يُعدّ اكتشاف الكهرمان في القارة القطبية الجنوبية من أكثر الاكتشافات التي أثارت دهشة العلماء، إذ يفتح نافذة نادرة على زمن بعيد كانت فيه هذه الأرض المغطاة اليوم بالجليد تمتلك طبيعة مختلفة تماماً. فبين طبقات الرواسب القديمة، ظهر كهرمان متحجر يعود إلى عشرات الملايين من السنين، حاملاً في داخله أدلة على بيئة دافئة وغابات كثيفة كانت تزدهر في القطب الجنوبي. هذا الاكتشاف لا يكشف مجرد قطعة أثرية نادرة، بل يعيد طرح سؤال كبير حول تاريخ المناخ على كوكب الأرض، وكيف تحولت “القارة الخضراء” إلى عالم متجمد كما نعرفه اليوم.
وكشفت دراسة علمية عن اكتشاف استثنائي لكهرمان متحجر في غرب القارة القطبية الجنوبية، يعود تاريخه إلى ما بين 92 و83 مليون سنة، أي إلى منتصف العصر الطباشيري. ويُعد هذا الاكتشاف نافذة نادرة تطل على مرحلة من تاريخ الأرض كانت فيها القارة المتجمدة اليوم تمتلك بيئة مختلفة تماماً، يغلب عليها الطابع الغابي الدافئ والمستنقعات الكثيفة.
وقد عُثر على هذه القطعة داخل حوض باين آيلاند خلال رحلة استكشافية على متن سفينة الأبحاث Polarstern، حيث استخدم العلماء جهاز حفر بحري متطور لاستخراج عينات من أعماق الرواسب في بحر أموندسن. وقد أتاحت هذه التقنيات المتقدمة الوصول إلى طبقات جيولوجية قديمة يصعب الوصول إليها عادة، مما مكّن الباحثين من اكتشاف مواد عضوية متحجرة تعود إلى ملايين السنين.
ووفقاً لـ “Antarctic Science” ، تُعد هذه العينة أول كهرمان مؤكد يُعثر عليه في القارة القطبية الجنوبية، وهو ما يمنحها أهمية علمية كبيرة. فهذا الاكتشاف لا يُعد مجرد إضافة جديدة للسجل الأحفوري، بل يمثل دليلاً نادراً على وجود مواد راتنجية متحجرة في بيئة قطبية قاسية، ما يجعلها اكتشافاً فريداً من نوعه يفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخ القارة القديمة.
ويُشير هذا الاكتشاف إلى أن الأشجار المنتجة للراتنج كانت تنمو في تلك المنطقة البعيدة جنوباً، في وقت كانت فيه القارة القطبية الجنوبية بيئة خضراء معتدلة مقارنةً ببرودتها الحالية. كما أن وجود الكهرمان في هذا الموقع يملأ فجوة مهمة في السجل الأحفوري، إذ لم يكن يُعتقد سابقاً أن الراتنج النباتي يمكن أن يُحفظ في هذه البيئات القاسية.
ويؤكد العلماء، ومن بينهم الدكتور يوهان كلاجيس، أن الظروف التي تسمح بتكوّن الراتنج النباتي وتحجره كانت متوافرة حتى في المناطق القطبية القديمة، ما يدل على أن هذه البيئات لم تكن متجمدة كما هي اليوم. بل تشير الأدلة إلى أن غابات الصنوبريات كانت تنتشر في تلك المناطق ضمن مناخ دافئ ورطب، يغلب عليه الطابع المستنقعي، بالقرب من القطب الجنوبي خلال العصر الطباشيري. وهذا يعكس تغيراً جذرياً في طبيعة المناخ القديم مقارنة بالواقع الحالي للقارة القطبية الجنوبية.
وتُظهر التحاليل المجهرية للعينة وجود بنية دقيقة محفوظة بشكل جيد، تضم شوائب عضوية وجزيئات شفافة وشبه شفافة، ما يشير إلى أن الكهرمان تكوّن ثم دُفن بسرعة نسبياً في بيئة مستقرة وعلى عمق ضحل. وقد ساعد هذا الدفن السريع على حمايته من عوامل التآكل الطبيعي مثل الحرارة والضغط الجيولوجي، مما سمح ببقاء تفاصيله الدقيقة محفوظة عبر ملايين السنين بشكل استثنائي.
كما رصد الباحثون آثار تدفق راتنجي ناتج عن إجهاد الأشجار أو تعرضها للطفيليات أو حرائق الغابات، وهي آلية دفاعية طبيعية تؤدي إلى حبس أجزاء من البيئة المحيطة داخل الراتنج قبل تحجره. وهذا ما يجعل الكهرمان بمثابة “كبسولة زمنية” تحفظ تفاصيل دقيقة عن النظم البيئية القديمة.
ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للغابات التي كانت تغطي القارات الجنوبية، وربما يكشف عن أدلة للحياة والبيئة التي اختفت منذ ملايين السنين، في رحلة علمية تعيد رسم صورة القارة القطبية الجنوبية كما كانت قبل أن تتحول إلى عالم من الجليد.
