في مدينة تُجيد تحويل الضوء إلى لغة، والفن إلى نبض يومي، تتجدّد الحكاية في «ليالي الفن» بمركز دبي المالي العالمي، حيث لا تُعرض الأعمال بوصفها لوحاتٍ صامتة، بل ككائنات حيّة تتنفس في فضاء مفتوح على الدهشة. وفي نسختها الحادية والعشرين، تواصل الفعالية ترسيخ حضورها كمنصة نابضة تجمع بين التجارب الراسخة والطاقات الصاعدة، لتقدّم مشهداً إبداعياً يتجاوز العرض إلى التفاعل، ويحوّل اللقاء بين الفنان والجمهور إلى لحظة اكتشاف متبادل، تعكس حيوية المشهد الثقافي في دبي وقدرته المستمرة على إعادة ابتكار ذاته.
منصة استراتيجية
أكد عارف أميري، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي لـ«البيان»، استمرار النهج الداعم الذي يتبناه المركز تجاه الحركة الفنية في الإمارة، مشيراً إلى أن فعالية «ليالي الفن» باتت منصة استراتيجية تهدف إلى إبراز طاقات الفنانين، سواء من الرواد الذين وضعوا بصمتهم في المشهد الثقافي، أو الناشئين في مستهل مسيرتهم الصاعدة.
وفي سياق استعراض أهداف المبادرة، أوضح أميري أن المركز يسعى إلى تعزيز ظهور الفنانين ووصول أعمالهم إلى شريحة أوسع من الجمهور في دبي، وأن كل دورة من الفعالية تهدف إلى تسليط الضوء على باقة متجددة وملهمة من المواهب الإبداعية، مشدداً على أهمية دعم المبدعين كجزء أصيل من الرؤية الهادفة إلى تطوير البيئة الثقافية. وقال: «نواصل، من خلال هذه الفعالية، التزامنا بدعم الفنانين، وتسليط الضوء في كل دورة على المواهب التي تسهم في إثراء المشهد الإبداعي المتنامي في دبي».
وكان لـ«البيان» لقاء مع بعض الفنانين المشاركين بإبداعاتهم في الفعالية، حيث أكدت الإعلامية والفنانة البصرية الأردنية هند خليفات أن دبي تكرس مكانتها كأيقونة عالمية قادرة على جذب الجمال والفن والحراك الثقافي في كل مشهد من مشاهدها، مشيرةً إلى أن مشاركتها الحالية في «ليالي الفن» بمركز دبي المالي العالمي يثري تجاربها الفنية. وأوضحت خليفات أن هذا الموسم الفني يكتسب أهمية خاصة لكونه يأتي بعد مرحلة مليئة بالتحديات التي تجاوزتها الدولة بعزيمة صلبة، مستلهمةً مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: «ترانا بنظهر أقوى»، وهو ما يتجسد اليوم في كثافة الحضور الجماهيري من مختلف الثقافات والجنسيات. وعن تجربتها الفنية، كشفت هند خليفات عن أسلوبها في الرسم باستخدام كلتا اليدين بشكل متوازٍ، واصفةً هذا النهج بأنه يتمرد على المدارس التقليدية، ويكسر قواعد المنظور والظل والنور المعتادة، ليبدأ من نقطة وينتهي بنقطة في تجربة بصرية مكثفة. وأشارت إلى أنها شاركت في المعرض بعدد كبير من اللوحات، إذ قادها شغفها الفني إلى تقديم تجربة حية أمام الجمهور بشكل مباشر، موضحةً أن اللوحة الواحدة تستغرق من 3 إلى 4 دقائق من العمل المتناغم والسريع، وهو ما أتاح للجمهور، ولا سيما الأطفال، التفاعل مع العمل الفني والإسهام فيه بشكل عفوي. واختتمت الخليفات حديثها بالتشديد على أهمية دعم الحراك الثقافي، مؤكدةً أن الإمارات تثبت قدرتها الفائقة على صناعة الدهشة في مختلف المجالات، من الفن والثقافة وصولاً إلى الاقتصاد والاستثمار، وهو ما يمثل الإعمار الحقيقي للأرض.
تجربة تفاعلية
من جانبها، أكدت الفنانة التشكيلية السورية نور بازرباشي أن مشاركتها في فعالية «ليالي الفن» بمركز دبي المالي العالمي تأتي كرسالة فخر واعتزاز بالدولة التي احتضنت مسيرتها الفنية على مدار 15 عاماً، منوهةً بأنها حرصت على تقديم تجربة فنية تفاعلية إلى جانب عرض لوحاتها ومنحوتاتها الخاصة، إذ خصصت جزءاً من العمل بألوان علم دولة الإمارات، أتاحت من خلاله للزوار من مختلف الثقافات تدوين عبارات المحبة للإمارات بجميع اللغات، الأمر الذي شكّل حالة من التفاعل التي تعكس الامتنان الجماعي لما تقدمه الإمارات من فرص وتقدير للمبدعين. وأشارت إلى أن الفعالية تعد حدثاً استثنائياً يتطور عاماً بعد عام، مضيفةً إن الحضور في هذا المحفل لا يقتصر على عرض النتاج الفني فحسب، بل يمثل منصة لتبادل الرؤى والاستلهام من تجارب الفنانين الآخرين، ما يسهم في تطوير أدوات الفنان وتوسيع مداركه. وفي سياق حديثها عن ذائقة الجمهور، أكدت نور بازرباشي أن ثمة وعياً فنياً ملموساً ومتصاعداً لدى متلقي الفن وعشاقه في الإمارات، لافتةً إلى بروز حالة من الحنين إلى الفن القديم بمزيج ألوانه وعمقه، تقابل الانجذاب نحو الفن المعاصر السريع. واختتمت حديثها بالإشارة إلى منهجها الفني الذي يميل إلى الأصالة، مؤكدةً ضرورة المزج بين القديم وتطويره لخلق هوية فنية تجمع بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر.
