاب الآن سنحقق قفزة أبعد فى التسويق، وكان عبد الوهاب وقتها يقترب من التسعين، وتلك فقط تكفى لتحقيق فرقعة إعلامية (تريند) بلغة هذا الزمن.
كيف يصدق الناس؟ تمثيلية محكمة البناء، مليئة بالتفاصيل، كان الكاتب الصحفى والإعلامى الكبير مفيد فوزى يقدم أشهر برنامج أسبوعى (حديث المدينة)، كان صديقا لكل الأطراف، وجاء الاتفاق لتسويق الكذبة، وبدأت التمثيلة مفيد فوزى يقتحم البروفة، والناس تشاهد عبد الوهاب ممسكا بالعود، وخلفه الفرقة الموسيقية بكامل أعضائها، وبعد شهر يتم إصدار الشريط، والكل مصدق أنها حقيقة وكلنا شهود عيان عليها، وفى هذا الزمن _قبل الفضائيات _ كانت مصر كلها تشاهد البرنامج فى نفس اللحظة.
فى هذا التوقيت كنت أكتب مقالين الأحد والأربعاء فى جريدة الوفد، بعد أن أصبح صديقى الكاتب الكبير مجدى مهنا مديرا للتحرير، كتبت على صفحاتها مقالا عنوانه (ألف ليه وليه)، فضحت التمثيلية، كان مجدى العمروسى مسيطرا بنسبة كبيرة على الصحافة والاعلام، ولهذا تعددت التكذيبات التى نالها العبد لله، ونشرها عدد من الزملاء.
فى المقال الذى تم نشره، أشرت إلى الدور الذى لعبه مهندس الصوت العبقرى الراحل زكريا عامر، بإمكانيات محدودة أقنع الملايين، أن هذا هو صوت عبد الوهاب الآن، الغريب أن زكريا عامر كذبنى هو أيضا.
بعد رحيل عبد الوهاب أصبح من الممكن ذكر الحقيقة، التى وجد فيها ابنه محمد محمد عبد الوهاب الذى ورث عن الموسيقار الكبير خفة ظله وحضوره، وجد فيها واحدة من الدلائل، على ذكاء عبد الوهاب، وهى بالفعل كذلك، كانت وستظل بالفعل كذبة بيضاء!!
